مواطنون لا رعايا

عادل عصمتعادل عصمت

وكما هو معروف فحقوق الأنسان نوعان. حقوق مدنية(حرية الرأي،وحرية المسكن، وحق الملكية)وحقوق سياسية(كل ما يضمن له حق المشاركة في السلطة العامة في بلاده مثل اختيار وتغيير رئيس الدول ،الحكومة، أعضاء المجالس المحلية ،أعضاء المجالس التشريعية..,إلخ)، ولايكتسب صفة المواطنة إلامن يتمتع ب(الحقوق السياسية)،أما من تقتصر حقوقهم علي الحقوق المدنية وفقط فهؤلاء رعايا وليسوا مواطنين.مجرد أفراد. وحين ينجح الافراد في اقتناص حقوقهم السياسية ويشاركون في صياغة حقوقهم يتحولون الي مواطنين فيما تتحول الارض التي يعيشون عليها الي وطن ويصيرون الدستور وقتها مطلبا ملحاً تصان فيه الحقوق و يضبط العقد بين الحاكم و المحكوم.

لا توجد علاقة بين فرد و أرض . لكن توجد علاقة بين مواطن و وطن. المواطن ينتمي للوطن و تعبيرا(المواطن) و (الوطن)هما البنية الاساسية للانتماء. والحديث عن الانتماء دون أن يكون لدينا مواطن ووطن.. هراء.

والذين يتباكون علي عدم وجود الانتماء او تراجعه عليهم أن يكافحوا من أجل أن تنال شعوبهم حقوقها السياسية أولا ووعي الفرد بالمواطن يشكل نظرتة لنفسة ولغيرة من المواطنين ولوطنة و علي أساسها يكون الانتماء للوطن. الانسان لا ينتمي إلا إذا تحول إلي مواطن. لقد كان من أهم انجازات الحركة الوطنية المصرية في بداية القرن الماضي وفي مقدمتهم زعماء حزب الامة ومن بعدهم زعماء الوفد المصري أن أرسوا مبدأ المواطنة يومها قال الزعيم سعد زغلول: (اعلموا انه ليس هناك أقباط و مسلمون.. ليس هناك إلا مصريون فقط) وها هو نائب الوفد القبطي و رئيس مجلس النواب (الشعب حالياً) يقول عن دائرته الانتخابية (المطرية/ الدقهلية) :”إنني أمثل دائرة لا قبطي فيها غير نائبها”.(1930)،علينا أن نذكر بداية التأثير السلبي علي مبدأ المواطنة، حيث قامت جماعة الاخوان عام(1928)، وصنفت المصريين إلي أكثرية مسلمة وأقلية مسيحية ثم قسمت المسلمين إلي مسلم مجاهد ومسلم قاعد ومسلم آثم، والمسيحي إلي ذمي ومعاهد ومحايد ومحارب(!!) كان الانجليز يحلمون بتقسيم المصريين إلي قسمين وإذا بالاخوان يقسمونهم إلي سبعة أقسام،كما يؤكد ذلك مرشدهم في(رسالة التعاليم)(!!)، إذا كان مقبولا من الناحية الدينية فهو ليس مقبولامن الناحية السياسية الوطنية. فكلنا في الوطن سواء. كذلك كان لثورة 52أثرها علي المواطنة في مصر، حيث قسمت المصريين إلي عمال وفلاحين وفئات أخري وإلي فقراء وأغنياءوإلي إقطاعيين ومنتفعي إصلاح ومؤيدي الثورة وأعداء الثورة والرجعيين وأعوان الاستعمار.فيما ألغت الدستور (1923)، وألغت الاحزاب السياسية،وصادرت الحقوق السياسية للمصريين وأممت المجتمع المدني،فضربت “الوحدة الوطنية”الانجاز الرئيسي لثورة 19 في مقتل وتحول المصريون إلي أفراد مرة أخري وتحول الوطن إلي أرض وفضت علاقة الانتماء.

الطائفية نتاج غياب المواطنة

يجب إدراك أن ما وصلنا إليه من بروز للطائفية الدينية في مجتمعنا ومن تعدد للجماعات الدينية المتناحرة والتي تعتقد كل منها أنها تمتلك الحقيقة المطلقةهذا التناحر الطائفي_وتعدد الفتوي في المجتمع والفسيفساء الدينية. كل هذا وأكثر لم يكن معطي سلفا وإنما كان تاليا علي إلغاء ثقافة المواطنة وإلغاء أساسها في المجتمع حيث إن نزع السياسة من المجتمع وإلغاء الاحزاب السياسية والدستور وتقويض المجتمع المدني كان له بالغ الأثر علي مصر والمصريين حين تحولت السياسة إلي عمل غير مشروع وحين تحول الاهتمام الوطني إلي قضية أمنية،حيث لم يدرك حكام يوليو 52 أهمية وجود السياسة في المجتمع وما سيترتب علي نزعها حيث كان الانفراط البشري والنثار الأهلي والانتماء إلي جماعات دينية أو روابط أسرية هو البديل لمنع الانتماء الحزبي والمشاركة السياسية. حيث لم يستفد من كل تلك السياسات إلا حركة الاخوان التي تقوم علي الطائفية الدينية حتي بلغ حجمها 88 مقعد أي 20% من مقاعد البرمان الأخير(2005)، وهو ما أزعج كل مثقف مصري مهتم بمكافحة الطائفية، وبالدول الحديثة وبالمواطنة وليس الأقباط وحدهم كما يدعي البعض. ثم توليهم الحكم تاليا بعد الثورة وتحكمهم في مقاليد الامور وفرض دستور طائفي يغير من طبيعة الدولة المصرية من دولة وطنية الي دولة طائفية للمسلمين السنة فقط حسب المادة ٢١٩

وأخيراً سيبقي السبب في أحد أهم أزماتنا الفكرية أن كثيرا منا لم يدرك بعد أن هناك عالما جديدا تشكل منذ قرون تغيرت فيه شكل الدولة وتغيرت فيه طبيعة الانتماء والولاء، كما تغير فيه الأساس الذي تعطي وفقا له الحقوق وتؤسس عليه الواجبات فيما واختفي من الوجود عالم الفسطاطين ولم يعد له وجود إلا في أذهان البعض!!!

Print Friendly
This entry was posted in عادل عصمت and tagged . Bookmark the permalink.