سهلٌ ان تكوني مَثلَية

د.إلهام مانع

ء“من السهل جداً أن أكون مثلية هناك!” قالتها صديقتي، فاتسعت بؤبؤتا عينيي من جديد

قالتها وهي تدري عما تقول

قالتها عن تجربة!ء

ء“مَثَلي” هي الكلمة التي استخدمها بديلاً عن “شاذ”، أو “سحاقية”، أو “لواطي”، لأن الكلمات الثلاث الأخيرة لا تصف فحسب، بل تضيف إليها “حكماً”و “موقفاً” مسبقاً. في المقابل فإن كلمة “مَثلَي” أو “مَثلية” محايدة، تصف بدقة أن ذاك الشخص يفضل إقامة علاقة حسية مع مثيله من النوع الجنسي، وتصمت! هي ببساطة لا تصدر حكماً على ذاك الشخص، ذكراً كان أو انثي

و”هناك” قصدت بها صديقتي مصر

تماماً كما أعرف انا أن “هنا” أو”هناك” لا فرق بينهما. على الأقل ليس في هذا الشأن الذي احدثكم عنه

اليس من السهل فعل ذلك أيضا في بلدين كاليمن والسعودية؟ سهل جداً في ظل ذلك الفصل القهري بين الجنسين. كأنكِ ترتشفين كوباً من الماء في ميدان عام في وضح النهار. وفي الواقع، خطر على بالي لوهلة إن المجتمع والدولة يتواطئان على ذلك عمداً، لولا انهم لا يعون

هل سيفكر المطاوع، الذي يبحث تحت الحجر وفي العدم عن “الخطيئة” كما يسميها، عن ما تفعله إمرأتان خلف ذلك الباب المغلق

لو دخل عليهما ستحسب عليه خلوة. وأكاد ابتسم وأنا أقول ذلك

مسكين أيها المغفل

وأذكر كيف كانت النساء في جلسة تفرطة (مجلس القات النسائية في اليمن) يتغامزن وهن يهمسن بأن فلانة “صديقة” فلانة. وأنا العذراء الغارقة في عوالم الكتب استفسر كالبلهاء “واين المشكلة في الصداقة؟”، فتتلاقى اعين المتحدثات متنهدة، وتبتسم بصمت

وبعدها بنحو عقدين عادت إلى ذكرى تلك الكلمات وأنا أقرأ رواية الأديبة السورية سمر يزبك “رائحة القرفة”، الصادرة عن دار الآداب، 2008

اليس من الغريب أن تلتقي الحكايات بغض النظر عن المكان؟ كأنها تتواطأ هي الأخرى على الواقع الذي تنبثق منه

سمر يزبك كتبت عن علاقة سيدة دمشقية من الطبقة العليا المترفة بخادمتها الصغيرة، القادمة من العالم السفلي المدقع في الفقر. هنا تدور الحكاية حول عملية إستغلال جنسي لطفلة. لم تكن علاقة مثلية. التمييز ضرروي عزيزاتي

لكن خيوط الحكاية تنسج من واقع تعاني فيه تلك السيدة الدمشقية من زواجها إلى إبن عمها العجوز، الذي كان لها اخاً ليصبح زوجها، والذي كانت تختتق تحته كل ليلة، ومن رائحته، “رائحة التماسيح”، تدعو الله ان يمنحها الولد الذي تزوجها من أجله، لولا أن الرحمن لا يستجيب

دخلت إلى الزواج مغمضة العينين. لا تدري ما يعنيه الزواج

كم منا دخلت كالعمياء إلى غول الزواج؟

وبدأت تولول لأمها عندما حاول زوجها أن يقبلها، قبلةً حارة، تقول لها إنه يريد ان يبتلعها من شفتيها

كم منا لم تفهم كيف يمكن للمرأة أن تستجيب؟ وظنت أن ما يريده منها زوجها “عيب”؟

ومن قبل قالوا لها إن الإستجابة “عيب”، والعلاقة الحسية “مصيبة”، وقطرة الدم التي تنفر منها “كنز”.ء

ثم حذروا بأبتسامة تجمع بين الجد والهذر:”خافي عليها كي لا نجز عنقك”.ء

والمسكينة لا ترى سوى السكين، والدم

ثم نريدها أن تكون “فاضلة” في السرير!ء

فاضلة. كالراهبة. تخرج منه كما دخلت إليه. بشراشف بيضاء ناصعة. لا بلل فيها

كوني “مطيعة”، كوني “مطواعة”، لكن لا تكوني “ناراً حارقة”. لا “تستجيبي”.ء

ثم طوعي نفسك على التلقي

كوني متلقية

متلقية

متلقية

والمسكين يعاني من تلقيها

والمسكين يصرخ من طواعيتها

والمسكين يدري أنه بالأمكان أن يكون الأمر افضل مما هو عليه، ولا يدري كيف “يحسنه”! هذا بالطبع إذا كانت له تجربة من قبل!ء

كم منكم تمنى لو أن زوجته تعطيه اكثر من التلقي

ثم بدأ يكتم أنفاسها بيده، يضع كفه على فمها، حتى يكمل الفعل، ويقوم عنها ليغتسل

ويشعر بالحرج وهو يفعل ذلك

ويشعر انه خرج من إنسانيته وهو يفعل ذلك

وكلاهما كان تعيسان

اليس كذلك؟

ولأنها عاشت ميتة في علاقتها الحسية، اكتشفت المتعة في علاقة مثلية مع أمرأة مثلها، لكنها لم تكتف، فبدأت في استغلال خادمتها الطفلة جنسياً

سمر يزبك لا تكتب من خيالها. هي تنتمي إلى جيل من الأديبات القديرات اللواتي يجدن من العار أن يلذن إلى الخيال في وقت يعرفن فيه جيداً أن واقعنا العربي أغرب من الخيال ذاته. فتنهل من الواقع، لتدمينا كلماتها

وكما وصفت بدقة في روايتها واقع الفقر المدقع، وما يحدث فيه للفتيات والنساء من انتهاك، وكيف يتراكم الرجال والنساء والأطفال فوق بعضهم البعض، لا تسمع بينهم سوى صوت الأقوى، و الجوع، والخوف، والوجع، سردت لنا حياة فئة من النساء في المجتمع المخملي، ممن لم يجدن انفسهن حسياً مع الرجل، فتحولن إلى نوعهن هن، إلى المرأة

تحكي لنا: “بنات العشرة (اللواتي تعرفت إليهن حنان بطلة القصة) في اغلبهن متزوجات، ولكل منهن صاحبة او عشيقة، واغلبهن يتزوجن مبكراً. والقليل من الناس يعرفون بأمرهن، فمجالسهن حكراً على النساء. والرجال يأمنون حين تكون نساؤهم بصحبة نساء اخريات، حتى لو شعروا أن في الصحبة ما يريب. فالأمر يبقى مقبولاً، إذا بقيت علاقة المرأة سرية. وما أن تبدأ التقولات، حتى يلجأ الزوج إلى فصل العلاقة بين زوجته وصاحبتها”. (ص. 97)ء

قرأت تلك العبارة، وتذكرت كلمات تلك الصديقة: “من السهل جداً أن أكون مثلية هناك”، ثم نساء التفرطة وهن يتغامزن “فلانة صديقة فلانة”، وعيناى، عيناي اللتان مافتئتا تسجلان الكلمات والصور، وتدوناها في ذاكرتي، تتسعان من جديد…ء

Print Friendly
This entry was posted in إلهام مانع and tagged , . Bookmark the permalink.