الإلحاد ليس صناعة غربية

 قاسم الغزالي  قاسم غزالي

الدهريون أجدادنا الملحدون..

هنالك ارتباك وهوس إسلامي كبير أمام الأثر الذي أنتجته وسائل الاتصال الحديثة اليوم، التي مكنت الكثيرين من الحصول على فرص للتواصل وهوامش لم يحلم بها أحد من قبل للتعبير عن الأفكار وطرح الأسئلة وطرق أبواب التابوهات المسكوت عنها أو المحرمةأحد هذه المواضيع المحرمة التي باتت تؤرق مشايخ وحماة الدين الإسلامي اليوم هي ظاهرة المد الإلحادي واللاديني. يدعي بعض المؤمنون أن الإلحاد صناعة صهيونية تم استيرادها من الغرب من أجل تفكيك وحدة المسلمين وزرع الفتنة، وكأن العالم الإسلامي حقا موحد ولا تنخره نزاعات وصراعات قبلية ومذهبية بين أتباع الدين نفسه

هؤلاء يجب أن يعرفوا أن الفكر اللاديني كان متجذرا في ثقافة شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وبعد الإسلام. ونسوق كمثال هنا أجدادنا الدهريون الذين لم يعبدوا أي آلهة ولم يركعوا لا لأوثان ولا أصنام، وأصل التسمية مشتق من كلمة دهر ويطلق على من يقولون بقدم العالم أو أن العالم لا أول له ولا يؤمنون بالغيب أو الحياة بعد الموت.

أما بعد مجيء الإسلام، فكل المؤلفات التي وصلتنا تؤكد على أن الإلحاد كان حاضرا دائما بقوة. ويمكنك أن تطالع فقط كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني لتعرف حجم الإلحاد الذي كان منتشرا وسخريته من الوحي والصلاة والآخرة واليوم الأخر.

ويكفي دليل أخرا المحاكمات التي طالت كبار الشعراء والمفكرين والفلاسفة التي قادتهم للقتل أو السجن أو التضييق بسبب مواقفهم من الإسلام والإيمان بشكل عام، وخير دليل المتنبي وبشار بن برد والرازي والراوندي وابن المقفع وغيرهم. من يقول أن الإلحاد موضى كمن يريد إخفاء الشمس بالغربال.

هوس إسلامي.. 

هذا الهوس له علاقة مباشرة بتنامي ظاهرة الملحدين العرب الذين باتوا يتخذون من وسائط التواصل الاجتماعي نافذة لهم على العالم، لست هنا بصدد الحديث عن الأسباب التي تدفع الناس إلى الإلحاد، وقد يكون هذا موضوعا لمقال أخر وإن كنت اعتقد انه بحاجة إلى بحث دقيق ومفصل، يربط العالم الإسلامي من موقعه الخاص إلى علاقته بالغرب الذي بات هو الأخر يعرف اتجاها متناميا نحو اللادينية بعد أن فقدت الكنيسة للكثير من أدوارها خصوصا السياسية منها.

الملحدين بالعالم العربي كانوا دائما موجودين لكن الذي كان ينقصهم هو التواصل والشجاعة في التعبير عن قناعتهم، وقد شهدت الخمس سنوات الأخيرة بالتحديد خروجا غير مسبوقا للملحدين العرب، وإعلانهم المكشوف عن رفضهم للإسلام والدين بشكل عام، تميزت في الفترة الأولى بظهور أصوات معدودة على رؤوس الأصابع، كالمدون كريم عامر بمصر الذي اعتقل بتهمة الإلحاد إبان حكم مبارك، والكاتب أثير العاني العراقي المقيم بألمانيا والكاتب بسام البغدادي المقيم بالسويد، ويمكن اعتبارهم من أوائل الملحدين العرب الذين تحدثوا للعالم بوجه مكشوف.

أثير العاني كان صاحب مبادرة شجاعة أسهمت بشكل كبير في كسر تابو الصمت، وكانت الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي، تمثلت في تسجيل فيديو لظهور اللادينين العرب. ثم تجربتي الشخصية بالمغرب وما صحبها من نقاش وجدل إعلامي… بالإضافة إلى المنتديات اللادينية التي كان أغلب أعضائها يشاركون بأسماء مستعارة.

ومع انتشار الفيسبوك، أنشئت مجموعات أخرى من الملحدين الذين كانوا يختارون أسماءا مستعارة للنقاش على الشبكات الاجتماعية خوفا على سلامتهم الشخصية، وقد صاحب هذا الخروج إلى الضوء الذي احسبه الأول والأكبر من نوعه انتباه العديد من وسائل الإعلام سواء العربية والدولية لظاهرة الملحدين العرب، والمضايقات التي يتعرضون لها.
ومع اتساع شبكة الملحدين العرب على مستوى الانترنت بدأ الكثيرون في تجاوز مخاوفهم وتحدي السلطات والأعراف الدينية بالإعلان عن هوياتهم وأسمائهم الحقيقية.

طبعا هذا المد وان كنت أفضل التعبير عنه بالإعلان المتنامي عن الإلحاد ساهمت فيه شبكة الانترنت، وبتنا نسمع يوميا عن ملحدين عرب على شبكة الفيسبوك وانتقل الكثيرون من العالم الافتراضي إلى الواقع، ولم يعد الملحدون محصورين في بعض النخب الثقافية أو السياسية المحسوبة على اليسار وبعض الأسر البرجوازية كما كان في الماضي، بل بات لدينا ملحدون من مختلف الانتماءات السياسية وأحيانا كثيرة دون انتماءات محددة. وبخلفيات وألوان ثقافية واجتماعية عديدة. وعدد مهم منهم جاء من قلب التنظيمات السلفية وأخواتها.

تٌركت هذه الفئة من المجتمع التي كانت تعيش في الظل تعاني من غياب الضمانات القانونية التي تُجهض أمام الفصل القاسم بين كل الدساتير العربية وهو التنصيص على أن الإسلام هو دين الدولة والمصدر الأساسي في التشريع على مستوى قوانين الأسرة، وأيضا القوانين الأخرى كالتي تجرم الإفطار العلني نهار رمضان. وإلى حدود اليوم لا يمكن أن يمر فصل من سنة دون اعتقال ملحد، أو طرد أخر من العمل، أو الاعتداء الجسدي على احدهم من طرف حماة الإيمان والعقيدة..

حرية أم ازدراء.. ازدراء أم حرية.

على الفيسبوك، ستجد ملحدا من النوع الذي يناقش ويدافع عن رأيه بشكل عقلاني دون شتم أو تسفيه لمعتقدات الأخر، وان كان هذا المستوى من النقاش رغم مراعاته لمشاعر المؤمن يجد ردود فعل حادة وخطرة جدا، ويكون صاحبها عرضة للتهديد بالتصفية والسجن والاضطهاد بجميع أشكاله وأنواعه. وهذا رد فعل طبيعي وعادي إذا أخذنا عقلية المسلم والكيفية التي يميز بها بين الخير والشر والخط الذي يرسمه على رقبة هذا الأخير

قد تصادف أيضا ملحدا ينشر صورا كاريكاتورية للنبي محمد، أو بعض العبارات التي يمكن اعتبارها مسيئة لله والدين والملائكة، وهنا طبعا نكون أمام رد فعل من الغضب والإرهاب والتنديد من طرف المسلمين لمثل هذه الأفعال. أو ستصادف من يختار الاستهزاء والشتم وبالموازاة مع ذلك يقدم نقدا موضوعيا ومقبولا مثل ما يقوم به مدون اليوتوب ملحد مصري.

وقد اعتقلت تونس بعد الثورة شابين من أجل نشر صور مسيئة للرسول وحكمت عليهما بسبع سنوات ونصف سجنا. وبالكويت اعتقل المدون عبد العزيز محمد الباز المعروف لابن باز. كما اعتقلت مصر شابا يدعى البر صابر بنفس التهمة ”الإساءة للإسلام”. وقبل يومين اعتقلت الشرطة المصرية الطالب شريف جابر والتهمة دائما مطبوخة ومعدة للتقديم. 

من خلال حضوري لجلسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، وجدت أن هنالك بعض الدول الإسلامية المتشددة في تطبيق قوانين الردة ومعاقبة المسيئين للرموز الدينية الإسلامية، يدافعون عن موقفهم من هذه القوانين، باعتبار أن الدول الأوربية أيضا تتوفر على قوانين الكفر التي تجرم الإساءة لمعتقدات الآخرين.

وهي بالمناسبة قوانين وضعت في سياق مختلف والمحاكم الأوربية بدأت تنتبه لهذا الأمر، و لم يعد ممكنا اليوم اعتقال أي شخص من أجل تعبيره عن رأيه من المسيحية أو اليهودية أو الإسلام عن طريق مقالة أو نشر صورة كاريكاتورية مهما كانت تحمل من سخرية واستهزاء بمعتقد الأخر، لكن الغاية من هذه القوانين أو لنقل جوهرها يهدف إلى محاربة خطاب الكراهية والعنف ضد أتباع الديانات، وهي الخطب المنتشرة بكثرة في العالم الإسلامي ولا يتم الانتباه إليها وغالبا ما يغض الحقوقيون الطرف عنها خوفا على مصالحهم وحتى لا يتم اعتبارهم أعداءا لله والدين.

لأن العرف يقضي بأن أي محاولة لإدانة هذه الخطب الإرهابية تجد من يعتبرها تجديفا وكفرا.

أما في الغرب فإن القانون يعاقب كل من يحرض ضد المسلمين، كأن يقول شخص ما أن المسلمين خنازير، أو يجب نفيهم خارج أوربا أو قتلهم. في المقابل لن يعتبر الحديث عن الإسلام، أو احد شخصياته التاريخية أو ورسمها أو صناعة شخصيات كرتونية تشبهها أمرا مخالفا للقانون، لأن هذا يؤخذ من باب حرية التعبير، وقد تابعنا كيف قضت المحكمة الهولندية ببراءة النائب البرلماني خيرت فيلدرز باعتبار أن كلامه لم يكن موجها للمسلمين وإنما للدين الإسلامي. والأمر سيان بالنسبة للأديان والمعتقدات الأخرى. لأن الدولة هنا تأخذ نفس المسافة من الجميع

شخصيا، وبناءا على رؤية تقيس الأمور بشكل متوازن، لا أحبذ سب الأديان، ولست من أنصار من يقومون بذلك طوال اليوم على شبكة الإنترنت، لكنني أفهم جيدا الظروف التي تخلق مثل هذا النوع من رد الفعل المتعصب، فحينما يحكم عليك أن تعيش بمجتمع لا يقبل بخصوصيتك الثقافية والعقدية وتكون يوميا عرضة لمواقف تجد نفسك مضطرا إلى كتم أنفاسك أمامها والمضي جارا قدميك دون أن تبدي رأيك كما هو، فأن المنفذ الوحيد لتصريف كل هذا الغضب والاحتقار الذي يطالك، يبقى محصورا في صفحات العالم الافتراضي..

ورغم أنني لا اتفق معك إلا أنني ادعم حقك في ذلك، لأن معتقدات الأخر تستمد قداستها من الإيمان، وبما أن شرط الإيمان غائب عندك، فأنت غير ملزم باحترامه وإلا فأننا نبرر ونشرعن قوانين من قبيل ازدراء مشاعر أنصار الرأس مال، وازدراء محبي السلطة بالبصل، أو سيد الخواتم...

لكن وقبل أن أودعك أيها القارئ، يجب أن نتفق بأننا نؤمن بالإنسان، وقداسة الإنسان، وبالتالي فلن أدعم أحدا إذا تورط في انتهاك حقوق الإنسان، وما أكثر منتهكيها من أتباع نادي الأديان..

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان and tagged , , . Bookmark the permalink.