الأقباط والخروج بالكنيسة للوطن أو الخروج من الوطن

سليمان شفيق سليمان

يواجه المواطنون المصريون الأقباط، لأول مرة منذ تأسيس الدولة الحديثة، خطرا وجوديا، ولا يوجد بشر عانوا مثلما يعاني المواطنون المصريون الأقباط حتى بعد مشاركتهم في تأسيس الدولة المدنية الحديثة، كانت  أول تجليات الأزمة 1911 “المؤتمر القبطي”، ومنذ ذلك التاريخ وحتى تفجيرات “القديسين”، مضى قرن من الزمان، وتبوأ الحكمَ في مصر أربعة ملوك (عباس حلمي، حسين كامل، فؤاد، فاروق) وثلاثة رؤساء (عبد الناصر، السادات، مبارك)، ولم تتوقف الانتهاكات ضد الأقباط، في العصر المسمى بالليبرالي، وفي فبراير 1934، في حكومة عبد الفتاح يحيى باشا، أصدر العزبي باشا، وكيل وزارة الداخلية، الشروط العشرة لبناء الكنائس، التي سببت 76% من الأحداث الطائفية، ارتبط ذلك بإسقاط دستور 1923 وإعلان دستور صدقي 1930 وظهور جماعة الإخوان المسلمين وتحالفها مع صدقي، بل وفي ظل زخم زعامة النحاس للأمة تم “تجريس” الحزب في الأربعينيات من القرن الماضي على أنه “حزب نصراني”، (أسس لهذه الحملة أيضًا الإخوان المسلمون، وللأسف شارك فيها كتاب كبار مثل العقاد).

والأخطر أنه في ظل حكومة الوفد 1950، لأول مرة بعد ثورة 1919، تم حرق كنيستين، إحداهما في السويس، والأخرى بالزقازيق، وسقط قتيلان من الأقباط، واتهمت حكومة الوفد أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وثار الأقباط، وخرجت مظاهرة من البطرخانة بـ”كلوت بك” إلى مجلس الوزراء بـ”قصر العيني” تطالب بانسحاب الوزراء الأقباط من الحكومة (روى هذه القصة الكاتب الراحل الكريم سعد فخري).

العصر الناصري.. لم يشهد أي اعتداءات على أقباط أو كنائس، ولكن تم إضافة خانة الديانة للبطاقة الشخصية؛ الأمر الذي انسحب إلى العديد من الوثائق الأخرى، كما تم حرمان الأقباط من الوظائف العليا في بعض أجهزة الدولة مثل المخابرات العامة وأمن الدولة، ناهيك عن تحويل جامعة الأزهر من جامعة دينية إلى جامعة مدنية يقتصر القبول فيها على المواطنين المسلمين، رغم أنها تمول من أموال المصريين مسلمين وأقباط.

في عصر السادات انتقلت ظاهرة الإخوان المسلمين والتدين من خارج النظام السياسي إلى داخله، وتسللت إلى قمته؛ حيث تحالف السادات مع الجماعات المتأسلمة طبقيًّا وغيَّر من المادة الثانية من الدستور، بما يعطي مرجعية دستورية للإسلام السياسي الناصري، ولأن الإرهاب يبدأ فكرًا؛ فقد أصدر الشيخ عبد الله الخطيب فتواه الشهيرة في العدد (57) من “الدعوة” (لسان حال الإخوان حينذاك) بعدم جواز بناء الكنائس؛ الأمر الذي تلقفته الجماعات الإرهابية التي ولدت من رحم الإخوان، وبإخصاب من هذه الفتوى تم الاعتداء “شرعًا” على الكنائس (لاحظ بعد تحالف الإخوان مع صدقي وزيور قننت الشروط العشرة لبناء الكنائس، وبعد التحالف مع السادات شرعنت فتوى الإخوان الاعتداء على الكنائس).

في عصر مبارك، خاصة السنوات العشر الأخيرة، لم تعد الدولة مدنية ولا حديثة، بل صارت دولة مملوكية (ظهر مشروع التوريث)، وعكس ما يتصور الجميع كانت هذه المرحلة هي العصر الذهبي للإخوان، حيث تم تمكينهم اقتصاديًّا (السيطرة على 55% من تجارة العملة، وبلغت عمليات المضاربة وغسيل الأموال أقصى مدى، انظر ملفات قضايا الإخوان في تلك المرحلة).

وعلى الصعيد السياسي، وافق الإخوان على التوريث مقابل التمكين في مجلس الشعب (مثال صفقة الـ88 نائبًا)، إضافة إلى التمكين الدولي، وتأسيس التحالف الإخواني الأمريكي.

في تلك المرحلة من ذلك العصر، تم القضاء على عوامل الاندماج القومي، كما ذهب الباحث نبيل عبد الفتاح في كتابه “سياسات الأديان”؛ الأمر الذي أدى إلى انتشار ما أسماه الباحث سمير مرقص “فيروس التفكك” وبشكل قاعدي، وإن كان الإرهاب والاعتداء على الأقباط والكنائس يتم من خلال جماعات إرهابية؛ فإنه الآن يتم من خلال جماهير متعصبة.

 ولا يمكن في هذا السياق إهمال ظهور الجماعات السلفية، التي تحالفت بالتواطؤ مع نظام مبارك في مواجهة الإخوان، وشرّعت عدم جواز الخروج على الحاكم.. تلك الجماعات لم يكن لها من “عدو” تُرّبي عليه أعضاءها سوى الآخر الديني، وفي مقدمتهم المسيحيون.

 هكذا تم القضاء على عوامل الاندماج القومي والأساس الاجتماعي والاقتصادي للدولة المدنية، ويتم الآن محاولة إجراء “جراحة إيكولوجية للوطن”؛ عبر التهجير القسري للأقباط من أماكن إلى أخرى، أو التهجير الطوعي للأقباط لخارج البلاد عبر “صناعة التخويف” (من إبريل 2011 حتى إبريل 2013 قتل 60 قبطيا وجرح 914 واعتدي على 24 كنيسة، وحوكم 12 قبطيا بتهمة ازدراء الإسلام بينهم طفلان)، في الوقت الذي ازدرى فيه المسيحية الشيخ برهامي 14 مرة، وتمت مكافأته باختياره في الجمعية التأسيسية للدستور، وحرق أبو إسلام الإنجيل، ولم يحبس سوى ليلة واحدة!!، وهكذا انتقلت القضية القبطية من قضية حقوق إلى قضية وجود.

لكن المخاطر لا تنفي الفرص ، فالمواطنون المصريون الأقباط ثرواتهم تشكل 31% من الثروة القومية، و25% من المهنيين، ولديهم مكانة تشكل 60% من المهاجرين في الغرب، وقدرات تصويتية لا تقل عن 20% من الناخبين، كما أنهم ليسوا مركزين جغرافيا في أماكن بعينها، كما أن الكنيسة القبطية تمتد جذورها إلى عمق التاريخ (أسست منذ ألفي عام)، وخصومهم من الإسلاميين لا يتجاوز تاريخهم الثمانين عاما، والأهم أن الجسد المصري والثقافة المصرية التعددية رهن بالمسيحيين والكنيسة، ومن ثم فوحدة الوطن جغرافيا وسياسيا وثقافيا ودينيا ترتبط بالوجود المسيحي القبطي مواطنين وكنيسة، فهل يدرك الإخوان ذلك أم أنهم سوف ينتحرون ويبقى الوطن والكنيسة والأقباط.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سليمان شفيق and tagged , . Bookmark the permalink.