تجليات الدموع والألم والنصر في الذكري الأربعون

باهر رضا وثائقي حرب اكتوبر

يحل أكتوبر هذا العام بطعم مختلف …..بالرغم من كل الظروف الحالكة حولنا ولكن هناك شعاع أمل يومض في القلوب… ينتظر الفجر لينبثق نوراً مبدداً لعتمة ظلام حل علينا حتي كدنا أن نألفه ….جيش وشرطة وشعب …ولتقل وطن في مواجهة متطرفون لا يؤمنون لا بوطن ولا بأرض سوي بأوهام زرعها الأخرون لتفتيت الأوطان وجعلهم خنجر مسموم في ظهر هذا  الوطن ….حتما سينتهي فكرهم فأرض بلادي طاهرة ….مُقدسة ….عين حورس يخرج منها ماء النهر الذي ينساب عابراً …مُسرعاً بالشوق إلي وطن حابي …يجري فرحاً في وادي الحياة المقدس حيث أبناء حابي الذين في يوم حسابهم يقفون ليقسموا إنهم احترموه ولم يعتدوا عليه ….ينساب كنسمات الربيع التي تداعب اوراق الشجر ….مداعباً كيميت ….لينتهي ويستقر في البحر بعد أن أدي واجبه واستراح .

وطني هذا مُقدساً ….لا يقبل القسمة ….ولا حتي الإضافة ….اجدادي احترموا اقداسه فلم يحتلوا او يغزوا قُطراً أو بلداً ….بل خرجوا زوداً عن قدسه وحماية لحدوده ….وحتي عندما خرجوا وأدبوا المعتدين ذكروا عند عودتهم أن أيّاً من جنود كيميت لم يغتصب أو يسرق حتي نعلاً أو خبزاً من عدوٍ …هذه أخلاق كيميت مهد الأخلاق وقاعدة الضمير ……  

وطني هذا أرضه قُدس أقداس حتي أن احد أجدادي ( سنوسرت الثالث )  كتب لنا وثيقة علي الحجر عند حدود وطني الجنوبية وقال إن أيّاً من ابنائي يحافظ علي هذه الحدود فهو ابني ووُلد مني أما من يفشل في الحفاظ عليها أو يُدمرها فليس ابني ولم يولد مني

هذه بلادي وهؤلاء أجدادي وأبنائهم من العاشقين لوطني والمتعبدين في محرابه هم أخوتي .

في العام الماضي وتحديداً بعد وصول الاخوان الأصوليون الوصوليون للسلطة اصابني الإكتئاب الشديد فكيف تُسلم مفاتيح بلادي وحضارة وطني وتاريخ أجدادي لمن لم يؤمن قط يوماً بُحرمته وقدسية أرض بلادي ويُريد أن يهتك قداستها ويجعلها إقليم أو ولاية في إمبراطورية تعشش في خياله . كنت في حالة من الحزن الشديد واليأس ….فالحزن الشديد علي إنني رأيت من يدعون إنهم مثقفين ومتعلمين ونخبة يتبارون في تأييد مرشح الإخوان .

 وسبب حزني هو أي مثقف هذا أو متعلم ذلك الذي ينتخب أصولياً قناعته هي الأصولية وايدولوجيته هي المُطلق والسياسة ولعبتها هي سُلم لتسريع تحقيق فكرتهم ونظرتهم عن حلم يجعل الوطن ولاية أو مقاطعة كانت صدمتي قوية لدرجة عقدت لساني عن الكلام من خيبة الأمل ….تدليس وغش وتسويق لمنتج رديء ويا ليتها توقفت علي الرداءة وفقط …وإنما منتج قاتل وسام ومميت ….

وأما اليأس فكان لأني شعرت أن كل كفاح المصريين ودولتهم الحديثة سيتم التنكيل بها والعودة إلي قرون التخلف والجهل والردة إلي الماضي السحيق ….فكيف تتقدم دولة علي رأسها أصولي يمتلك فكرة الحقيقة المُطلقة ولا يؤمن بنسبية كل شيء ….دولة صعد إلي رأسها وهي تمر بحالة من التفكك المريعة التي تساعده تماماً علي تنفيذ ما يرغب تحت شعارات من الزيف والخداع ووسط تصفيق جوقة عابدي الأضواء والكراسي والمصالح ….كنت أري وطني يوأد حياً ويطمر تحت رمال الأصولية وشاهدت مقطع بالتليفزيون وهو قائد الجيش وقائد الحرس الجمهوري وهو يؤدي التحية العسكرية وكانت هذه اللقطة كالخنجر الذي اوجعني ….قد يري البعض هذا المشهد متوقعاً فالقادة يؤدون التحية لرئيسهم ولكني لم أكن أري ذلك …..كنت أري وطني يقف مهزوماً ويؤدي فرض الطاعة لمنتصر وغازي في انكسار …….مفاتيح مصر تُسلم للهكسوس الغزاة ….لم أذق طعم النوم يومها ……رأيت في المنام عمي وزملائه الذين قدموا دمائهم وأرواحهم وكل حياتهم فداء لهذا الوطن من أجل أن تكون رايته مرفوعة ….من أجل ان يكون وطناً يتساوي فيه الجميع …لا فرق بين هذا وذاك إلا بحب الوطن والإخلاص إليه …..رأيتهم كما رأيت صور هزيمة 67 القاسية والجنود واقفين …منهكين ومستسلمين لما سيفعله بهم عدوهم …..قلت ليلتها يا ليتك لم تمت ….لماذا لم تهرب ….وتتزوج بمن احببت …..لماذا قدمت نفسك علي مذبح وطن …أتي اليوم الذي قام فيه البعض بتسليمه رهن لمن لا يؤمنون به !!

كيف سلمت نفسك وضحيت وأنت لا مكان لك في هذا الوطن ولا لأحفادك لو أتوا فهذه البلاد لم تعد بلادك

كيف منحت روحك وتركت كل شيء وتحملت البعد والمعاناة من أجل يوم يأتي فيه مجموعة من المتنطعين يجلسون في القاعات المكيفة ويتسربلون بالرفاهية ليمتنعوا عن الوقوف إحتراماً لعلم الوطن

كيف تركت جرحاً وألما لم يندمل في قلوب أسرتك من أجل وطن أتي اليوم الذي يخرج منه من يقول إنك كافر

يا إلهي كم كانت تلك الفترة مزلزلة لكل ما آمنت به من قيم ومن كل ما غُرس في وجداني لهذا الوطن !

حاولت بقدر استطاعتي البعد والإنعزال عن كافة الأخبار وصور الهكسوس التي أصبحت تطاردني في كل مكان حتي في عقر منزلي ….وتطاردني أفكاري حتي تكاد الفتك بي . كيف يا وطني هُنت ….كيف باعوك في سوق النخاسة …كيف جعلوا دم شهدائك لا شيء ….. 

 هربت من أخبارهم …وكانت صورتك ببالي مبتسماً ….لا أعلم كيف وأنا لم ألتقيك أبداً !!

ومر العام بآلامه ومتاعبه ومشاكله بطيئاً ثقيلاً حتي أتي شهر اكتوبر حيث كنت قد اعتدت أن اتكلم أو اكتب عنك في ذكراك وذكري رفاقك الشجعان والأبطال …ولكن ماذا افعل بحظي العاثر الذي يُشبه ما قال عنه الشاعر 

إن حظي كدقيقٍ فوق شوك نثروه

ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريح اجمعوه 

صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه 

إن من اشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه 

نعم حظي العاثر جعلني اشاهد صورة جعلت عقلي ومشاعري تنفجر ….احتفال يوم النصر بحضور قادة الإرهاب الذين اغتالوا قائد جيش النصر في يوم النصر ….من الذي يحتفل ؟؟!! ويحتفي بمن ؟؟!! وما المناسبة ؟؟!! من هؤلاء ؟؟!! أهذه هي الرسالة التي توجه لجيل الشباب …اقتلوا قائدكم يوم نصره …وبيعوا وطنكم…ودمروا شعبكم…وتعالوا نكرمكم ونحتفل بتاريخ انتصارات الوطن ………أي جنون هذا …وأي عبث ….

بالإضافة علي مدار عام كامل تشويه وتكفير وبث خطاب للكراهية ….وتشويه كل ما يمت للوطن …كل تاريخنا لاشيء …….توقف التاريخ عند هؤلاء وعادوا ليصيغوا تاريخاً جديداً بل قل تدليساً وغشاً وتزويراً ….أي جبروت هذا ….وصل بهم الأمر إنهم يكذبون ويصدقون كذبهم بل يؤمنون به وجوقتهم حولهم تصفق ويريدون الشعب أن يخر ساجداً ويؤمن ……جال بخاطري طيف أبناء بلادي يوم كانوا يقاتلون …كانوا يتسابقون لنيل وقنص الموت …لا حباً في منصب ولا مال ولا جاه ….إنما فداءاً لوطن ..وتطهراً من إشاعة تقول هزيمة ونكسة في 67 وهم لم يحاربوا …..وتحريراً لأرض مقدسة ….وإعلاءا لراية وطن ..تكالبت عليه الضباع والذئاب منذ أن بزغ فجره ساطعاً …..لم يكن يثنيهم خوف أو تعلق بأسرة أو بزوجة أو بأبناء …فالوطن عقيدتهم …وذويهم خير أن يعيشوا في وطن حر مرفوع الراية بدونهم من أن يحيوا معهم بالذل في وطن محتل .  

عمي الشهيد فتحي فخري يونان

عمي الشهيد فتحي فخري يونان

في ذكراك الأربعون وبعد أن انزاح واندحرت قبائل الهكسوس أظن أنك تبتسم الآن في رقدتك ….لم تقدم حياتك من أجل هؤلاء ….بل من أجل مصر الوطن وابنائها الأوفياء ……

أيها الشهيد نفتقدك كثيراً ….ونفتقد ذكراك ………اتفقد صورك …ذكرياتك …في الطفولة ..في الشباب …صورك واصدقائك بالجامعة بأسيوط …والأقارب بالقاهرة …صورك بأسوان في بناء السد العالي …صورك في الجيش …..حتي النعي الذي نُشر بالأهرام لم يفوتني ….هذه الذكري بالرغم من مرور 40 عاماً علي موتك إلا أن هذا العام تختلف عما سبق ….ذكراك حاضرة دوماً في قلوبنا …….

منذ طفولتي كنت أري في كل عام من شهر أكتوبر عيون غارقة في الدموع ولم أكن أعي السبب ….كنت اختلس الدخول إلي غرفة جدتي ( والدة الشهيد ) لأراها تنتحب وتناجي أحداً لم أكن اعلمه أو أدركه ربما لأني كنت صغيراً ولن افهم ما حدث ولكن كنت أسأل جدي ما الذي حدث ولكن كانت الدموع التي تأبي النزول هي الإجابة التي لم أكن أدركها !!

في إحدي الغرف في بيتنا القروي الكبير كانت هناك حقيبة قديمة بأعلي أحد النوافذ كان الجميع يتحاشي حتي النظر إليها …نظرة واحدة كانت كفيلة باستدعاء الذكريات وتليها الدموع الحارة …ولم أكن ادرك سوي أن هناك أمراً رهيباً ما يخفونه عن طفل فضولي …..ولكن مرت السنوات وتوفيت جدتي ودموعها لم تفارق عينيها حتي ساعة الموت …قيل لي بعدها أن تلك السيدة هي أم الشهيد والتي لم تكن تحسب الأيام إلا علي عودة ابنها البكر …من المدرسة الثانوية …من كلية الهندسة بأسيوط…من السد العالي بأسوان …من المطار الحربي  بالأقصر …من موقع الجبهة بعوبيد بالسويس …عداد الأيام يتحرك بوجوده أمامها ….ويتوقف بغيابه حتي يوم ذهابه الأخير للجبهة بعد استدعائه للعودة ولم يتمم خطبته امسكت به وترجته ألا يذهب لأن قلبها ” مش مطمن ” بحسب تعبيرها …وعدها إنه سيعود …وكان هذا هو الوعد الوحيد الذي لم يفِ به !!

ظلت تنتظره طيلة ما تبقي من عمرها ……لا ترغب أن تسمع حتي اسمه يذكر امامها متبوعاً بطلب الرحمة ( الله يرحمه ) لأن ابنها عائد ….لقد وعدها ….وإن لم يعد ستذهب إليه وتحضره .. لم تنتظره طويلاً حتي رأت حفيدها ….لم تهدأ …ولكن كانت وحدتها وغرفتها المكان الذي لا يعقوها فيه الصغير عن ترك اللجام لذكرياتها وآلامها المكتومة ….

تمر السنوات ويطارد هذا الصغير سيرة هذا العم هنا وهناك …..ينتزع السيرة والرواية والألم من القلوب التي حبست السيرة والذكري بداخلها ..يحتفظ بقصاصات ورق إحدي المجلات التي تخص المهندسين وقتها وعليها خط الشهيد …..ولكن ظلت الحقيبة القديمة سر ولغز يسعي إليه حتي قرر في يوم أن يفتحها ….وبالرغم من تحذيرات الأم من أن هذا قد يتسبب في صدمة لأبيك الذي لم ينس أخاه …ولكن الفضول دفع هذا الطفل وبمساعدة خال والده أن يفتحا تلك الحقيبة ويالصدمة المفاجأة ….فهذا الخال انفجرت الدموع من عينيه وهو يتابع ما بداخل الحقيبة من صور ومتعلقات الشهيد من شارات سلاح المهندسين وشارات الرتب ومتعلقاته الشخصية التي احضروها بعد استشهاده …وتذكر أن هذه الحقيبة يوم أن أتت كان بها حتي الحذاء الأبيض الخاص بعروسه ( بحسب عادات الزفاف بالصعيد ) كان بداخلها حتي اخفوها عن اعين الجميع بما فيها من ذكريات …..

وتشاء الظروف أن هذا الصغير عندما يشب ويكبر أن يلبي نداء الواجب بأن يتشرف بالخدمة في القوات المسلحة كضابط احتياط وتشاء الظروف أن يكون مقر خدمته بعجرود بالسويس بالقرب من مكان خدمة الشهيد بعوبيد ( ك51 ل109 م.ع ) وبالقرب من جثمانه حيث يرقد بمقابر الشهداء أمام مقر قيادة الجيش الثالث …..ذهبت ورأيت آلاف شواهد القبور خلف النصب التذكاري للشهداء ….هنا يرقد الشهيد ….يتوحد الشهداء تحت علم مصر ….هنا ترهف السمع فتسمع مع صفير الرياح اصوات المعارك والرمل الذي خُضّب وروي بدماء هؤلاء الشبان الراقدون ههنا ….كلٌ له حكايته …وحدهم علم مصر …ذابت الفوارق الإجتماعية …والعلمية …انتهت الفروق المذهبية والطائفية …..فالوطن أصبح هو البوتقة التي اخرجت منها سبيكة الحرية والعزة والكرامة ….وطالما ظلت راية هذا الوطن تخفق في سمائه ظل هؤلاء الشباب حائمين في سمائه حارسين لأمجاده ……

الآن استطيع أن أحيي جيش بلادي وعلي رأسه القائد الذي سيُكتب بجوار اسمه نصرته لشعب مصر من ظلام هكسوس العصر الحديث وغزاة الحضارة والوطنية فليس غريباً علي جيش وطني تاريخ قادته بداية من مينا وأحمس ووني وسنوسرت وتحتمس الثالث مروراً بالعصر الحديث يشهد له بأنه عرين الأسود وحامي الوطنية …..كل التحية للفريق أول عبد الفتاح السيسي الذي أدي واجبه الذي يحتمه عليه شرف الجندية المصرية …صحيح الطريق ما زال ممتداً وطويلاً ومليء بالعقبات لكن إرادة الأبطال تقهر الصعاب 

ليرحم الله كل شهداء هذا الوطن عبر تاريخه …كل من قدموا ارواحهم فداء ونصرة للوطن …في ذكري نصر اكتوبر انظر إليك يا عمي الشهيد بنظرة الفخر والإجلال والتقدير …وبعين يملأها شوق اللقاء….. وروح جذوة حبها للوطن لم تنطفيء….فأنت لم تكن قط ذكري تحل في يوم استشهادك وإنما كنت لي بمثابة القدوة والمثل ….والنبع الذي استقيت من سيرته الوطنية …قدمت كل ما عندك في كل مهام خدمتك سواء بالمطار الحربي   بالأقصر أو بمهمتك الأخيرة في عوبيد بالسويس وتدمير النقط الحصينة بالضفة  الشرقية لقناة السويس …ومن شهامتك حتي بعد انتهائك من المهمة التي كنت مكلف بها اسرعت لنجدة أحد الضباط المصابين في اقتحام نقطة حصينة كانت مجاورة لنطاق مهمتك …لم تتأخر أو تتواني في أن تكون شهماً حتي في اصعب اللحظات حتي وإن كانت حياتك هي الثمن …..تركت حفل عُرسك في الرابع من اكتوبر 1973 لتلحق بعروسك البهية المعجبانية كيميت بنت ماعت

سلام لك ولروحك ولكل رفاقك في يوم نصرك 

————————-

* “قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان. وأخيرا قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضا. “

 { 2 تيموثاوس 4 : 7، 8

 * ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) ” 

{ سورة الفجر الآية 27 – 30

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Variety جورنال المحروسة and tagged , , , . Bookmark the permalink.