الكاتب الإسلامي أحمد أمين يتحدث عن: المعتزلة ثم ينعاهم

أحمد أمين أحمد أمين

كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنج العقليين، عمادهم الشك أولا، والتجربة ثانيا، والحكم أخيراً. و للجاحظ في كتابه الحيوان مبحث طريف عن الشك، وكانوا وفق هذا المنهج لايقبلون الحديث الا اذا أقره العقل، ويؤولون الآيات حسب ما يتفق و العقل كما فعل الزمخشرى في الكشاف، ولا يؤمنون برؤية الإنسان للجن لان الله تعالى يقول: «انه يراكم هو وقبيلة من حيث لاترونهم» ويهزءون بمن يخاف من الجن، و لايؤمنون بالخرافات والأوهام، ويؤسسون دعوتهم الى الاسلام حسب مقتضيات العقل وفلسفة اليونان، و لهم في ذلك باع طويل، ولا يؤمنون بأقوال أرسطو لأنه أرسطو، بل نرى في الحيوان أن الجاحظ يفضل أحيانا قول أعرابى جاهلى بدوى على قول أرسطو الفيلسوف الكبير.

هكذا كان منهجهم، وهو منهج لا يناسب الا الخاصة، ولذلك لم يعتنق الاعتزال الا خاصة المثقفين، أما العوام فكانوا يكرهونه.

وجرّهم هذا المنهج الى تشريح الصحابة والتابعين كما يشرح سائر الناس، فهم في نظرهم عرضة للخطأ كما يخطىء الناس، فلم يتورعوا عن أن ينقدوا أبا بكر وعمر وعثمان، ولم يمنعهم أن يفضلوا بعضهم على بعض، ومن أجل هذا كانوا أقرب الى الشيعة من المحدثين، بل كان بعض المعتزلة شيعة.

ويقابل هذا المنهج منهج المحدّثين، وهو منهج يعتمد على الرواية لا على الدراية، و لذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن، ومتى صح السند صح المتن ولو خالف العقل، وقل أن نجد حديثاً نُقِد من ناحية المتن عندهم، و اذا عُرض عليهم أمر رجعوا الى الحديث ولو كان ظاهره لايتفق و العقل، كما يتجلى ذلك في مذهب الحنابلة وكان من سوء الحظ أن تدخّل المعتزلة في السياسة ولم يقتصروا على الدين، والسياسة دائماً شائكة، فنصرهم على ذلك المأمون والواثق والمعتصم، وامتحنوا الناس و أكرهو هم على الاعتزال، فكر ههم العامة واستبطلوا الامام ابن حنبل الذى وقف في وجههم، فلما جاء المتوكل انتصر للر أى العام ضدهم، وانتصر للامام أحمد ابن حنبل على الجاحظ وابن أبى دؤاد وأمثالهما، ونكل بهم تنكيلا شديدا، فبعد أن كان يتظاهر الرجل بأنه معتزلى، كان الرجل يعتزل ويختقى حتى عد جريئاً كل الجراءة الزمخشرى الذى كان يتظاهر بالاعتزال ويؤلف فيه، ولم يكن له كل هذا الفضل، لأنه أتى بعد هدوء الفورة التى حدثت ضد الاعتزال.

فلنتصور الآن ماذا كان يكون لو سار المسلمون على منهج الاعتزال الى اليوم؟! أظن أن مذهب الشك والتجربة واليقين بعد هما كان يكون قد ربى وترعرع ونضح في غضون الألف السنة التى مرت عليه، وكنا نَفضل الأوروبيين في فخفختهم و طنطنتهم بالشك والتجرية التى ينسبانها الى بيكن مع أنه لم يعمل أكثر من بسط مذهب المعتزلة. و كان هذا الشك وهذه التجرية مما يؤدى حتما الى الاختراع و بدل تأخر الاختراع الى ما بعد بيكن و ديكارت; كان يتقدم مئات من السنين، و كان العالم قد و صل الى م الم يصل اليه الى اليوم، وكان و صوله على يد المسلمين لا على يد الغربيين، و كان لايموت خلق الابتكار في الشرق ويقتصر على الغرب، فقد عهدنا المسلمين بفضل منهج المحدثين يقتصرون على جمع متفرق أو تفريق مجتمع، وقل أن نجد مبتكراً كابن خلدون الذى كانت له مدرسة خاصة، تلاميذها الغربيون لا الشرقيون.

فالحق أن خسارة المسلمين بازالة – وهي لم تزل ولله الحمد بل باقية – المعتزلة من الوجود كانت خسارة كبرى لا تعوض.

ثم بداً المسلمون ينهجون منهج الحضارة الغربية تقليداً من الخارج لا بعثاً من الداخل، وشتان ما بينهما، فالتقليد للخارج بث َّ فيهم ما يسميه علماء النفس مركب النقص، فهم يرون أنهم عالة على الغربيين في منهجهم، ولو كان من أنفسهم لاعتزوا به وافتخروا، ولكن ما قُدَّر لابد أن يكون. ولله في خلقه شئون.

المصدر: مدونة المعتزلة… أهل العدل والتوحيد

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, Philosophy & Religions فلسفة واديان, Rare texts نصوص نادرة and tagged , . Bookmark the permalink.