متي يصير المصريون المسيحيون مواطنين ؟

رفعت عوض الله رفعت

 في مقال سابق ، رأيت انه لا وطن للمصريين المسيحيين . وفي مقال اسبق تساءلت  ” هل المصريون المسيحيون مواطنين ؟” ، وكان دافعي الي كتابة المقالين المُشار إليهما  قراءة  للواقع المصري  ،خلصت منها بنتيجة مرة تقول ان الدولة المصرية ، بل والمجتمع المصري خصوصا في الريف والقري المصرية لا تعتبر المصريين المسيحيين مواطنين متساوين مع المصريين المسلمين .

 

هذه النتيجة التي خلصت  إليها مقدماتها بدأت مع ثورة 23 يوليو 1952 ، تلك الثورة التي كانت بمثابة انقلاب علي الفترة شبه الحداثية ، شبه الليبرالية ،التي عبدت بدايتها ثورة 1919 بشعارها الخالد الحداثي ” الدين لله والوطن للجميع” ، والتي تبلورت في دستور عصري حداثي يؤسس لمدنية الدولة . حجر الزاوية فيه تساوي المواطنين امام القانون ،وإقرار حقوق المواطنة  ” دستور 1923″. فكان ان شارك المصريون المسيحيون ، بل والمصريون اليهود في المجال العام بوصفهم مواطنين مصريين  .

 

ولكن هذه الفترة المجيدة رغم عوامل النقص والتشوه والعوار التي شابتها لم تدم طويلا ، اذ وضع ضباط يوليو 1952نهاية لها .

 

حركة يوليو 1952 لم تكن حركة اصلاحية في إطار قيم التعددية الديمقراطية التي انعكست في الاحزاب السياسية ، ولكنها كانت انقلابا شاملا وتوجها اخر مناقض لما كان قبل يوليو 52 . فأولئك الضباط لم يكن لديهم ايمانا بقيم الحداثة النابعة من الحضارة الغربية ، اي لم يكن لديهم إيمان وأعتبار للديمقراطية ، وحقوق الانسان. كل الذي رأوه في الغرب انه استعمار وأحتلال وأهدار  للكرامة الوطنية واستغلال لثروات البلاد .

 

نعم ان للغرب وجه استعماري بغيض ،ولكنه  في ذات الوقت مصدر ومنشأ قيم حضارة العصر الحديث من ديمقراطية التي تعني إتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في إدارة الشأن العام ، ومن لبرالية التي تعلي من شأن الفرد وتركز علي حريته وحقوقه الفردية ، فتحميه من تغول وطغيان المجتمع والجماعة ،ومن حقوق للانسان في الكرامة والعمل والتعليم ،وحقه في ان يُعامل علي قدم المساواة مع الاخريين بغض النظر عن الدين والعرق والجنس ، فتحمي الاقليات من طغيان الاكثرية .

ولكن مفجري ثورة يوليو 52 لم يلقوا بالا الي هذا الوجه الناصع  ،ولم يلتفتوا إليه ، قل لم يدركوه او يستوعبوه . فكان ان أمروا بحل الاحزاب السياسية . ومما يلفت النظر انهم أبقوا علي تنظيم جماعة الاخوان المسلمين الذين كانوا علي صلة به وبقياداته  ، وكان قرار حل الاحزاب بداية تكريس حكم الفرد الاستبدادي الذي اقرته ثورة يوليو 52 .

 

العداء للغرب الاستعماري نتج عنه نظرة شك وريبة في ولاء المصريين المسيحيين الوطني علي أساس انهم يشاركون الغرب نفس العقيدة الدينية ، وهنا نلحظ تأثير جماعة الاخوان المسلمين الاصولية علي ضباط يوليو 52 ، فهم في مجملهم كانوا علي صلة يهذه الجماعة ، او كانوا اعضاءا بها في فترات سابقة  .. ماذا تعني هذه النظرة الي المصريين المسيحيين ؟ تعني ببساطة نكوصا وردة عن ميراث ومكتسبات ثوررة 1919 الحضارية ، وعن مفهوم المواطنة  والعودة الي تمييز المواطنين علي أساس من الدين .

 

 

والفرق بين الحكم الفردي المستبد والحكم  بآليات الديمقراطية  ، ان الاول يبيح للحاكم ان يغير وجهة الحكم والسياسة ، فيقرر سياسات من وحي رؤيته الخاصة ،ويفرضها فرضا وقسرا وجبراعلي الدولة والمجتمع .. في حين ان الحكم الديمقراطي يغلق الباب امام اهواء ورغبات ورؤية الحاكم الخاصة ، فهناك نواب حقيقيين للشعب يراقبون الحاكم ويحاسبونه ، فلا يستطيع إلا ان ينفذ ما يريده الشعب من خلال ممثليه .

 

وهكذا اراد عبد الناصر لمصر ان تكون اشتراكية ،وان تسير في ركب القومية والوحدة العربية، ومعاداة الغرب الاستعماري .

 

وهكذا اراد السادات بدوره لمصر ان تكون يمينية اسلامية ، ففتح المعتقلات ليخرج الاخوان المسلمون فيهيمنوا شيئا فشيئا علي المجال العام المصري ، ويصبغوا الدولة والمجتمع بصبغة اسلامية واضحة  ، ماذا يعني هذا ؟ يعني تقليص مفهوم المواطنة ، يعني أن لا تساوي بين المصري المسلم والمصري المسيحي ، يعني انسحاب المصريين المسيحيين من المشاركة في الشأن العام ، وتقوقعهم علي أنفسهم وداخل جدران الكنيسة . يعني أيضا فتح النار علي المصريين المسيحيين والتعريض بهم وبعقائدهم في الاذاعة والتلفزيون والفضائيات الدينية والندوات والكتب التي تٌعرض علي الارصفة .

 

   كل هذا هيأ المناخ العام للنيل منهم ، فتعددت وتكررت حوادث الاعتداء علي كنائسهم ومتاجرهم وبيوتهم ، بل وارواحهم ، بدءا بحادث حرق كنيسة الحانكة 1972 وحتي الان .

 

  رحل السادات مقتولا بيد من أحسن إليهم ، وجاء مبارك الذي سار علي خطي سلفه ، فزادت سيطرة الاسلاميين علي الشارع المصري ، وزادت معاناة  المصريين المسيحيين ، وتعمق شعورهم بالغربة في وطنهم مصر  ، علي مستوي التحريض والتعريض بعقيدتهم ، وعلي مستوي حوادث الاعتداء والعدوان عليهم وعلي كنائسهم وبيوتهم وارواحهم .

 

   واليوم بعد ان آل الحكم إلي جماعة الاخوان المسلمين الاصولية ،ومصطلح اصولي يعني ضمن ما يعني اهدار حقوق الاخر المختلف دينيا علي قاعدة تكفير هذا الاخر ، مما يعني تجريده من حقوقه الانسانية  ، فالكافر ليس له حقوق ولكنه رهن احسان و تفضل وكرم المؤمنين !

 

  في هذا السياق نلاحظ تدرج  تدهور اوضاع واحوال ومكانة المصريين المسيحيين من فترة لاخري ، ومن حاكم لأخر  في إطار عدم إقرار مفهوم المواطنة ، واهدار حقوق الانسان ،والتفرقة والتمييز علي اساس الدين والعقيدة .

 

  وبعد…كيف نتصالح مع العصر ونعيش قيمه ؟ وكيف يصير المصريون المسيحيون مواطنين متساوين مع شركاءهم المصريين المسلمين؟، وكيف  نبعث الحياة في الشعار ” الدين لله والوطن للجميع ” الذي مات و دفُن منذ ان شرعنا في اسلمة المجال العام المصري ؟  ، هل من سبيل ؟

 

السبيل الوحيد هو بناء الدولة العلمانية ، وقد يقول قائل هل الدولة العلمانية ممكنة  ، وقد دانت امور الحكم للاسلام السياسي الذي يعمل بدأب علي تأسيس الدولة الدينية الاصولية في مصر ؟

 

  الدولة الدينية التي يبنيها الاخوان المسلمون في مصر الان ، دولة لاتنتمي للعصر الذي نعيشه  ، ولكنها تنتمي الي العصور الوسطي حين كان الدين هو حجر الزاوية في بناء الدول انذاك .

في المقابل فإن الدولة العلمانية هي دولة العصر ، اذ تقوم علي فض الاشتباك بين المطلق والنسبي ، وفصل الديني عن الدنيوي  ، وهي بهذا لا تتنكر للدين ، ولكنها تجل وتحترم الدين ، ولا تشترك في أثم أستغلاله وتوظيفه سياسيا واجتماعيا.

في الدولة العلمانية كل المواطنين سواء ومتساوين في الحقوق والواجبات ، اي اننا في ظل الدولة العلمانية نحقق مفهوم المواطنة . وهذا يعني انتفاء التمييزالديني او العرقي او الطائفي ، اي تحقيق مفهوم حقوق الانسان .

      يترتب علي هذا قيام الدولة بدوها في رعاية مصالح مواطنيها، هذا يتم من خلال إتاحة الفرصة امام كل فصيل ديني في حقه في إقامة شعائره الدينية ، وبناء دور العبادة الخاصة به بالقانون والتشريعات التي يقف امامها الجميع سواء .

ويترتب علي هذا ايضا ان يكون من حق الجميع ، بل من واجب الجميع المشاركة في المجال العام علي معيار الكفاءة والاهلية .

    يترتب علي هذا ايضا اعتبار العقيدة شأنا خاصا لا يجب الخوض فيه ، ولا يجوز التعريض ونقد عقائد الاخرين، فيعيش الجميع في سلام وود ويتشاركون في إدارة شؤون الوطن والمجتمع في تعاون وإخاء ومساواة … صدقوني العلمانية هي الحل .

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in رفعت عوض الله and tagged . Bookmark the permalink.