اليسار المصري ..الوحدة ولا سبيل آخر

د. رياض حسن محرم vرياض محرم

كثير من الحبر الذى أريق على الصفحات، والاجتماعات التى عقدت والمقالات التى دبّجت للمطالبة بتوحد اليسار وكأنها صيحة فى واد يتردد صداها فى الخلاء لا ينتج عنها الاّ رجع الصدى، هل هى لعنة صاحبت اليسار منذ النشأة ؟ أم هى داء عضوى بنيوى تتوارثه أجيال اليسار ولا أمل لشفائه؟، هذا سنحاول أن نبحثه.

رغم إرتباط نشأة حزب اليسار فى مصر فى الربع الاول للقرن العشرين بقضية الاستقلال الوطنى وإقامة مجتمع العدالة إلإجتماعية والإنحياز للطبقات الكادحة والمستغَلة من عمال وفلاحين ورأسمالية دنيا، الاّ أن هذه التجربة وما تلاها لم تستطع الالتحام بتلك الطبقات المستهدفة الاّ بشكل جزئى ومتقطع ويتزامن مع فترات الصعود المتزامنة مع احتدام الصراع مع الاستعمار والصراع الطبقى واشتداد التناقضات الاجتماعية التى تسبق الثورات عادة وما يصاحب ذلك من انسداد الأفق الاجتماعى، حدث ذلك فى الأربعينات مع تصاعد الاحداث حتى حريق القاهرة وقيام ثورة يوليو وقد انتعشت تنظيمات اليسار فى تلك السنوات واستطاعت الارتباط جزئيا بالحركة الطلابية فى الجامعات وبالطبقة العاملة، وفى السبعينات عادت تنظيمات اليسار الى الظهور بعد الهزيمة ومع انفجار الصراع مع اسرائيل فى حرب الاستنزاف ثم فى اكتوبر 73 وما تلا ذلك من صعود الرأسمالية الطفيلية وتفاقم الاوضاع الاجتماعية التى وصلت ذروتها فى فى إنتفاضة الخبز 77، وإتفاقية كامب ديفيد وانتهاء باعتقالات سبتمبر 81 وحادث المنصة، وحتى فى السنوات التى إستطاع فيها اليسار التواجد تنظيميا وجماهيريا كان التشرذم والانشقاقات والصراع بين فصائله عاملا مشتركا، وكان أحد الاسباب الرئيسية هو أن تلك الحلقات كانت تنشأ مرتبطة عادة بشخصية محورية يتحولق حولها بعض الاتباع أشبه ما تكون بالحلقات الصوفية وعلاقة المريدين بالقطب، ولم تنقطع طوال تاريخ الحركة الشيوعية الدعوات للوحدة حتى لقد تم تأسيس مجموعات حول هدف واحد هو وحدة الشيوعيين ولكنها أدت الى مزيد من التشرذم ولم تتم الوحدة تاريخيا على مستوى جميع التنظيمات تقريبا الا فى تجربة يتيمة واحدة ولدت بعد معاناة طويلة فى 8 يناير 1958 بإعلان الحزب الشيوعى الموحد الذى سرعان ما عاد الانقسام ينخر فيه مرة أخرى وتم الاجهاز على تلك التجربة المليئة بالأمل بالضربة التى وجهها عبد الناصر للحركة الشيوعية فى نهاية ذلك العام.

على أن أكثر السنوات جفافا وعقما فى تاريخ الحركة الشيوعية منذ نشأتها كانت فى ثمانينات وتسعينات القرن الماضى وما تخللها من انهيار الاتحاد السوفيتى وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكى، وقد شهدت هذه الفترة تحلل شبه كامل للتنظيمات الشيوعية وهجرة معظم منتسبيها الى فضاء الجمعيات الحقوقية والمراكز البحثية والهجرة الى دول الخليج والغرب، وبقي على الأرض مجموعات صغيرة كالحزب الشيوعى المصرى الذى ضعف بدوره كثيرا .. وحدثت محاولات محدودة الجدوى لبناء أحزاب شيوعية تميزت بالصراعات الحادة التى ترتبط بفترات الضعف، واستمر الكثير من الشيوعيين كحالات فردية “فرط” أو مشاركين فى بعض الحركات الإحتجاجية مثل “كفاية” و “الحركة الوطنية للتغيير” بصفة شخصية.

جاءت ثورة 25 يناير كطوق نجاة وقبلة حياة لليسار المصرى الذى شارك فيها منذ مرحلة التحضير والدعوة، وكانت شعارات اليسار المتوارثة هى الغالبة على تلك الثورة، وعادت رموز اليسار بقوة الى الميدان وأغانى الشيخ إمام وهتافات انتفاضة الخبز، وحتى شعار الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية كان صناعة يسارية، لقد ساهمت الثورة والتأثير الميدانى لليسار فيها فى إضفاء إحساسا زائفا بالقوة لليسار لم ينعكس كثيرا فى نهاية اليوم بإضافة حقيقية لقوته التنظيمية أو زيادة ملموسة فى عضوية تلك الحلقات، بل أن قضية الالتزام تميعت واطاحت رياح الثورة بكثير من المسلمات واصبح تنقل الشباب بين التنظيمات والائتلافات اسهل من شربة ماء، وإنصرف هذا الشباب عن التثقيف والبناء الفكرى الى العمل الميدانى والظهور الاعلامى، وانعكس الوضع بالضرورة على الطبقة العاملة فانشغلت عن التنظيم النقابى الرسمى والنضال فى ظل الظروف الجديدة من أجل تغيير موازين القوى داخله لصالح قوى الثورة الى التنافس فى إنشاء نقابات مستقلة بلا إمكانيات حقيقية تستطيع أن تحمى وتؤمن حياة كريمة لأعضائها، وتحول العمل النقابى الى دكاكين وشللية بلا إضافة حقيقية على طريق التنوع، إن ضعف الطبقة العاملة هو سبب ونتيجة معا لضعف اليسار، فكلما تشرذم وضعف اليسار ضعفت الحركة العمالية والعكس صحيح أيضا.

لا شك أن اليسار الموحد القوى هو وحده المؤهل تاريخيا لوضع برنامج للمستقبل ينتشل الوطن من عثرته الاقتصادية ويحقق النمو الإقتصادى والعدالة الاجتماعية معا، وما تجارب أمريكا اللاتينية الاّ شاهدا على ذلك، ليس هذا فقط بل أن تحديات الواقع تفرض على اليسار أن يتحّد حفاظا على وجوده وعدم انقراضه من ناحية وللقيام بالتصدى لتحديات اليمين بشقيه الدينى والمدنى فى معارك حالية كالدستور أو قريبة كالإنتخابات البرلمانية والرئاسية والمحليات، وباقى ما يفرضه الواقع من تحديات.

إن ما يطلق عليه مفاوضات الوحدة بين فصائل اليسار اثبتت حتى الآن عقمها وعدم قدرتها للوصول الى نتائج حقيقية لأنها تدور بين القيادات فى غرف مغلقة من أجل توحيد الرؤى والبرامج والخط السياسى “إذا إفترضنا حسن النية وتجنيب العناصر الذاتية”، فهم وبعد سنوات من التفاوض لم يصلوا حتى الآن الى أدنى أشكال التنسيق التى يمكن أن يراها الآخرون على أرض الواقع، وما يتم الاعلان عنه من نتائج “كجبهة القوى الاشتراكية أو التحالف الديموقراطى الثورى” هى أشكال نظرية فى الأغلب ولا تفى بالحد الأدنى من مطلب الجمهور ناهيك عن أمنياته، إن هذا الجمهور وأعضاء تلك التنظيمات لا يهتمون كثيرا بهذا النوع من الإختلافات التى لا يلمسونها فعليا على أرض الواقع، فالكل يناضل من أجل حقوق الطبقات المضطهدة من عمال وفلاحين ومهنيين ويسعى من أجل رفع الظلم والتمييز عن المرأة والطفل والأقليات الدينية والعرقية والجميع يعمل لإقامة دولة مدنية ديموقراطية رافضا الفاشية الدينية والدكتاتورية العسكرية ويجمعون على الاقتصاد المستقل ورفض التبعية وينادون بديموقراطية تسمح بحرية الآفكار والمعتقدات وتكوين الاحزاب والنقابات والجمعيات الى آخر ذلك من مشتركات، أما أوجه الخلاف فمحدودة فى وسائل تحقيق هذا البرنامج أو فى أساليب العمل وهو ما يمكن أن يستوعبه الخلاف داخل الحزب اليسارى الواحد.

لن نمل من تكرار المعلوم من السياسة بالضرورة أن وحدة فصائل اليسار ” خصوصا فى زمن العلنية” تستوجب العمل الجماهيرى المشترك ( فى الجامعات والمصانع والعمل النسوى والشبابى والعمل فى الريف)، وأن يفتح حوارا قاعديا واسعا بين الجميع وفى جميع القضايا التنظيمية والبرامجية والجماهيرية من خلال منبر مشترك “جريدة داخلية أو موقع الكترونى” ويتم متابعتها وتفريغها وحصر أوجه الاتفاق والخلاف للوصول الى توافق بدون الدفع للإتفاق الكامل، (اسمحوا لى أن أكرر جملة للشيخ رشيد رضا نقلها عنه حسن البنا ” نتعاون فيما إتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما إختلفنا فيه”)، على أن تتم الدعوة الى مؤتمر عام يتم تصعيد أعضائه ويعلن فى نهايته عن التنظيم الواحد لليسار متضمنا الاسم والشعار والبرنامج واللائحة والخط السياسى، على أن تقوم بذلك من البداية الى النهاية لجنة مختارة من كل التنظيمات.

فى الختام فإن علينا أن نعترف ونواكب متغيرات العصر لأنها جزء لا يتجزأ من بناء الحاضر والتخطيط للمستقبل، على يسار السبعينات أن ينسحب فى هدوء لصالح الجيل الجديد من الشباب، علينا التخلى عن الصدارة أو المشاركة فيها بكل ما نحمل من أمراض موروثة وخلافات متوارثة، علينا أن ندرك أن العلوم التكنولوجية والعمل عبر وسائل التواصل التكنولوجى من فيس بوك وتويتر ومدونات ومواقع الكترونية وأشياء أخرى قد لا أكون مستوعبا لها، ولنتذكر أن التحضير لثورة 25 يناير وما تلاها تم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعى تلك وعن طريق هؤلاء الشباب الذين يتقنونها، وأخيرا فإن الفرصة لا تزال قائمة أن يعى اليسار الفرصة ويندمج فى تنظيم واحد وليس الوقت يسمح بأشكال أقل من التحالفات والجبهات فتلك الأشكال يجب أن تتم بين اليسار والقوى الاخرى..فهل من يلقى السمع وهو شهيد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.