الحضارة المصرية وأصل الموسيقى

طلعت رضوانطلعت رضوان

بفضل علم الآثار أظهرتْ الرسومات المنقوشة على جدران المعابد والجبّانات المُلحقة بأهرامات الجيزة وعلى جدران السلم المؤدى إلى الحجرة الخامسة بمعبد دندرة وفى مقابر وادى الملوك بالأقصر وعلى جدران معبد فيلة بأسوان وفى مقبرة الملك أمنحتب الثانى (الأسرة 13) وفى مقبرة الملك رمسيس الثانى (الأسرة 19) الكثير من الآلات الموسيقية. كما تم العثور على آلات موسيقية فى مقبرة توت – عنخ- آمون سليمة وتم تهريبها للخارج وتـُعرض حاليًا فى بعض المتاحف الأوروبية.

كان للآلات الوترية المصرية القديمة أوتار تزيد على خمسة، مع تلوين الوتر الخامس على التوالى بلون مميز واضح، الأمر الذى أكـّد على أنّ السلم الموسيقى المصرى القديم كان فى البداية خماسيًا. ويُعتبر الهارب Harp والناى Flute من أقدم الآلات الموسيقية التى ظهرتْ فى مصر القديمة. وكانت تصاحب المغنى فى أدائه. وفى الأسرة 18 أستخدمتْ الآلات الموسيقية مجتمعة كفرقة أوركسترالية ، بحيث كانت تعزف مع بعضها بتوافق منظم. وتوجد لوحة جدارية ظهر فيها عازف أعمى يضرب على الهارب ومعه آلات أخرى مثل العود واثنين من النايات (جمع ناى) بدون مغنى معهما . وكان الإيقاع مهمًا لضبط اللحن Melody ومن الأشياء الطريفة العثور على بردية من عصر الأسرة 18 (بردية كوميك) تعطى صورة بديعة عن فرقة موسيقية يقودها حمار يلعب على الهارب ، يتبعه أسد يغنى ويلعب على القيثارة ، وبعده تمساح يلعب على العود وحوله أكليل من زهور السوسن ، بينما يلعب قرد على آلة الناى المزدوج.

وكانت آلة الهارب هى المحببة والمفضلة لدى السيدات للعزف عليها ، وأحيانـًا أستبدلتْ بنوع من الجيتار. كما تم العثور على رسم للإله بس BES إله الفرح والمرح واكتسب صفة المهرج وهو يرقص رقصة مميزة عند ولادة الطفل. ويعتقد العلماء المتخصصون فى الموسيقى المصرية القديمة أنّ البداية كانت فى آلات النفخ مثل الناى والمزمار. وكان من أنواع الناى : القصير والطويل جدًا. أما المزمار المزدوج فقد ظهر على الرسوم الجدارية منذ عصر الأسرة 12 فى حين ظهر البوق أو النفير فى الأسرة 18 وكان يقتصر استخدامه على الأغراض العسكرية. وتم العثور عل بعض أنواع من (البوق) فى مقبرة توت – عنخ – آمون مصنوعة من الفضة. أما الآلات الوترية فكان أقدمها فى الظهور(الهارب) واستخدمته السيدات منذ عصر الدولة الحديثة (2780- 2100 ق.م) (1)

وأشار العلماء على أنّ بعض آلات النفخ مثل الناى والبوق تؤكد على وجود أسلوب ونظام موسيقى متطور وليس مجرد أداة لموسيقى ذات طابع عشوائى ، وهذا ظاهر من دقة صناعة هذه الآلات الموسيقية وزخرفتها العالية وإتقانها الفائق ، بالإضافة إلى تعدد أنواع وأشكال الآلات الإيقاعية. ووجود ثقوب كثيرة فى النايات ، مما يدل على حتمية وجود عدد من الدرجات الموسيقية التى يتنقل بينها اللحن. وعن نشأة الموسيقى فى مصرالقديمة تعدّدتْ الأسباب وتنوّعتْ ، إذْ منها ما هو مرتبط بالحياة اليومية مثل أغانى العمل (خاصة فى موسم حصاد الزرع وفى البناء والتشييد) ومنها ما هو مرتبط بإقامة الأفراح والاحتفالات (مثل الاحتفال بمولد الآلهة) ومنها ما هو متعلق بالطقوس الدينية والجنائزية. وكتب د. سمير يحيى الجمّال ((حصل المصرى القديم على نوعيات متعددة من التركيبات السلمية (= السلم الموسيقى) والمقامية (= المقام الموسيقى) المختلفة فأنتج تنوعًا كبيرًا فى التراكيب اللحنية والأساليب الموسيقية. وانتقلتْ هذه التراكيب القديمة إلى مختلف الشعوب المجاورة لمصر القديمة حيث لازالت مستخدمة. وابتكر المصرى القديم آلة موسيقية بسيطة التركيب هى (الطنبورة) وضبط أوتارها على أساس التداخل بين المسافة الرابعة والمسافة الخامسة. ونقل الإغريق ومن بعدهم الرومان هذه الآلة إلى بلادهم وأطلقوا عليها اسم الليرة Lyre وكان لها أربعة أوتار. ولازالت هذه الآلة تـُستخدم فى مصر باسم السمسمية)) (2) وأنّ الكثير من الآلات الموسيقية المصرية انتقلتْ عن طريق اليونان والرومان إلى سائر أوروبا منذ القرن الخامس الميلادى وأصبحتْ من خصائص الموسيقى الأوروبية (3)

كان من أشهر مغنيات الدولة القديمة (حم – رع) وكانت تشغل وظيفة رئيسة المغنيات والوصيفات الملكية إلى جانب (سنفرو- نفر) ، (مرى – بتاح) من الرجال. وكان المغنى يضع كفه اليسرى خلف أذنه (ولايزال هذا الأسلوب متبعًا عند المشايخ والمقرئين فى مصر حتى الآن) ومن الآلات الوترية (الجنك الكبير) وهو يشبه الهارب الحديث المستخدم حاليًا. ومن أنواع الناى المزمار المزدوج ولا يزال يستخدم فى مصر حاليًا باسم الأرغول فى الفرق الشعبية. كما مارس المصرى القديم منذ أقدم العصور الرقص كفن وأداة للتعبير المهذب الراقى بخطوات متناسقة وحركات دقيقة مدروسة. وكان الرقص يتم فى حفلات العرس والأعياد الزراعية بجانب الحفلات المنزلية الخاصة. ومن هنا اتصلتْ الموسيقى بالرقص وارتبطتْ به لتنظيم الحركات الإيقاعية. وفى نقوش الأسرة الخامسة صور لنساء ترقصن فى جماعات رقصًا نشيطـًا دقيقـًا بخطوات محسوبة مثلما يحدث فى الباليه الأوروبى الحديث. وظهرت نقوش فى مقابر بنى حسن بالمنيا من عصر الدولة الوسطى تـُمثل حركات للرقص التعبيرى التوضيحى مثلما يُطلق عليه الآن . ثم تطور السلم الموسيقى فظهر السلم السباعى بجوار السلم الخماسى القديم . وهذا السلم الجديد هو المستخدم حاليًا فى الموسيقى العالمية بما فيه من أبعاد كاملة (تونات) وأنصاف الأبعاد (4)

ومن الآلات الشهيرة فى مصر القديمة آلة (الكنارة) وكانت تـُعرف باسم (كنر) وعند العبريين (كنور) بينما عرفها العرب باسم الكنارة أو القيثارة. وتم العثور على أعداد منها فى بعض المقابر ونـُقلت إلى خارج مصر، وتـُعرض حاليًا فى بعض المتحف الأوروبية. وفى العصور القديمة انتقلت هذه الآلة إلى شعوب أفريقيا وآسيا كما نقلها الإغريق إلى بلادهم واستعملوها بنفس الأسلوب المصرى وبعدها انتقلت إلى بلاد الرومان ومنها إلى كل أوروبا (5)

ارتبطتْ الموسيقى فى مصر القديمة بالدين . ومن بين الصفات العديدة للإله أوزير اسم (إله الموسيقى) وله فرقة موسيقية من أمهر العازفات والمغنيات. ونقل الإغريق هذا النظام إلى بلادهم وأطلقوا عليهم اسم (الميوسات) أى ربات الفنون ومنها أشتقت كلمة الموسيقى Music أما حورس ابن أوزير فكان يُعد إله التوافق والنظام ، بينما كان الإله (مانير) أو(مانيروس عند الإغريق) ومعناه حامى الأبدية فهو مخترع الموسيقى وحامى فنونها. وذكر المؤرخ اليونانى هيرودوت ((سمعتُ من الأغانى والألحان المصرية ما صار بعد ذلك فى اليونان ألحانـًا شعبية يُردّدونها فى كل مكان)) وذكر أفلاطون ((على شعب اليونان أنْ ينتقى من الموسيقى المصرية ما يشاء إنْ أراد أنْ يطلع على موسيقى وفنون الآخرين لما فيها من عناصر جيدة فنية وأخلاقية وتربوية وذلك دون موسيقى الشعوب الأخرى)) وظهر للعالم أنّ المصريين هم أقدم من عرفوا توافق وانسجام الأصوات وهو ما يُطلق عليه تعدد الأصوات أو الهارمونى . وتوجد آلات أخرى لإحداث الصوت مثل الصاجات والصلاصل وقد انتقلتْ إلى إسبانيا مع العرب . كما أنّ رقص الإسبان يُماثل تقريبًا رقص قدماء المصريين عندما يستخدمون الصلاصل والصاجات (6)

وعن الرقص الإيقاعى ظهر على بعض الجداريات صورة لامرأة تنحنى إلى الخلف حتى وصلتْ يداها إلى الأرض ، بينما راقصة أخرى تفعل نفس الحركة فوقها وثالثة تمد ذراعيها فوقهما. وفى بعض المقابر رسوم تمثل نساء يلعبن بالكرات وراقصات تقف الواحدة منهن على ساق واحدة أو تقفز عاليًا فى الهواء أو تمتطى واحدة منهن ظهر زميلتها وهو ما يسمى فى العصر الحديث ب (الأكروبات) وارتبطتْ الموسيقى بالمسرحيات مثل مسرحية (خلق الكون) ومسرحية (التتويج) ومسرحية (حورس) التى كانت أكثر شعبية ويجرى عرضها يوم 12أمشير كل سنة فى معبد إدفو. وكذا مسرحية (الآلام) التى كانت تـُمثل فى مدينة أبيدوس لتخليد ذكرى وفاة أوزير، وتفاصيل البحث عن أعضائه التى جمعتها زوجته إيزيس (بردية الرامسيوم الدرامية) كما عرفت الحضارة المصرية علاج الحالات النفسية بالموسيقى الهادئة مع تعاطى بعض الأعشاب المهدئة للأعصاب. وعرف الإغريق تأثير الموسيقى فى طباع البشر واقتبسوه من مصر. ثم عرفته الهند باسم (راجا) والعرب باسم (المقام) أى الوحدة فى البناء والشخصية لكل الألحان المنتمية لسلم معين. ويؤكد الباحثون أنّ آلة (القِرب) الاسكتلندية منقولة عن مصر. وكما تأثر الإغريق بالحضارة المصرية ونقلوا علومها وفلسفتها وآدابها ، كذلك تأثروا بالموسيقى والآلات المصرية. وأنّ فيثاغورث كتب بحثـًا فى الموسيقى المصرية خلال وجوده فى مصر. كذلك أوضح إقليدس بعد دراسته فى مصرعام 300ق.م وتأليفه لكتابه الشهير عن الرياضيات فى الإسكندرية، قانون الموسيقى ونسب أصوات ودرجات السلم الموسيقى بطريقة رياضية نقلا عن المصريين. كما أنّ المؤرخ ديودورالصقلى الذى زارمصرعام 60ق.م كتب مؤلفـًا ضخمًا خصّص جزءًا منه عن مصر وعادات المصريين وذكر((إنّ آلهة مصر كانوا مغرمين بالموسيقى ويجدون لذة كبيرة فى سماعها واخترعوا القيثارة ثلاثية الأوتار)) وهذا المعنى أكده سترابون فى كتابه (الجغرافيا) فذكر أنّ الموسيقى شغلت مكانة كبيرة فى مصر بين الفنون والعلوم وحظيتْ باهتمام كبير من شعبها (7) وذكر أفلاطون ((لم تكن الموسيقى عند قدماء المصريين حرة ، بل قيّدتها القوانين فتحتم على الأطفال مزاولتها. كما أنه لم يكن للشباب أنْ يتغنوا إلاّ بالموسيقى الجيدة التى تـُطهر النفس)) وكان أفلاطون يُفضل الموسيقى المصرية على موسيقى بلاده. وتخيّل فى كتابه (الجمهورية) شعبًا وضع له المثل الأعلى فى القوانين والأنظمة، فلم يجد غير الموسيقى المصرية التى وصفها بأنها أرقى موسيقات العالم ، وأنها خير أنموذج للموسيقى الرفيعة المعبرة عن الجمال والخير، ولذا نصح بنقلها إلى اليونان فى كتابه المذكور. وأنّ (صولون) المشرع اليونانى عندما زار مصر فى القرن الخامس ق.م اختار بعض القوانين المصرية وعمل بمقتضاها وكان من بينها الكثير المتعلق بالموسيقى (8)

وذكرد محمود أحمد الحفنى أنّ السلم الموسيقى الذى كان مستعملا فى الدولتيْن القديمة والوسطى هو الخماسى، الذى كان خلوًا من أنصاف الأبعاد (العربات) وكانت أصواته على بـُعد كامل أو بـُعد ونصف مثل أصوات الأصابع السوداء فى البيانو الحديث. ولكن بظهور الدولة الحديثة غاب هذا السلم الخماسى وحلّ مكانه السلم السباعى، وهذا يُفسّر ما نراه فى آلات الدولة الحديثة من زيادة عدد أوتار(الجنك) والكنارة) وقد أجرى باحثون أوروبيون بعض التجارب على الآلات الموسيقية المصرية منهم العالم (فيتس) و(فيكتورلورى) ثم العالم (ليون) الذى قام بتجارب أوسع ونشر نتيجة أبحاثه فى المجلة الفرنسية Journal Asiatique سنة 1889 وأعاد نشرها فى الجزء الأول من دائرة المعارف الموسيقية الفرنسية سنة 1913وتتلخص طريقته فى أنه صنع نماذج لكل ما أمكن أنْ تصل إليه يده من النايات أوالمزاميرالمصرية القديمة الموجودة فى باريس وليدن وتورين وغيرها. واجتهد فى أنْ تكون النماذج التى يصنعها طبق الأصل تمامًا- طولا وعرضًا وسمكـًا – محتفظـًا تمام الاحتفاظ بأبعاد الثقوب واتساعها. وأراد بعد ذلك العزف عليها للوصول إلى النغمات التى كان يشتمل عليها السلم الموسيقى المصرى القديم. وهنا اعترضته صعوبة جديدة : كيف ينفخ فى تلك الآلات وكلها متشابهة. وهل ينفخ فيها على أنها ناى أوعلى أنها زمارة أومزمار؟ وبذلك بدأ يجتهد فى تمييزكل نوع على حدة. فما ظنه نايًا تركه دون بوق وما ظنه مزمارًا صنع له بوقـًا للفم . بعد ذلك توجّه إلى موسيقيين محترفين ماهرين فى العزف على آلة (الفلوت) الغربى وطلب منهم العزف بآلته التى صنعها، ثم دوّن ما وصل إليه من نغمات فكانت النتيجة سلبية، لأنّ الآلات التى صنعها لم تكن مطابقة تمامًا للآلات المصرية. كما أخطأ بوضع الأبواق للمزامير. ورغم ذلك يُحسب له اجتهاده. ثم جاء بعده العالم الموسيقى الكبير د. زاكس الذى أثبت أنّ المصريين القدماء كانوا يصنعون آلات النفخ على الطريقة الحسابية لا الجبرية، أى يهتمون بحساب الأبعاد لابحساب الأصوات، ولذا نجد أبعاد الثقوب ثابتة تقريبًا (9)

وعن آلة الكنارة ذكرد. الحفنى أنّ اسمها فى اللغة المصرية القديمة (كنر) ونقلها العبريون باسم (كنور) ثم العرب باسم (كنارة) وهى آلة وترية مصنوعة من الخشب وكان لها فى البداية خمسة أوتارإلى أنْ بلغت 13وترًا. وفى العصر الحديث تم العثور على خمس قطع من هذه الآلة : ثلاث فى برلين وواحدة ليدن بهولندا وواحدة فى القاهرة. وقد انتقلت هذه الآلة إلى اليونان ثم الرومان ثم القوط ثم إلى جميع الممالك الأوروبية كغيرها من الآلات الأخرى . أما آلة الأرغن المصرية فقد استخدم المصريون فى تشغيلها الماء لضغط الهواء ولذلك سُميت (الأرغن المائى) وانتقلتْ من مصر وعمّتْ الامبراطورية الرومانية ثم انتشرتْ فى كل بلاد أوروبا (10)

أكد بعض العلماء أنّ الكثير من شعوب الحضارات القديمة لم يعرفوا الآلات الموسيقية، بينما الأمر فى مصر عكس ذلك ففيها (بفضل علم الآثار) نرى ((مدينة موسيقية نضجتْ وآلات موسيقية جاوزت دور النشوء وغدتْ تامة كاملة، سواء أكان ذلك من المصفقات والطبول أو فى آلات النفخ أو فى الآلات الوترية)) لذا لم تكن مصادفة أنْ يتم العثور على آلة الناى من عصر ما قبل تاريخ الأسرات المصرية)) (11) كما تم العثور على (العود) ويُشبه العود المستعمل فى مصر حاليًا. وكان ذلك العود آلة ذات صندوق مصوّت بيضاوى الشكل، رقيق الجدران وموجود بمتحف برلين ويرجع عهده إلى عام 700ق.م كما تم العثور فى مدافن طيبة على عود آخر يُشبه العود الحالى . أما (الجنك) فهو آلة عرفتها مصر فى الدولة القديمة. وكانت أوتارها تتراوح بين التسعة والثلاثة عشر. وفى بعض الأحيان تسعة عشر وترًا. ولما كثر عدد الأوتار صُنعت الأوتاد التى تـُثبت فيها الأوتار، وهى بمثابة المفاتيح فى الآلات الحديثة من لونيْن : الأبيض والأسود . وكانت الأوتار البيضاء تـُصنع من العاج والسوداء من الأبنوس. وهذه بالضبط المفاتيح فى البيانو الحديث. وكتب د. الحفنى أنه من المهم ملاحظة أنّ ((العازف بآلة الجنك- على اختلاف أنواعها- منذ الدولة الوسطى كان يستعمل يديه معًا فى الضرب فى وقت واحد على وتريْن مختلفيْن وتخرج نغمتان معًا (كما تدل النقوش) هما : القرار والجواب. ويُستخلص من ذلك أنّ المصريين منذ حوالى 2000سنة ق.م لم تكن موسيقاهم ذات التصويت الواحد ، بل كانت موسيقى يدخلها نوع خاص من تعدد الأصوات ، وهذه الخطوة التمهيدية التى بنتْ عليها أوروبا علم الهارمونى الذى هو أساس موسيقاها)) كما تم العثور على الكثير من الجداريات بها رسومات تؤكد وجود نظام (الفرق الموسيقية) فمثلا تجد فرقة موسيقية مؤلفة من عازفة بالصنج وعازفة بالكنارة وعازفة بالطنبور وعازفة بالمزمار(12) وذكر المؤرخ اليونانى (بلوتارك) الذى زار مصر فى مؤلفه (مقالات فى الأخلاق) أنّ الموسيقى فى مصر القديمة ظلت لزمان بالغ الطول تـُعد من أهم وسائل التعبير عن أفكار البشر، وارتبطتْ بفنىْ الخطابة والشعر. وهو نفس المعنى الذى أكده كليمنس السكندرى حيث ذكر أنّ الموسيقى المصرية كانت تهدف إلى التحلى بالأخلاق الكريمة وتهذيبها. وذكر الشاعر اليونانى هوميروس فى الإلياذة والأوديسة أنّ اليونان نقلت فن الموسيقى حرفيًا من مصر.

وبعد انتشار الديانة المسيحية كانت تلاوة التراتيل داخل الكنائس المصرية تؤدى بذات الإيقاع الموسيقى الذى كان سائدًا قبل ميلاد المسيح ،وهى ذات الموسيقى التى كانت تؤدى فى المعابد المصرية. وكانت التراتيل فى الكنائس تؤدى باللغة القبطية التى هى آخر مرحلة من مراحل تطور اللغة المصرية القديمة، بعد استعارة الحروف اليونانية وسبعة حروف متحركة من الخط الديموتيكى. وكان للكنيسة المصرية الفضل فى الاحتفاظ بالأحان المصرية القديمة. وبعد دخول الإسلام احتفظ المصريون بنفس خصائص الإيقاع الموسيقى حتى فى تلاوة القرآن. وذكرت د. نعمات أحمد فؤاد أنه يوجد فى السوربون بحث عن الموسيقى الكنسية يُقرّر أنّ أعظم موسيقى كنسية هى موسيقى الكنيسة المصرية. كما أنّ مصر دون سائر البلاد الإسلامية جوّدت القرآن ونغـّمت الأذان والتواشيح وأنّ مصر(موسقت) الدين لأنه جزء من طبيعتها (13) وذكر د. سيد عويس أنه درس الموسيقى مع أ. سليمان جميل وحضر معه احتفالات الصوفيين ((فوجدنا الكلام أحدث من اللحن : اللحن كنسى والكلام إسلامى (14) وكتب د. سمير الجمّال ((إنّ الموسيقى اليونانية القديمة نشأ عنها أصناف أجناس التصويتات الإنسانية فى الألحان وارتكنتْ على النغمات الحادثة عن السلم الفيثاغورى المنقول حرفيًا عن الموسيقى المصرية القديمة)) كما أنّ ((تنغيم الصوت نشأ أصلا فى مصر القديمة)) وبعد انتشار المسيحية كانت التراتيل فى الكنائس تـُتلى على الحركات السبع (أى السلم الموسيقى السباعى) على شرف إيزيس وأوزير. وأحيانـًا يكون على حركة واحدة ويكون الترنيم بكلمة واحدة (هللويا) ولذلك يأتى القداس طويلا ، وهذه التراتيل تؤلف ميلودى فيما بينها كما توجد فى غناء الكنائس عشرة أنغام أو مقامات مختلفة لها جذور مصرية وإغريقية. وبعد انتشار الإسلام كان المصريون يُغنون أثناء الجنازات بالرغم من استهجان الدين الإسلامى (لهذه البدع) إلاّ أنه كان ميلا طبيعيًا للمصريين لا يمكن مقاومته (15) وذكر عالم المصريات (فرانسوا دوما) أنّ المصريين القدماء ابتكروا العديد من الآلات الموسيقية مثل الجنك (الهارب) والعود والبوق والناى والمزمار المزدوح والكنارة ((ومن المؤكد أنّ مصر عرفت الفرق الموسيقية التى تعزف بأكثر من آلة. واستطاع العلماء أنْ يُعيدوا صناعة بعض الآلات الموسيقية على غرار النماذج القديمة وتوصلوا بالتالى إلى مساحة ألحانهم ومداها)) (16) وكتبتْ عالمة المصريات (أنـّا رويز) أنه تم العثور على لوحة تـُصوّر عازفـًا أعمى وهو يعزف على آلة الجنك (الهارب) وفى لوحة جدارية أخرى بمقبرة الملك (حور- إم- حب) مغنى أعمى يُصفق بيديه وتـُزيّن الصورة ثلاث عازفات مرتديات أثوابًا بيضاء ضيقة من الكتان. وفى جدارية أخرى امرأة راكعة تداعب أوتار الجنك بينما تعزف أخرى على العود وتضرب ثالثة دفـًا مستطيل الشكل. وكان الرقص يُعتبر عنصرًا بالغ الأهمية فى المهرجانات الزراعية والدينية. وكان جزءًا أساسيًا من الثقافة المصرية القديمة)) (17) وورد فى معجم الحضارة المصرية أنّ (هانزهيكمان) مؤسس الجمعية الموسيقية بالقاهرة استطاع أنْ يحاكى طريقة تركيب الأوتار على القيثارة الصغيرة والعزف عليها، وكذا الهارب والقيثارة. واكتشف السلم الموسيقى للناى والمزمار القديمين بدراسة نماذجهما والآلات الباقية منهما. وحافظتْ الكنيسة المصرية على هذا التراث. وأنّ الموسيقى المصرية القديمة احتلتْ مكانة بين الموسيقى الشرقية وموسيقى زنوج أفريقيا (18) وذكرد. خيرى الملط (رئيس المشروع القومى لإحياء الموسيقى المصرية القديمة) أنه تم تصنيع مجموعة من الآلات الموسيقية المصرية القديمة بالاشتراك مع خبير ألمانى وهى : 1- العود المصرى القديم من الأسرة 30وبه 3 أوتار وهو فى متحف جرفيوبل بفرنسا 2- العود الكمثرى الشكل من الأسرة 25وبه 3 أوتار وهو فى متحف برجمت ببرلين 3- الهارب المقوس من الأسرة 18وبه 4 أوتار وهو فى المتحف المصرى 4- الهارب الزاوى من الأسرة 19وبه 21وترًا وهو فى متحف اللوفر بفرنسا 5- الكينارة (السمسمية) من الأسرة 18وبها 13وترا وهى فى متحف شرلوتنبرج بألمانيا. وذكر أنّ من أكبر المخاطر التى يتعرض لها التراث القومى المصرى هو ظهور بعض اسطوانات CD مسجل عليها موسيقى يدّعى أصحابها أنها موسيقى من عصر الأهرامات وهى فى الواقع تـُسيىء إلى هذا التراث المصرى . وفى شهر ديسمبر 2002تم عقد أول ورشة عمل دولية عن إحياء الموسيقى المصرية القديمة بجامعة حلوان ، شارك فيها علماء من ألمانيا وفرنسا وأمريكا بجانب العلماء المصريين. وتم تشكيل أول جمعية دولية فى مجال الآلات الموسيقية ترأسها د. إلين زوجة أول من كان له الفضل فى جمع المادة العلمية لتراث الموسيقى المصرية القديمة (19)

المراجع :

1- د. سمير يحيى الجمّال – تاريخ الموسيقى المصرية- أصولها وتطورها- هيئة الكتاب  المصرية- سلسلة تاريخ المصريين رقم 150عام 99 ومكتبة الأسرة 2006من ص 18-  21.

2- المصدر السابق ص 27.

3- المصدر السابق ص 35.

4- المصدر السابق – من ص 46- 49.

5- المصدر السابق – ص 51.

6- المصدر السابق – من ص 59- 65.

7- المصدر السابق – ص 99، 110، 111.

8- د. محمود أحمد الحفنى – موسيقى قدماء المصريين – مكتبة الأسرة عام 98- من ص  117- 119.

9- المصدر السابق ص 111، 112.

10- المصدر السابق – ص 75، 95.
11- المصدر السابق – ص 14، 15، 17.

12- المصدر السابق – ص 78، 86، 105.

13- د. نعمات أحمد فؤاد – أبعاد الشخصية المصرية بين الماضى والحاضر- إعداد وتقديم  طلعت رضوان – هيئة الكتاب المصرية – عام 99- ص 67.

14- د. سيد عويس – المصدر السابق – ص 85.

15- د. سمير الجمّال – مصدر سابق ص 164، 199، 202.

16- فرانسوا دوما – حضارة مصر الفرعونية – ترجمة ماهر جويجاتى – المجلس الأعلى  للثقافة- المشروع القومى للترجمة- رقم 48 عام 98- ص 821.

17- أنـُا رويز – روح مصر القديمة- ترجمة إكرام يوسف – مكتبة الأسرة عام 2006- ص  80 ، 81 .

18- معجم الحضارة المصرية- مجموعة علماء – مكتبة الأسرة عام 96 ص 323، 324 .

19- أنظر التفاصيل – مجلة إبداع هيئة الكتاب المصرية – شتاء 2007 .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.