هل تنقذ إيران الغرب مرة أخرى؟

د. مجدى خليل مجدي خليل

يبدو أن دائرية حركة التاريخ تعود بدورتها مجددا إلى منطقة الشرق الأوسط ، وقد بدأت هذه الدورة الجديدة للتاريخ فى الشرق الأوسط بأحداث 11 سبتمبر 2001،والتى اعادت تاريخ الشرق الأوسط مرة أخرى إلى جولة عدوان جديدة ضد الغرب قادمة من هذا الشرق ضمن جولات الصراع بين الإسلام والغرب.وكأن المشهد يعود عدة قرون إلى الوراء، يعود دور إيران ثانية كممثلة وقائدة للإسلام الشيعى فى مواجهة مع تركيا المتطلعة لإعادة قيادة الإسلام السنى ، ويبدو أن هذا التنافس والصراع على الهيمنة بعد ذلك سيشغل المنطقة عن تصدير الإرهاب للغرب وبالتالى سيتقلص حجم الإرهاب الإسلامى المصدر للغرب، نفس الشئ تكرر تاريخيا نتيجة للصراع بين الدولة الإيرانية الصفوية والدولة التركية العثمانية والذى أستمر لمدة 166 عاما أنهك الإيرانيون خلالها الدولة العثمانية وقلصوا بدرجة كبيرة جموحها وغزواتها الموجهة لاوروبا حتى أن بوزبق سفير الامبراطورية الرومانية المقدسة فى اسطنبول وقتها ذهب إلى القول بأن التهديد الفارسى وحده هو الذى أنقذ أوروبا من الغزو التركى الوشيك لها،إذ استمر القتال بين العثمانيين والفرس حتى القرن التاسع عشر، وعندها لم يعودا يمثلان تهديدا لأى أحد فيما عدا رعاياهما كما يقول المستشرق البارز برنارد لويس..دعنا نوضح الفكرة أكثر.

بسقوط القسطنطينية فى يد العثمانيين عام 1453 كان ذلك نقطة تحول خطيرة وعلامة بارزة على سقوط الأمبراطورية الرومانية الشرقية المقدسة ،بل وسقوط المسيحية الشرقية فى يد الغزاة المسلمين.التفت العثمانيون بعد ذلك صوب أوروبا لإسقاطها وحققوا انتصارات ونجاحات عبر غزوات فظيعة وشرسة تركت أثارا مدمرة على نواحى عدة فى أوروبا وتركت أكثر مرارة تاريخية أوروبية تجاه ما يسمى بالخلافة الإسلامية، والتى هددت أوروبا كاملة بالسقوط مرتين على الأقل خلال تاريخ تلك الخلافة. على أن عددا من العوامل هو الذى اعاد الآمل لأوروبا ومن ثم مثل ضربات قاسية لتلك الخلافة العثمانية حتى اصبحت رجل أوروبا المريض.

الضربة الأولى جاءت من أسبانيا عام 1492 بطرد آخر معاقل المسلمين منها، وقد مهد ذلك لفتوحات أسبانيا البحرية بعد ذلك والتى أدت إلى خنق العرب والمسلمين الأتراك.

الضربة الثانية جاءت من روسيا، فبعد سقوط روسيا فى يد التتار المسلمين بزعامة الخان الأكبر عام 1240 وقعت روسيا تحت الحكم الإسلامى حتى أواخر القرن الخامس عشر، وبعد استقلال روسيا بدأت توجه ضربات عنيفة للأمبراطورية العثمانية وحققت انتصارات عدة عليها أنتهت بتوقيع معاهدة رادزين عام 1681 حيث تخلى الأتراك بموجبها على أوكرانيا للروس ووافقوا على منحها حقوقا تجارية فى البحر الأسود. وفى عام 1774 اضطرت تركيا على عقد معاهدة أخرى مع الروس وهى كوشوك كايناركا حيث اعطت للروس حقوقا بالتدخل فى الأمبراطورية العثمانية وضم جزيرة القرم للروس.

الضربة الثالثة للعثمانيين جاءت بهزيمتهم النكراء عند اسوار فيينا بعد أن حاصروها للمرة الثانية فى الفترة ما بين 17 يوليو إلى 12 سبتمبر 1683، وكانوا قد حاصروها للمرة الأولى عام 1529،وكانت هزيمة نكراء تم سحق الجيش العثمانى خلالها وتكبيده خسائر فادحة.

الضربة الرابعة جاءت من الدولة الإيرانية  الشيعية الصفوية التى أسسها إسماعيل الصفوى(1501-1524)، ففى الوقت الذى سقطت مصر بسهولة فى يد العثمانيين عام 1517 وعلق سليم الاول طومنباى على باب زويلة، قاوم الإيرانييون تركيا وحرموها من إسقاط إيران بل تحولوا إلى عدو شرس حارب العثمانيين كما ذكرت لمدة تربو على 166 عاما أنهكوا خلالها الخلافة العثمانية وحرموها من مواصلة انتصاراتها على أوروبا، وهكذا ساعدوا أوروبا بطريقة غير مباشرة بإبعاد عدوهم التركى اللدود وانهاكه واضعافه.

الجدير بالملاحظة أن الإسلام الشيعى لم يشكل تهديدا للغرب نهائيا على مدى تاريخه، بل الذى مثل الغزو والتهديد هو الإسلام السنى بقيادة دولة مركزية قادت الخلافة الإسلامية. الملاحظة الأخرى أن غياب دولة مركزية عسكرية تقود الإسلام السنى فى العقود الأخيرة أدى إلى ظهور ما يسمى بالإسلامية الدولية وذراعها العسكرى  الجديد هو الإرهاب الدولى، وبالتالى كان نصيب الشيعة من الإرهاب الدولى الجديد الموجه للغرب محدودا، وجل نشاطهم يتركز فى تقوية أوضاع الأقليات الشيعية فى الدول السنية.

يا لمكر التاريخ عندما يصنعه الماكرون، عاد الفرقاء القدامى إلى ملعب الشرق الأوسط مرة أخرى فى لحظة تاريخية مختلفة. بعد 11 سبتمبر 2001 خطط الغرب لنقل المعركة برمتها إلى ملعب الشرق الأوسط بعيدا عن أراضيه،سواء بالحروب أو بمساندة الإسلاميين لحكم بلادهم وإشغالهم بالصراع السياسى وبعد ذلك بالأقتتال الداخلى، عن تصدير كرههم وعنفهم وإرهابهم للغرب. بعد ما يسمى بالربيع العربى عاد الفرقاء بالجملة إلى الملعب. أردوغان الخليفة العثمانى المتخفى الذى رفض بخبث تتويج الاخوان المسلمين له خليفة فى أول زيارة له لمصر بعد سقوطها فى يد الإسلاميين عاتبا عليهم فى قرارة نفسه هذا التسرع العلنى الذى يخيف العالم من عودة شبح الخلافة ولكنه فى داخله يعمل ويخطط لقيادة تركيا للعالم السنى مرة أخرى. وسقطت تونس وبعدها سقطت مصر وليبيا واليمن فى يد حلفاء أوردوغان واتباعه، وجاءت لحظة حلم بناء الأمبراطورية العثمانية بتسارع الرغبة والمشاركة التركية لإسقاط سوريا، عند هذه اللحظة قام التاريخ من مرقده ليرجع مشهد الصراع عدة قرون للوراء. إيران التى ادركت على الفور أن سقوط سوريا موجه لها وللشيعة بالدرجة الأولى، روسيا التى استشعرت خطورة الأحلام الأوردغانية عليها وعلى العالم، الغرب الذى يشجع ويرغب فى اطالة الصراع بعيدا عن أراضيه. أى أن لحظة الحقيقة تجلت على أرض سوريا، الصراع الصفوى العثمانى، الصراع السنى الشيعى، الصراع الروسى التركى، الصراع الغربى الإسلامى، الصراع الكردى العربى، الصراع العربى الإسرائيلى،صراع القوى العظمى على تشكيل قواعد جديدة للعبة……. بأختصار فأن نتائج الحرب على أرض سوريا ستحدد شكل الشرق الأوسط.

فى تقديرى أن احلام أوردوغان العثمانية القديمة ستسقط على أرض سوريا، فإيران وحزب الله وشيعة العراق بل والشيعة عموما لن يسمحوا ابدا بسقوط سوريا كاملة فى أيد الاخوان بزعامة أوردغان وأن يعودوا اقلية مضطهدة ومهمشة كما كانوا طوال التاريخ الإسلامى ،وروسيا لن تسمح بذلك أيضا وتحرم نفسها من موطئ قدم فى المياه الدافئة فى طرسوس.والسنة بقيادة تركيا لن يقبلوا بهزيمة كاملة للعالم السنى على أرض سوريا، والنتيجة ستكون تقسيما متوقعا ليس لسوريا فقط ولكن للعراق أيضا، وهذا سيمنع أى طرف من أن يحقق أنتصارا ساحقا على الطرف الآخر أو يتعرض لهزيمة ماحقة. الضحية الاكبر من جراء هذا الصراع ستكون الأقليات غير المسلمة فى الشرق، والفائز الاكبر سيكون الغرب وإسرائيل.

ويبقى السؤال هل هذا السيناريوا كان مخططا له فى الغرب بهذا الشكل؟ أم أن مرارات التاريخ افرزت أو سارعت بهذه الجولة من الصراع مرة أخرى؟.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. مجدي خليل and tagged , , . Bookmark the permalink.