في البدء كانت فينوس

نظرية تاريخية علي دور المرأة في الحضارة البشرية فينوس

احمد جمال يوسف

في البدء كانت فينوس، بها كل شيء كان و بغيرها شيء لم يكن ، كانت هي شمس النهار و مطر السماء و زهر الأرض

منذ أن أنتصب قرد الأسترالوبيثوكس 1 واقفا على قدمية منذ أكثر من 4 ملايين سنة حتى هبوط الإنسان على سطح القمر مرت على ذلك الكأئن الأعلى الذي استطاع ان يعتلى عرش الأرض بلا منازع و يسعى لإعتلاء عرش السماء العديد من المراحل خلال رحلة تطوره الطويلة من طوره الحيوانى الى طوره المبدع الخلاق الذي نسمية الإنسان و في سجل هذه الرحلة حدثت طفرات عميقة ساهمت في حدوث تغيير نوعى في مصير الإنسان و مستقبله و يعد من اهم العوامل التى ساهمت في تشكيل مصير الإنسان هو تكوين النظام الإجتماعى البشري المعقد أو ما نسميه المنظومة الحضارية.

ولعل ادراك البشر الى ضرورة العيش المشترك في جماعات كان عاملا كبيرا في تطور الانسان نفسه .. حيث ان الحياة المشتركة وفرت عليه الكثر من المجهود الذي كان يصعب عليه او يستحيل عمله لو عمل كل فرد من افراد المجموع منفردا (leverage ) و و مكنته من بسط سطوته على قوى الطبيعة شيئا فشيئا ، ولكن هذه الحياة المشتركة لم تكن ممكنة بدون تكوين خلايا إجتماعية متماسكة تُمكن أفراد المجتمع البشري من العمل المشترك كوحدة واحدة تعمل للصالح المجموع ، و المثال الأكثر بساطة لهذه التشكلاتالإجتماعية هي الأسرة التى كانت على قدر من التمساك لا يحزى به اي نظام اجتماعى لدى الحيوانات ، فمنذ نشوء البشرنجد ان بقاء الإنسان خصوصا مع تقلابات القدر مرهون بوجوده في نظام اجتماعى قوى و نحن نجد في العصر الحجرى القديم اثارا كثيرة تؤكد ان اعضاء المجتمع البشري الأول قد ارتبطوا ببعضهم البعض ارتباطا عميقا ، و من المظاهر العديدة التى تؤكد ذلك اهتمامهم بدفن موتاهم ، و عنايتهم الشديدة و الضعفاء والعجزة فنجد مثلا هياكل عظيمة لإنسان “النيندرثال” لاشخاص عجزة و مصابين اصابات بالغة لا تمكنهم من إعاشة انفسهم و قد استمرا في الحياة بعد اصابتهم باعمار طويلة و هذا يعنىى ان افراد المجتمع البشري البدائي – او الشبه بشري لان انسان النيندرثال ليس سلفا مباشرا للإنسان الحديث – قد اعتنوا بهم عناية كاملة بدون ان يكونوا زي قيمة نفعية للمجموع .. و قد ادى الارتباط العميق لافراد المجتمع البشري إلى نشوء أولى التظاهرات الثقافية مثل اللغة و ما تبعها من تطور غير مسبوق في آليات التواصل و من ثم نقل الخبرات المشتركة و التطور العقلى و استكمال مسيرة التطور على نطاق جمعى كما يقول داروين في كتابه اصل الإنسان ان ” استخدام و تطوير اللغة قد اثر في الذهن نفسه ” ومن المؤكد ان تكوين اللغة البشرية على قدر ما تحتوى من تعقيد و امكانية غير مسبوقة على التواصل لم يكن ليتم بدون نظام اجتماعى على درجة من عالية من التماسك .

و مما لا شك فيه ان العامل الرئيسي الذي كان بمثابة الغراء الذي جمُع أفراد المجموع البشري سويا كانت المرأة، فكانت المرأة هي المؤسس الأول للأسرة البشرية و ربما – لا أبالغ حين أقول – ان تكوين الأسرة البشرية كان قرارا أنثويا ، قررت المرأة البقاء بجانب أطفالها و رعياتهم و الأهتمام بهم مما أدى إلى زيادة اعتماد الاطفال على أمهاتهم و بالتالى زيادة أرتباط الأمهات بأبنائهن، و كانت المرأة هي المحور الأساسي الذي يدور حوله المجتمع البشري الناشئ فهي ربة البيت و هي جامعة النباتات و هي صانعة الأدوات و هي ملهمة للحس الروحى و الجمالى و هي مربية الأطفال – و الأهم على الإطلاق : صانعة الأطفال-.. بينما كان يقتصر دور الرجل على صيد الحيوانات و إبعاد الضوارى.

و يمكننا لكثير من الأنثروبولجيين أن يؤكدوا ان أول الأنظمة التى اتخذتها الحياة الإجتماعية البشرية كان انثويا خالصا فأول إلهة عرفتها البشرية كانت أنثىى 2… و أول ديانة اهتدى إليها الإنسان هي ديانة الإلهة الأم …. و من هذه النظم الأجتماعية الأولية ظل الطابع الانثوى ظاهرا في كل التشكلات الإجتماعية و الدينية و السياسية الأكثر تعقيدا ، حتى تحولت الحضارة البشرية تدريجيا خلال العشرة الآف سنة الأخيرة من نظام أنثوى خالص( Matriarchal Societies ) الى نظام ذكوري خالص(Patriarchal Societies ).

لعل التطور الذي حدث في الثورة النيوليثية 3 ( (Neolithic Revolution) في العصر الحجرى الحديث منذ حوالى عشرة الآلف سنة كان هو نقطة التحول الرئيسية لعملية انتقال النظام الإجتماعى من النظام الأنثوى الى النظام الذكوري شيئا فشئيا … فقد أدى إكتشاف الزراعة إلى تغييرنشاط المجتمع البشري من مجتمع صيدي – جمعى الى مجتمع زراعى حربي توسعى .. و تحول دور الرجل من مجرد صياد وظيفته ضمان الأمن الغذائي للمجتمع البشري إلى محارب يحمى ارضه من هجمات أعدائه أو يغزوا جيرانه لزيد من حصة امتلاكه للاراضى الزراعية او للماشية و زيادة نفوذه و سيطرته على كمية اكبر ممكنة من الموارد و كلما ازداد الرجل توسعا و امتلاكا للموارد كلما زاد تحول المجتمعات البشرية إلى الذكورية و ما يتعلق بها من مظاهر القوة و العنف على حساب تراجع الوجود الأنثوى و ما يتعلق به من تكافل و حب و سلام ..

و هنا ربما ينشأ الإعتراض القائل بأن الدور الذكورى هو الدور تقدمى و ان الطور النسائي كان طورا بدائيا كان يجب ان يضمحل حتى تنشأ الحضارة و تطور و تأخذ أشكالا أكثر تمدنا و تنظيما

و يعبر عن هذه الإشكالية فرويد في كتابه “قلق في الحضارة ” عندما يقول : : كانت حياة الناس المشتركة تقوم إذن على الأساس التالى : أولا قوة العمل و هو إلزام أوجبته الضرورة الخارجية ، و ثانيا قوة الحب، على اعتبار ان هذا الأخير يستوجب الا يحرم الرجل من المرأة، والا تحرم المرأة من ذلك الجزء المنفصل عن جسمها والذي هو طفلها … إن هذا الحب الذي أسس الأسرة و استطاع التوحيد بين البشر بقوة لا تفلح في الوصول إلى مثلها مصلحة جماعة يقوم كيانها على العمل. مما أتاح الإمكانية لعدد كبير من الكائنات البشرية ان يبقوا ويعيشوا في ظل حياة مشتركة. تؤدى إلى سيطرة أشمل فأشمل على العالم الخارجي …

و لكن مع المزيد من التقدم والارتقاء يصبح الحب نفسه تهديدا للحضارة .. أضف إلى ذلك ان النساء لا يتأخرن عن معادة تيار التحضر والتمدن، وهن يمارسن تأثيرا ينزع إلى إبطائه وإعاقته. وهذا مع ان أولئك النسوة هن أنفسهن اللواتي أرسين في البدء أساس الحضارة بفضل مطالب حبهن. ولسوف يأخذن بنصرة مصالح الحب والحياة الأسرية، بينما سيفرض العمل التمديني، الذي سيمسي اكثر فأكثر من اختصاص الرجال تصعيد هذا الحب و التخلى عنه ، وحين ترى المرأة نفسها وقد أقصتها متطلبات الحضارة إلى المرتبة الثانية، تقف من هذه الحضارة موقفا عدائيا. ”

ولكن الحقيقة ان المرأة لم تكن ابدا في موقعا مضادا للحضارة بوصفها و بإنها التطور الايجابي في المجتمعات البشرية نحو تحقيق اكبر قدر من السعادة لاكبر عدد من الناس و إنما الحضارة هي التى اتخذت موفقا عدائيا من المرأة بوصفها – اي الحضارة – المنظومة العالمية التى تسعى الى استغلال اكبر قدر ممكن من الموارد لاشباع رغبات الجزء الاقل من الناس و توظيف المنظومة الثقافية لاستعباد الجزء الاكبر …

و الواقع ان كل التظاهرات الحضارية الكبرى في العالم القديم بدأت انثوية … و في عالم للنساء دور كبير في تصريف اموره – او عالم تحكمه النساء بالكامل في بعض الحالات – ترعرعت الفنون و العلوم و التشيدات الحضارية و الثقافية و لم تلعب النساء دورا معاكسا للتطور بل لعبت دورا مشجعا و اثبتت امكانية اقامه حضارة متقدمة اجتماعيا و عمليا و في نفس الوقت متوازنة اجتماعيا و روحيا ..

\و من امثلة الحضارات القديمة التى حافظت على التكوين الأنثوى الأصلى للمجتمع البشري او على الأقل أخرت التحول الذكورى مثل حضارة سومر القديمة في الهلال الخصيب و الحضارة المينوسية في جزيرة كريت و يعتقد الانثروبولجيين و علماء التاريخ على ان الحضارة المينوسية كانت من اكثر الحضارات القديمة تنظيما و ازدهارا في الفنون و الثقافة و السلام الإجتماعى مع انها كانت مجتمعا انثويا خالصا تدير فيه المرأة كافة امور الحكم و الإقتصاد، حيث كانتكل آلهة الديانة المينوسية إلهة مؤنثة وكانت رأس الدولة هي “الملكة كبيرة الكهنة” و كان كل الكاهنات من النساء و تولت المرأة إدارة كل مناصب الحكومة و كانت الأطفال تنسب إلى امهاتهم لا إلى أبائهم ..

و مع ازدياد الغرور الذكورى و سيطرته على بقاع الأرض بالرمح و السيف ، ظهرت الملوك العظام و بالتالى ظهرت الآلهة المذكرة و بدأت تتراجع الإلهة الأم في معظم الحضارت من صدارة النظام الدينى و الإجتماعى الى مواقع متأخرة في منظومة آلهة ذكورية … و مع توحد الممالك و تكوين الإمبراطوريات الكبرى تراجع الوجود الأنثوى أكثر فأكثر في المنظومة الثقافية البشرية ليحتل مكانها كبير الآلهة و رب الأرباب الذي يمثله على الأرض الملك الأعظم سيد كل الأرض …

و أكبر النماذج لهذا التحول الدرامتيكي يمكن تصويره في توحيد الملك مينا لمملكتى الشمال و الجنوب في مصر في القرن 31 قبل الميلاد … فمع تكوين المملكة المتحدة ازدهرت عبادة الإله حورس و تراجعت عبادة الإلهة الأم إيزيس سيدة الآلهة التى كانت تقول : “أنا أم الطبيعة كلها, وسيدة جميع العناصر, ومنشأ الزمن وأصله, والربة العليا, أحكم ذرا السماء ونسمات البحر الخيرة وسكون الجحيم المقفر” و تم استبدالها بأبنها الإله حورس إله الحرب الذي اصبح الإله الرسمى للدولة المصرية … و تراجعت مكانة إيزيس في الميثودولجى المصرية من أم كل شيء و ام حورس نفسه لتصبح زوجته فيما بعد .. ويعتقد كثير من الباحثين ان الملك مينا من أسمائه “حور آحا” 4 و الذي ترجمتها حورس المحارب الذي كان تجسيدا شخصيا للإله حورس …. فكان توحيد مينا للقطرين و تنصيبة ملكا عالميا يعنى بالضرورة توحيد ديانة الإلهة حورس بوصفها ديانة عالمية ..

و نلاحظ هذا التحول الثقافى في كل الحضارات تقريبا بحيث تتراجع عبادة الإلهة المؤنثة الأقدم و يحل محلها آلهة مذكرة أكثر قوة و عنفا و ما حدث لإزيس ( أو :حتحور) في مصر حدث في الهند “لشاكتى” الإلهة الأم العظمى أم الوجود و أصل كل شيء التى تم تنحيتها لتصبح قرينة الإله شيفا كبير الآلهة 5 و نفس الشيء حصل في بلاد الإغريق للإلهة جيا إلإلهة الأم العظيمة، خالقة الأرض و السماوات و مع تطور الإمبراطورية الإغرقية و توسعها تراجع تدريجيا دور الإلهة جيا في الميثودولجي الإغرقية فخلفها ابنائها من الآلهة البروتوجونيين (الآلهة البدائيين) ثم التايتنز (الآلهة العمالقة) ثم إلهة الأوليب برئاسة زيوس إله الرعد .. و تعاود جيا التجلى في عصر آلهة الأوليب في شكل أفروديت (فينوس) آلهة الحب و الجمال ولكن هذه التجلى المتأخر لجيا في عصر آلهة الأوليمب في شكل افروديت او اثينا او ديميتير لا يقارن بالمكانة التى كان يحوزها زيوس و رفاقة الرجال ، و نفس الشي حدث في الهلال الخصيب للإلهة عشتار ( عشتروت، أناهيتا ، إنانا ) إلهة الحب و الجمال و الخصوبة التى نحيت من كونها أقدم الإلهة في الهلال الخصيب إلى إلهة ثانوية في منظومة آلهة ذكورية و يتضح ذلك جليا بعد توحيد سيرجون في لبلاد الرافدين في القرن ال 23 قبل الميلاد .

و يقول فرويد : و كانت الإلهة الام هي المعبودة في سائر العالم القديم و من شبه المؤكد ان آلهة ذكورا قد حلوا في تلك الازمان محل الالهة الانثى و لعلهم كانوا في الاصل ابنائها و مصير اثينا يسترعى الانتباه حقا ، لان هذه الربة كانت بلا جدال شكلا محليا من الالهة الاسطورية الام و لكن الانقلاب الدينى انزلها الى مرتبة الالهة الابنة ، فحرمت من امها و قضى الى الابد على كل امل لها بالامومة بحكم البتولة التى فرضت عليها فرضا …” و هذا المصير واجه تقريبا جميع إلهات العالم القديم فيما يسميه فرويد بالثورة الدينية لتتحول البنية الثقافية للشكل الذكورى شيئا فشئيا و معها النظم الاجتماعية و السياسية للبشر ..

و مع زيادة تكون المنظومة العالمية الموحدة و تفحش الغرور الذكورى توسعت الامبراطوريات أكثر و أكثر و عُظمت الملوك أكثر و أكثر فعُظمت الألهة الذكرية أيضا و ظهر كبير الآلهة او رب الأرباب صاحب السلطة المطلقة على سائر الآلهة (مثل زيوس و شيفا ) ثم تحولت كل الإلهة إلى إله واحد مفرد ذكري قوى مطلق القوة( آتون في مصر و يهوة في إسرائيل) 6 له سلطة مطلقة قاهرة التى تنتقل تباعا للملك او الإمبراطور الذي هو ظل الإله على الأرض و مع انهيار الأمبراطورية الرومانية و اعتلاء الحضارة المسيحية – كأبر نموذج للثقافة الذكورية المطلقة في التاريخ – عرش أوربا معلنة بداية العصور الوسطى السوداء .. ( و ما يقابله في الشرق الاوسط سيطرة العرب على شمال افرقيا و غرب اسيا ) تمكنت السلطوية الذكورية من فرض سطوتها الكاملة على سائر مظاهر المنظومة الثقافية و الحضارية للمجتمع البشري في صورة الكنيسة و الملك و تراجع معها دور المرأة في المجتمع البشري بشكل مخزى حتى أصبحت في العصور الوسطى على هامش الحضارة البشرية باعتبارها أصل الشر أو سلعة جنسيا تباع بعدة دنانير و تخزن في بيت الحريم او حيوانا جنسيا يلجمون فمه و فرجه باحزمة العفة او في أحسن الحالات مرضعة أطفال و هاوس كيبير (HouseKeeper) .. ليس لها حقوق أجتماعية او سياسية و ليست لها حق الامتلاك او التعبير او ملك اهلية نفسها فهي تباع و تشترى حتى اصبحت القيم الاخلاقية لهذا العصر : يجب على النساء ان يخلجن من انهن نساء ” ..

و مع نهاية العصور الوسطى في أوربا و بداية عصر النهضة في أوائل القرن السادس عشر أدت الثورات الفلسفية و العلمية ( أكتشاف كلستوفر كلومبس للعالم الجديد و تطوير ديكارت للفلسفة العقلانية و أعادة أكتشاف علم الطبيعة على يد نيوتن و الثورة الدينية على يد مارتن لوثر) و ما آلت إليه من تفجير الثورة الصناعية في اواخر القرن الثامن عشر و ما تبعها من الثورات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية كل هذا أدى إلى نمو المستوى الفكرى لدى الإنسان و اعادته النظر في طبيعتة واصله و مدى رجاحة و عملية معتقداته الإجتماعية و السياسية بنظره موضوعية علمية و في ظل هذا التطور العلمى والثقافى في العصر الحديث ظهرت الحركات الإنسانية التى تنادى بالحرية و الموساواة و العدالة مثل الدعوات إلى إلغاء العبودية و تجريم العنصرية و التمييز العرقى و الدينى و دعوات الإصلاح الاجتماعى و الإقتصادى و المطالبة بحرية التعبير و حقوق الإنسان … و من هذه الدعوات الحركات النسوية ” فيمينيزم” التى تنادى بالموساوة بين الرجل وا لمرأة و إستعادة المرأة حقوقها المسلوبة و مكانتها الإجتماعية المغتصبة و دروها الفعال في قيادة الحضارة البشرية .. وهي واحدة من أهم قضايا حقوق الإنسان و واحدة من أهم الأمور التى يجب تعديلها في منظومتنا الثقافية ..

لا شك ان قوانينا الإجتماعية في القرن ال 21 (على الأقل في الحضارة الغربية ) هي اكثر عدالة من قوانين القرون الوسطى و أن كل دساتير دول العالم – اللهم إلا دولة واحدة – تقر بالمساوة الكاملة بين الرجل و المرأة في الحقوق و الواجبات و تجرم التمييز على اساس الجنس ..و لكن رغم ذلك مازالت الكثير من النساء تفتقر لكثير من مظاهر المساواة الإجتماعية بطريقة مباشرة او غير مباشرة ( لا سيما في الدول الأقل تقدما ) و مزالت الكثير من المجتمعات تنظر إلى المرأة نظرة دونية على إنها كائن مخصص للجنس او أقل أهمية من الرجل .. و مزالت مؤسسات الدعاية و الإعلام تستخدم المرأة كويسلة إغراء او جذب للمستهلكين و مزالت الأعراف الأخلاقية للغالبية من البشر تنظر إلى المرأة على انها وسيلة للمتعة … و ما زالت مظاهرالتهميش المتعمد للدور الإنثوى الخلاق في إعادة تشكيل المجتمع البشري مستمرة و كأن النساء قد سمح لهم بالعيش في المجتمع الذكورى بعدما كانوا غير مسموح لهم اصلا بالمشاركة في المجتمع ولكن هذا التواجد لا ينفى حقيقة ان البنية الاساسية للمجتمع لا تزال ذكورية … ناهيك عن مجتمعات البلاد النامية التى يشبه فيها وضع النساء وضع نساء القرون الوسطى بل هو أسوأ في بعض الحالات – السعودية مثلا –

ان تهميش دور المرأة في المجتمع على مدار التاريخ كان سببا رئيسيا لكل مظاهر الظلم و العنف و العدوانية و عدم المساواة و الإضطراب الحضاري التى تعانى منها البشرية الآن
و بعد اربعة ملايين عاما من التطور مازلت حضارتنا البشرية نفتقر الى قواعد ثابته تمكننا من امكانية العيش المشترك السلمى بين بنى البشر بعضهم البعض من ناحية و بين الطبيعة من ناحية أخرى … ولا نعلم هلل تتجه سيرورة التطور البشري نحو الكمال ام الى التدمير الذاتى … و ربما تمدير الحياة بشكل عام ..

و السيطرة الذكورية و إن كانت قد ادت الى توحيد الماملك و تكوين منظومة عالمية موحدة إلا انها لم تفعل ذلك على الكثير من الدماء و الظلم و الإستعباد لغالبية البشر – الغير مبرر و الغير ضروري لاقامة الحضارة – و لعلنا الفصيلة الوحيدة في عالم الحيوان الذي يتسبب فيها أفرادها باقبر قدر من الشقاء لابناء جنسهم ..

لعل النموذج الأمثل للمجتمع البشري الآن ليس مجتمعا ذكوريا ولا أنثويا و لكن المجتمع المشترك المتكامل الذي يتوازن فيه البناء مع الجمال و القوة مع السلام و المرأة مع الرجل كما يقول لاوتزو7: ” طور قوة الرجل ولكن عش في وداعة الأنثى ، كن في انسيابية النهر و حينها ستمتلك كل ما في العالم ” 8

لن تخطو البشرية اي خطوة تقدمية جديدة الى الحضارة و التطور الا بالقضاء على السلطوية الذكورية المسيطرة على المجتمعات البشرية المتمثلة في التعصب و الكراهية و الإنانية والعنف و الإستبداد و اعادة بعث القيم الأنثوية التى كانت الرحم الذي نشأت منه الحضارة الإنسانية واماكنية العيش المشترك من المحبة و السلام و التكافل… حبنها فقط يمكن لمجتمعنا ان يكون اكثر اتزانا و تقدما …

هنا تتجلى وصية الحكيم لاوتسو :

“الدولة العظيمة الحقة هي التى كالأرض السهلة

التى تلتقى فيها كل الأنهار

انها مثل المرأة

المرأة تغلب قوة الرجل بسكونها

لذلك تنتصر الدولة العظيمة على كل اعدائها بالسلام”

1 – قردة الإسترالوبيثوكس : هي جنس من اشباه البشر Australopithecus يُعتقد أن الجنس البشري Homo تطور منها – عاشت في إفريقيا منذ حوالى 4 ملايين سنة و هي اول من مشى منتصبا من القردة العلية و يعد المشى منتصبا هو أكبر قفزة قفزها التطور في تاريخ التطور البشري و التى يمكن ارجاع كل التطور البيولوجى و العقلى للإنسان الى هذه الحادثة بالذات.

2 – الآلهة الأم : هي اول ما عبد الإنسان و أول تمثال نحته الإنسان في العصر الحجري القديم منذ أكثر من 30 الف عام – و هي موجودة تقريبا في كل انحاء الأرض و في كل الحضارات بصور مختلفة .

3 – الثورة النيوليثية : او الثورة الزراعية يقصد بها التحول الإجتماعى و الإقتصادى و السياسي الذي لحق بالمجتمعات البشرية بعد أكتشاف الزراعة في العصر الحجرى الحديث ” نيولوث” منذ حوالى عشرة الآلف سنة وقد أدى الانتقال من صيد الحيوانات وجمع النباتات إلي الزراعة وتدجين الحيوانات إلى حدوث ثورة في عالم الحضارة والاقتصاد أدت إلي نشوء المنظومة العالمية .

4 – حور آحا: (القرن ال 31 ق.م) الفرعون الثانى في الأسرة الأولى ابن الملك مينا أو هو نفسه مينا كما يعتقد بعض الباحثين

5 – مازلت الطائفة الشاكتية في الهند حتى يومنا هذا تعبد الإلهة شاكتى بوصفها إلإلهة الوحيدة التى ليس لها شريك و هي طائفة حافظت الأصل القديم للديانة الهندية على حيث يقول الباحثون ان اصول الشاكتيه يرجع الى العصر الحجرى القديم منذ أكثر من 22 الف عام

6 – و ربما آتون و يهوه هما إلها واحدا لان أغلب الظن ان الظاهرة التوحيدية الشاملة لم تتكرر بنفس الظروف في بقاع كثيرة من بقع الحضارة بل نشأت فقط في مصر القديمة لما حدث من ظروف و درجة معينة من الحضارة و ظروف حضارية و اثقافية لم تتوفر في اي حضارة اخرى .. فنشأ التوحيد الشامل لأول و لآخر مرة في مصر و كل ما يليه من مظاهر توحيدية في الديانات الابراهمية هو استمرارية ووراثه و ليس إعادة محاكاة .. ، فيعتقد فرويد أن يهوة هو مرحلة متأخرة من دمج آله أخناتون ” أتون ” مع آلهة الآشريون مثل بعل و أيل و ربما كان يهوة إلها للبراكين في الهلال الخصيب .. وهو الذي كتب شريعة موسى ( المقتبسة من شريعة حماروبي ) من نار الباركين .. و يمكن تقوية هذا الأفتراض بإرجاع الميثولوجيا التوراتية لأصليها الأساسيين المصري و الآشوري المتمثل في تعاليم أخناتون التوحيدية المثالية وووثنيه ووحشية الإله يهوة و قصة سيرجون المستقاه منها قصة موسى ..

7- لاوتسو : ( القرن السادي ق.م) فيلوسف صينى يعد واحد من أعظم حكماء البشرية مؤلف كتاب التاو تي تشينج و مؤسس الفلسفة التاوية و أحد اكثر المفكرين القدماء و المعلمين الروحانيين الذين تأثرت بهم .

8 – : “Develop the strength of a man, but live as gently as a woman. Become a brook and receive all things under heaven”

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, World History دول وشعوب and tagged , . Bookmark the permalink.