عن كتاب فى الشعر الجاهلي نتحدث

احمد ابراهيم  taha hussein

مقدمه
من أسبوع تقريبا فتح نقاش فى جروب ماذا تقرأ هذه الأيام عن د طه حسين أهو مسلم أم ملحد .. وتعددت الآراء ما بين ملحد ومسيحي وانه تاب قبل وفاته .. وحين قرأت هذا الكلام تذكرت وقت الثانوية العامة حين قال لي أستاذ اللغة العربية أن طه حسين علينا فى المنهج السنة دي بخطه من أمريكا أمرت الحكومة تشيل الإسلام (صلاح الدين) وتحط الكفر (طه حسين) وان طه حسين قال لو كان معايا قلم لكنت وضعت خطوط حمراء تحت الأخطاء فى القران .. فقولت بسخرية يومها طب بسيطة لو كان قال كده كان حد ناوله القلم ..

وأستمر موضوع تكفير طه حسين ليس فقط بين السلفيين بل وأمتد للادينيين .. فكأنهم يقولون بما أن الأصوليين يكفروه فنحن نقبل بهذا وأهلا به عندنا.. ها هو عميد الأدب العربي كان ملحدا .. أين الاختلاف بين الاصوليه الاولى والثانيه ؟.. ومابين الاولى والثانيه يخنق ويضيع مشروع التنوير, يضيع فكر د طه حسين وتضيع كتاباته.. بل ويختزل كتبه ومشروعه الثقافي فى كتاب الشعر الجاهلى ( لغرض فى النفس ) .. 

إلى متى سيظل التجنى على هذا الرجل؟ إلى متى بدلا من أن نحتفى به ونتذكر دوره العظيم فى تنميه الوعى المصرى لا نشوهه ونضعه بين المطرقه والسندان (مطرقه السلفيين وسندان اللادينيين؟) وهو بين هذا وذاك باحث مسلم أزهرى استخدم مبدأ الشك وهذا المبدأ استخدمه الكثير ووصل للحقيقه فى الاخير ( كالغزإلى) ..وكان أسلوب طه حسين فى البحث يعتمد على التخلى عن كل انتماءات دينيه أو وطنيه أو عرقيه .. وهو قال أن هذا هو المنهج المناسب عند البحث فى الأدب ..
———

عن ( قضيه ) كتاب فى الشعر الجاهلى نتحدث

فى يوم 30 مايو 1926 تقدم طالب أزهرى يدعى خليل حسنين إلى النائب العمومى ببلاغ يتهم فيه طه حسين بأنه أصدر كتابا فيه طعن صريح فى القران العظيم حيث نسب الخرافه والكذب لهذا الكتاب .. وبعدها بأيام وصل خطاب أخر أكثر خطوره للنائب لان صاحبه هو شيخ الأزهر شخصيا .. يوجز فيه تقرير العلماء الأزهر حول كتاب طه حسين ويقول(كذب فيه القران صراحه , وطعن فيه على النبى صلى الله عليه وسلم , وعلى نسبه الشريف , وأهاج بذلك ثائره المتدينين, وأتى فيه بما يخل النظم العامه, ويدعو الناس للفوضى)..وفى 14 سبتمبر تقدم النائب الوفدى ببلاغ ثالث للنائب ضد طه حسين وكتابه الذى (طعن فيه على الدين الاسلامى وهو دين الدوله بعبارات صريحه).. وكان لابد أمام هذا الحصار المكثف أن تفتح التحقيق مع د طه حسين تمهيدا لمحاكمته .. فكان ذلك فى 19 أكتوبر 1926 وتولى الاستاذ محمد نور رئيس نيابه مصر التحقيق مع المتهم فى أربع نقاط رئيسيه أجمعت البلاغات عليها

1-اهانه المؤلف للدين الاسلامى بتكذيب القران فى اخباره عن ابراهيم واسماعيل حيث ذكر فى ص26(للتوراه أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل, وللقران أن يحدثنا عنهما أيضا, لكن ورود هذين الاسمين لايكفى لاثبات وجودهما التاريخى, فضلا عن اثبات هذه القصه التى تحدثنا بهجره اسماعيل إلى مكه , ونشأه العرب المستعربه فيها.. ونحن مضطرون إلى أن نرى أن هذه القصه نوعا من الحيله فى اثبات الصله بين اليهود والعرب من جهه والاسلام واليهود والقران والتوراه من جهه أخرى).

2-ان المؤلف تعرض للقراءات السبع المجمع عليها والثابته لدى المسلمين جميعا فزعم بأنها غير منزله من عند الله وان هذه القراءات انما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوصى الله بها نبيه مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مرويهمن الله تعإلى على لسان النبى صلى الله عليه وسلم

3-ان المؤلف طعن فى نسب الرسول طعنا فاحشا حين قال ص72(ونوع أخر من تأثير الدين فى انتحال الشعر واضافته إلى الجاهلين هو ما يتصل بتعظيم شأن النبى من ناحيه وأسرته ونسبه إلى قريش .. فلامر ما اقتنع الناس بأن النبى يجب أن يكون من صفوه بنى هاشم,وأن يكون بنو هاشم صفوه بنى عبد مناف, وأن يكون بنو عبدمناف صفوه بنى قصى, وأنتكون قصى صفوه قريش, وقريش صفوه مضر , ومضر صفوه عدنان. وعدنان صفوه العرب ,والعرب صفوه الانسانيه كلها)

4-ان المؤلف أنكر ان للاسلام أولويه فى بلاد العرب لانه قال ص80(أما المسلمون أرادوا أن يثبتوا أن للاسلام أولويه فى بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبى وأن خلاصه الدين الحق الذى أوحاه الله إلى الانبياء من قبل).. ويكمل ص81 (وشاعت فىا لعرب أثناء ظهور الاسلام وبعده فكره أن الاسلام يجدد دين ابراهيم ومن هنا اتخذوا يعتقدون أن دين ابراهيم هذا دين العرب فى عصر من العصور , ثم أعرضت عنه لما أضلها المضلون وانصرفت إلى عباده الاوثان).

تلك التهم هى التى وجهت إلى د طه حسين فى التحقيق.. وفى هذا الوقت كان القلم السياسى إلى الملك يكتب له تقارير فيقول (أول نوفمبر 1926 )..( علمنا أمس بعزم بعض طلبه الأزهر ومنهم الشيخ الفقى والشيخ محمدالاسمر على عمل مظاهره والمناداه بسقوط الشيخ طه حسين.. وفى الساعه 11 صباحا وقف الشيخان ومعهم الشيخ محمد محسن وإلى وهم من طلبه السنه الرابعه قسم عإلى أزهر وقالوا سيروا بنا أيها الطلبه نحو المشهد الحسينى لنعلم الرأى هناك غضبتنا على الملحدين.. لان المولد يجمع كثير من طبقات المقريين.. وخرجوا جميعا قاصدين تلك الجهه , وعند خروجهم هتفوا قائلين يسقط طه حسين .. يسقط عبدالعزيز فهمى.. يسقط البندارى ).

وفى 5 يناير تقرير أخر للملك فيه(ان الغضب على طه حسين قد انتقل من الأزهر و القاهره إلى أهل المدن الاخرى فى الدلتا والصعيد من الاعيان والتجار و غيرهم..وأتشرف بأن ارسل لمعاليكم بصوره التلغراف الذى وصل إلى الصحف بشأ أن د طه حسين مذيلا بأمضاء العلماء والاعيان ويرفق بالتقرير النص البرقى:..( اذا كذبنا القران الكريم مرضاه لطه حسين, و يانه للائتلاف فلا غرابه فى هدم الباقى من أحكام الدين..كفى يا نواب الامه المسلمه .. هل أقاموا لنا دينا جديدا قبل الاجهاز على ديننا القديم .. ويشاع أن المشاريع الادينيه أجمع ستنفذ فينا بايعاز حزب وأعضاء كل المراد أن يحمى دين الله لا حمايه الاعداء فنستغيث بجلاله الملك والعلماء وبالامه و بالبرلمان ..)
وفى هذا المناخ كان يجرى التحقيق مع د طه حسين..
الملاحظ هنا تلك المره أن الملك لم يتدخلا لاشعال الحريق وبات مكتب النائب العام بعيدا عن ضغوط الذين يكبسون يتحكمون فيه , وأصبح الضغط الوحيد والخطير هو ضغط الأزهر والرأى العام .. لــمــاذا ؟

1- لان العقل العلمى لم يكن هو الذى يفكر بل الوجدان الدينى الذى التقط تفاصيل النتائج الثانويه لبحث طه حسين بعض الاشارات الدينيه ولهجه بعض القراءات فزلزلته جرأه الرجل على اقتحام المقدسات

2- لان القيمه الاولى والعظمى لكتاب د طه حسين هوالمنهج الذى اتبعه فى البحث .. المنهج القائل ب(ان الدليل النقلى وحده لا يكفى وأن عنعنه القدماء عن القدماء أو المحدثين لا تكفى بل يجب أن تمتحن بالدليل العقلى والدليل الاستقرائى

3- لان طه حسين كان يتوجه بهذا الكتاب إلى ما هو أخطر من النظام السياسى .. كان يقتحم النظام الفكرى للمجتمع والسلطه, فهو بالرغم من انه لم يتعرض لشخص محدد أو لمبدأ سياسى الا انه طورد بصوره غير مسبوقه .. ولا يكفى القول بأن طه حسين طبق منهج الشك عند ديكارت .. ولا يكفى القول بأنه رأى فى الشعر انتحالا دفعه لان يرجح بكتابته فى صدر الاسلام.. وانما ينبغى بالاضافه إلى ذلك كله القول بأن طه حسين ناقش شئ يمس قدس الاقداس عند الفكر السلفى وهو اللغه .. فدلل صحه فرضه باستشهاده بالقران الكريم لغه وأسلوبا ومدى القرابه التى تصل بينه وبين النسيج البلاغى للشعر الجاهلى.

4- كانت المشكله من الناحيه الفكريه أهم بكثير من الناحيه الدينيه.. لان مجموعه المقدمات والنتائج التى توصل اليها د طه حسين لا توحى أبدا بأنه ملحد , بل هى بعيده كل البعد أن تجعل منه مفكرا ماديا..وان طه حسين ببحثه يظل مفكرا مثاليا بالمعنى الفلسفى ..وانه لم يتخذ من ديكارت سوى بعض العناصر المنهجيه غير المترابطه عضويا فى نظام فلسفى متسق .. أى انه استلهم الشعار أكثر من استلهامه لاسس البناء المنهجى .

5- كان الطهطاوى ومحمد عبده يقولون ان الحضاره الحديثه لاتتناقض مع الاسلام .. وجاء على عبدالرازق ليقول أن لا علاقه بين الاسلام كدين والدوله كنظام حكم.. وجاء طه حسين بالضربه القاضيه ليقول .. ان العاطفه الدينيه والوجدان الروحى ومعتقدات السلف لا علاقه لها بالعلم وقوانينه وتجاربه ورؤاه و مقدماته ونتائجه وان كل انسان ينطوى على هاتين الشخصيتين العاطفيه والعقليه لكن العالم حين يبحق لا يعتمد سوى على العقل .. وبالتإلى نسيان كل العواطف القوميه والدينيه .. ولذلك كان كتابه من بعض النواحى مساس مباشر بالاسلام .. بقلم يدين صاحبه بالاسلام وتعلم فى الأزهر ..
وأول مساس مباشر كان بمعنيين الاول انه نظر للقران إلى انه نص أبدى( وهكذا ألغى محور الخلاف بين الحنابله والمعتزله) والمعنى الثانى انه نظر إلى هذا النص الادبى فى سياقه التاريخى ومحيطه البيئى .

 وعندما وصف قصه اسماعيل فى القران فكان يقصد بأن التاريخ الادبى واللغوى لا يستطيع أن يحفل بهاعندما يريد أن يتعرف على تاريخ اللغه العربيه الفصحى التى تتكلمها العدنانيه لانالفرق بينها واللغه القحطانيه ( لغه أهل اليمن) كالفرق بين اللغه العربيه وأى لغه أخرى من اللغات ..وأن قصه العاربه والمستعربه وتعلم اسماعيل العربيه من جدهم كلذلك أحاديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه ,,وهنا أراد د طه حسين الوصول إلى أن الشعر الذى يسمونه جاهلى لا يمثل اللغه الجاهليه ولا يمكن أن يكون صحيحا لاننا نجدبين هؤلاء الشعراء ينتسبون إلى عرب اليمن أى إلى القحطانيه العاربه التى تتكلم لغه غير لغه القران.

أما على صعيدالتاريخ فكان طه حسين يريد أن يذهب إلى ما هو أبعد فعندما تحدث عن قصه اسماعيل واثبات الصله بين اليهود والعرب وبين الاسلام واليهود والقران والتوراه كان يريدأن يقول أن ظهور الاسلام وماكان فيه من خصومه بينه وبين وثنيه العرب كان اقتضى على المؤرخين أن يثبتوا الصله بين الاسلام وبين ديانتى النصارى واليهود ومع ثبوت الصله الدينيه يحسن أن تؤيدها صله ماديه.. ثم يحدد بوضوح معالم منهجه فى التفكير .. فهو يشير صراحه إلى هدف اسلامى يؤيده الشعر الجاهلى سلفا , والحقيقه انه ليس جاهليا بل صيغ فى صدر الاسلام ليبرر الهدف الاسلامى جليا.. ويبين هذا الهدف فى قضيتين الاولى قضيه نسب الرسول ص والثانيه قضيه دين ابراهيم .. وفى الاولى انه لامر ما اقتنع الناس أن النبى يجب أن يكون من صفوه العرب وأن العرب صفوه الانسانيه كلها ,والقضيه الثانيه يقول ( انه قد شاعت فى العرب اثناء ظهور الاسلام وبعده أن الاسلام كان على نحو من الانحاء هو دين ابراهيم نفسه أو يجدده لان دين ابراهيم كان دين العرب فى أحد العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها المضلون وانصرفت إلى عباده الاوثان).

ولم يكن طه حسين فى هذا الطرح مستهينا بقدر الرسول أو الاسلام .. بل وكان فى استطاعته أن يستشهد بعشرات الايات والاحاديث التى تؤكد على أن الرسول كان بشر مثلنا يوحى اليه  ولا فضل لانسان على انسان الا بالتقوى.. كان يستطيع لكنه لم يفعل فهو كان يريد أن يثبت أن التاريخ الذى ينحرف به خيال البعض أو مصالحهم لاثبات الحاضر الذى قد لا يحتاج إلى هذا الاثبات المزيف وأضاف شئ أخر وهو محور الشعور العرقى والعنصرى والتعصب الدينى .. فعظمه الرسول برسالته وليس بنسبه , وعظمه الرساله بسموها وليس بقوميتها , وعظمه الاثنين ليس بأولويه دين على بقيه الاديان.

ولنر الان ماذا جرى مع د طه حسين فى التحقيق ؟
دار الحوار على شكل سؤال وجواب بين النائب ود طه حسين استخلص منه النائب بعده نقط هى

1- المؤلف قد تورط فى هذا الموقف الذى لا صله بينه وبين العلم بغير ضروره يقتضيها بحثه ولا فائده يرجوها لان النتيجه التى وصل اليها ما كانت تستدعى التشكك فى صحه اخبار القران عن ابراهيم واسماعيل.. ونحن لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين والعلم وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذى هو بطبيعته قابل للتغيير والنقض والشك والانكار

2- المؤلف لم يتعرض لمسأله القراءات من حيث انها منزله أوغير منزله وانما قال كثرت القراءات وتعددت اللهجات وقال ان الخلاف الذى وقع تقتضيه ضروره اختلاف اللهجات بين القبائل التى لم تستطع أن تغير حناجرها والسنتها .. فهو هنا يصف الواقع, ونحن نرى أن ما ذكره المؤلف فى هذه المسأله بحث علمى لا يتعارض بينه وبين الدين ولا اعتراض لنا عليه.

3- كل ما نلاحظه عليه انه تكلم فيما يختص بأسره النبى ص ونسبه فى قريش بعباره خاليه من كل احترام وبشكل غير لائق ولا يوجد فى بحثه ما يدعوه لايراد هذه العباره علىهذا النحو ,أما قضيه الاسلام ودين ابراهيم فنحن لا نرى اعتراضا على أن يكون مراده فى هذه المسأله هو ما ذكره لكننا نرى أنه سئ التعبير جدا

4- انكر المؤلف انه يريد الطعن على الدين الاسلامى , وقال انه ذكر ما ذكر فى سبيل البحث العلمى وخدمه العلم فقط لاغير , غير مقيد بشئ .. وهو وان كان قد أخطأ فيما كتب الا ان الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شئ وتعمد الخطأ بنيه التعدى شئ أخر

5- ان للمؤلف فضلا لاينكر فى سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين , لكن لشده تأثر نفسه مما أخذ فى حاجه إلى اثبات انه حق .. انه قد سلك طريقا مظلما فكان بغير احتياط فكانت النتيجه غير محموده .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in احمد ابراهيم and tagged , . Bookmark the permalink.