الرسالة الأخيرة : من الجميلة الى الوحش

سحر ابو ليلسحر

لأني آمنتُ بك كما اؤمن بالشمس التي لا تغيب وبالجاذبية وبالعصافير التي ترافقني اينما ذهبت وبالإله الذي يعبده البشر حتى لو لم يروه يوما..

لأني آمنتُ برجلٍ طيبٍ جاء الي ذات ليلةٍ ظلماء مبتلاً بالضوء، مشرقاً بالمطر النقي، وزرع الماء في الارض البور التي كانت على حافة الانتحار او الهرب..

لأني آمنتُ حقاً وبكل جوارحي بمسيحٍ مخلّصٍ انقذني من موتٍ محتّم وبأنه سيظل دوماً الى جانبي كظلّي وحبري وعطري وأوراقي، وبأنه سيكون دوماً هناك معي مهما ابتعدت المسافات او ضاقت الرؤى او اختفت العبارة.

كنتُ اعرف اني معك،في صوتكَ،في فكركَ،تُخرجني من جيوبكَ ان احتجتني وتدفعني ثمناً لفرحك في احدى محطات الحياة،وكنتُ ادرك انك استخدمتَ كل الاسلحة لمحاربة جيناتكَ وعاداتكَ وتقاليد وصوت الشر القذر الذي كان يهمس لك دوماً بكرهي،لأني لم اكن يوماً تلك المرأة المقدسة الشرقية التي تبيع كل شيء حتى جرحها كي تُرضي القبيلة وسيّد القبيلة ، وأعرف تماماً تلك اللحظات التي لعنتني فيها وتلك الايام التي كرهتني فيها ايضاً لأني اعرف كم من الصعب ان تدعم فكرة او شخصاً لا تتوافق معه ايدولوجياً واجتماعياً ولا حتى ثقافياً ايضاً، ولكني آمنتُ دوماً بصدق الحب في قلب فلاحٍ لأشجارهِ ووروده،ومهما واجهته الاعاصير والفصول المجحفة لابد سيظل محباً ومخلصاً لمزرعتهِ وكفيّه.

آمنتُ ان الرجل الذي يترك كلّ غبار الشرق خلفه ويحمل قلبه بين يديه ويلقيه في النار ويقبض على الجمر بكفّيه ويزرع السعادة والهدوء والطمأنينة للعصافير التي انكسرت اجنحتها ما هو سوى ملاكٍ حارس انقى وأطهر من اي فكرةٍ او كلمة، وبأنه يستحق مني بعض المعاناة او التنازلات كي التقي به في منطقة الوسط ،وأهبه مني كلّي..كلي كاملةً دون عقدٍ..بخوفي وحقيقتي وخيبتي وطموحاتي..هكذا دونما اقنعة !

ولا اخفيكَ يا ولدي اني بذلتُ من اجل ذلك كل طاقتي التي املك ولا املك،وبأني رميتُ بسيوفي كلّها في قاع البئر،وللمرة الاولى اقرر ان اترك كل شيء خلفي وأجلس على المصطبة سعيدةً بأني انقع رجليك بماء الورد والملح غير متذمرةٍ او آبهة، وبأنك لم تكن الفارس الوسيم الذي حلمتُ به على حصانه الابيض، وكم كان يصعب علي اني امارس غربتي وثقافتي مع نفسي وأتقاسمها مع الجدران والقمر لأنك لا تقرأ حتى كتاباً واحداً، واكتفيتُ سعيدةً بأنك الذي من يبتاع لي الكتب، وقلتُ ربما لن يقرأ لكنه على الأقل يحاول ان يكون معي بروحه !

ولن اخفيكَ اني حلقتُ مراراً لوحدي وبأني اخترعتُ ابطالاً من خيالي وعشتُ معهم،وأني توقفتُ عن لومك منذ زمن بيني وبين نفسي فلم اقدر ان اكون قاسيةً معك !

ايها الكريم الوحش:

الجميلة احبتك وتحبك وستظل تحبك دوما، لا لشيء الا وفاءاً لتلك اللحظات التي اهديتني فيها حضناً دافئاً حينما كنتُ عاريةً امشي تحت المطر،وتلك الليالي التي كنتَ تترك كل شيء فيها وتأتي الي لتكون الى جانبي حينما غاب القمر وكنتُ اشعر بالخوف والوحدة،وفاءاً لكل ابتسامةٍ زرعتَها على وجهي،وكلّ جوريةٍ اهديتها ولم تهدها،وكل غرامةٍ دفعتَها ثمناً كي تسعدني..

اعترف اني لم استطع ان اكون كما اردت..حارساً مخلصاً لتطلعاتك وعبداً مطيعاً لأوامرك، وامرأة صامتةً حتى في ممارستها للحياة والحب.

اعترف اني اخفقتُ مع الشرق وترسباته..

انا التي شققتُ صدري وفتحتُ قمصاني حتى ازرارها الاخيرة كي تغرس اصابعك فيها ..

هذا وجهي محوتُه، وبدلت غمز الشمس بغيمٍ كئيب

يا حاملاً سيفك تحت وردك، يا راسماً قبري على هدبك بين آهات الخبز وأحزان الربيع، مالي كلما غاب طيرك عاد الليل باكياً عند ركبتي؟

وانا يا الحبيب ما اخفيت عنك سري ولا صادقت نخلةً او عصفورةً الا وعرّفتها بك.

وأنا ايضاً صرت اؤمن مثلك بعد لقائي بك كما نيتشة  ايضاً “بأن المرأة هي خطأ الله الثاني،وبأنها فخ نصبته الطبيعة”، كسّرتُ اصنامي ولعنتُ مقدساتي ووقفتُ من بعيدٍ اراقبني:

امرأة في ربيع العشرينات، ورجل في الثلاثينات يدخن خيباته وأصابعه على جسدها، ويعدّد لها اخطاءها صبحاً مساءاً، يهديها عند الفجر اغنيةً ويذبحها على مسلخ المساء،ويعلقها من رجليها حتى يخرج كل الدم من جسمها ويلقيها على السرير ويرحل..

الى ان يشتاق مجدداً لابتسامة الجورية وعطرها فيعود محملاً بالخوف من محاولة تمردٍ جديدة على السلطان وملكه، وكما في كل مرة يخون، يكذب،يدخن وينتظر من الأميرة غفراناً،وحين تغفر يبدأ هو بمشوار الجلد من جديد..

أجل راقبتُني جيداً،العرق المتصبب من كل مكانٍ في جسدي،الدمعة التي تعرفها جيداً وسائدي،السعادة المزيفة التي كنتُ اعرف انها لن تطول طويلاً،المرأة الفاسقة اللعينة التي عرفت رجالاً قبلك ،التي احبت اشخاصاً قبلك، وعاشت مع نفسها بكامل قلبها ،بكامل عقلها،الى ان تعرفت على ملامح السجن في عينيك ..

وكي اكون صادقةً الى ابعد الحدود سأعترف باني كنتُ اكبر منك حينما دافعتُ عنا في كل مرة كنت تدمرنا وترحل،وبأني لم اتوقف يوماً عن الايمان بك وبحبك وبنبل ما فعلت من اجلي،لكن ان كان الثمن هو العبودية ..لا وألف لا يا هذا !

سأحتاج وقتاً طويلاً كي اتعرف علي من جديد، لكنني لن احارب نفسي بعد اليوم ،ولن اتنازل بعد اليوم عن صوتي العالي او هامتي المرفوعة،ويكفيني شرفاً اني اخلصتُ لك في الوقت الذي خنتُ فيه كل مبادئي ،وخنتَني !

اذهب..

انا اليوم احررك من عقودك والتزاماتك ..

اذهب ولا تعد..

اغلق الباب خلفك جيداً لأني لم اعد طفلةً تخاف العتمة والنوم لوحدها ..

اذهب وابحث لك عن قطيعٍ من الأغنام ترعاه وعن روبوت لا يشعر بألم سكاكينك وأنصالك وحجارتك..

لست مؤمنةً بعد اليوم..

“التانجو يحتاج الى اثنين”وأنا ارقص منذ اربع سنوات لوحدي..

اذهب..

احررك من كل جرائمك التي ارتكبتها بحقي ولن احكم عليك بالإعدام..

ولأنني لم اعد اؤمن بأي شيء منا اعترف لك هذه المرة بأني احررك دونما عودة لأني لم اعد احس بأني قادرة على الاخلاص والصمت بعد اليوم..

ولأني اكره الوشاية والخيانة لن اسبب لك هذا الألم..اعرف تماماً كم هو قاسٍ هذا الشعور..

لم اخنك يوماً،لم اكرهك يوماً،لم العنك يوماً،وأحببتك اكثر مما احببتُني !

يا وطني وحبيبي وكل ما املك:

في مثل هذا الشهر التقينا وفي مثل هذا الشهر نفترق..

منذ اليوم علي مواجهة الحنين الى اصابعك في الشتاء لوحدي،منذ اليوم سأتعلم ان اقف امام صورك وابتسم،ان اشتم قمصانك وألبسها كي اتذكر اكليل الجبل حينما كان يعانقني..

هي ليست نهاية العالم لكنها بداية الجحيم !

حافظ على نفسك وتذكر ان تحافظ في المرة القادمة على المرأة التي ستعرفها لأنك لم تعرفني ..ابداً لم تعرفني !

كن الى جانبها،كن انت ضلعها حينما يُكسر قلبها ،كن نسيمها حين تختنق،ووجهها حين تفقد كل ملامحها،كن رعشة النار حين تأتيك محطمةً وعطر الفل في صباحاتها..

وإياك اياك ان تسجنها..

العصافير تحن دوماً الى السموات البعيدة..

ايها الوحش الذي مزقته انياب النساء قبلي “أهو الحب كذبتنا الصادقة اذاً” ؟

ستحنُّ الى قبلتي ،الى قلبي،الى وجهي، الى صوتي..

هذه آخر هداياي

اسمعني بفخرٍ،بحبٍ،بكرهٍ،بغضب، لأني سأقولها للمرة الاخيرة:

احبك

وداعاً

سحر ابوليل

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سحر أبو ليل and tagged . Bookmark the permalink.