تحديد المسافة بين “اللهجة” و “اللغة”

بيومي قنديلبيومي

تطرقت الأستاذة “مديحة دوس”(بقسم اللغة الفرنسية.جامعة القاهرة) في مقالها على هذه الصفحة إلى موضوع العلاقة بين اللهجة و اللغة. و تساءلت في معرض حديثها: لماذا إذن نقول إن العامية لهجة و ليس لغة؟ و مضت تقول: و نعني بمصطلح اللهجة مجموعة من الاستخدامات اللغوية

 Parlers

تجمع فيما بينها صفات مشتركة في مجال الأصوات و نظام الصرف و النحو و المعجم، و عموماً ما تكون اللهجات مشتقة من أصلٍ مشترك.

 و هذا هو الحال بالنسبة للهجات العربية التي ترجع كلها إلى العربية القديمة.

    و لكن الأستاذة الفاضلة لم تمض أبعد من ذلك في سبيل بلورة هذه النقطة. و عوضاً عن ذلك أخذت تستظهر عدة فقرات، أجنح إلى القول بانتفاء قيام رابط قوي بينها، فضلاً عن انبتات صلتها بالسؤال الذي طرحته في صدر مقالها. و مثال ذلك الاشارة إلى دراسة رائدة لأستاذِ جليل بعنوان “مستويات اللغة العربية في مصر” و نظرية العالم اللغوي الأمريكي المشهور “نعوم تشومسكي” و النظريات التي نشأت كرد فعل لموقف “تشومسكي” المجرد.

   و لما كان السؤال الذي طرحته الأستاذة الفاضلة حول العلاقة بين اللهجة و اللغة سؤالاً ينطوي على قدر كبير من الأهمية، في تصورنا، فإننا نود أن نحاول الاقتراب، مجرد الاقتراب من موضوع هذه العلاقة بين اللهجة و اللغة.

   و إذا ما بدأنا بالمحاولة التي بذلتها الأستاذة الفاضلة نحو تعريف مصطلح اللهجة بأنها:”مجموعة من الاستخدامات اللغوية…(الفقرة المقتبسة أعلاه) فإننا نورى أن هذا التعريف ينطبق تمام الانطباق أيضاً على اللغة، و بالتالي فإنه يعجز عن تبيان الفرق أو الفروق بين هذه و تلك.

   و يتعيَّن علينا، تبعاً لذلك أن نهتدي، بادئ ذي بدء إلى المعيار الذي نستند إليه في محاولة التفريق بين صنف من “الاستخدامات اللغوية”، نقول عنه أنه لغة،

و صنف آخر من “الاستخدامات اللغوية” نحكم عليه بأنه “لهجة”. و في هذا الصدد، توصَّل اللغويون المحدثون إلى أن هذا المعيار هو الـ

“mutual intelligibility،

أي مدى مقبولية التفاهم”، أي مدى قدرة الانسان الذي ينتمي إلى هذه الدائرة من دوائر التفاهم على فهم إنسانٍ آخر ينتمي إلى دائرة أخرى. و كلما قلَّت درجة المقبولية بعُد مركز الدائرة حتى إذا انعدمت هذه المقبولية نكون عندئذٍ قد غادرنا نطاق دائرة الاختلاف اللهجوي إلى دائرة الاختلاف اللغوي. و تمثيلاً لما ورد على مستوى النظر، نقول أن أبناء اللهجة الصعيدية يستطيعون أن يتفاهموا مع أبناء اللهجة المصراوية (نسبة إلى مصر العاصمة) بدرجة تزيد أو تقل من الوضوح. و لكننا إذا ما واصلنا الابتعاد ـ و لا نقصد بطبيعة الحال الابتعاد الجغرافي و حسب ـ حتى نصل إلى درجة انعدام مقبولية التفاهم بين أبناء دائرة اللهجة الصعيدية و أبناء دائرة أخرى كالنوبية مثلاً ـ نكون بذلك قد غادرنا الدائرة اللهجوية داخل نطاق الدائرة اللغوية الواحدة و انتقلنا إلى دائرة لغوية أخرى هي اللغة النوبية على سبيل المثال. لكن درجة مقبولية التفاهم ليست واحدة داخل نطاق كل لهجة على حدة أيضاً فالجرجاويون يختلفون في “استخدماتهم اللغوية” عن الأسايطة و هؤلاء و أولئك عن القناوية.

   و لقد لاحظ (الحر الفقير) وجود اختلافات لهجوية في الاستخدامات اللغوية” داخل نطاق مديرية المنوفية بين قريتين متجاورتين هما قرية سرس (مدينة حالياً) و بين كفر “شبرا”. و هي اختلافات تشمل الصوتيات، حيث يميل الشبراويون إلى استعمال الـ

 front a

 في المواضع التي يستخدم فيها السرساويون الـ

back a

و هذا واضح في طريق نطق هؤلاء و أولئك ليوم “الأربع” و هو يوم السوق الأسبوعي عندهم، أي نطق هؤلاء للألف مفخمة و أولئك لها مرققة، كما كان يقول اللغويون العرب القدماء. كما يميل الشبراويون إلى إلى حذف الراء السابقة على “النون” الذي نعرفه في النوبي جرن/ جن، فرن / فن إلخ. كما تشمل أيضاً مجال الدلالات

Semantics

إذ يُطلق السرساويون على القناة الرئيسية في الغيط لفظ “التركيب” و يُسمون الساقية “الكباس” بينما يدعوها الشبراويون “الحلوفة”. و يُسمي السرساويون الترعة التي تمر بينهم و بين الشبراويين “الطريحة” بينما يُسميها الشبراويون “البحر”. كما لاحظ الباحث الشاب أن الدائرة اللهجوية لـ”سرس الليان” تنطوي على اختلافات دقيقة فالناحية القبلية تختلف عن الناحية البحيرية في نطق بعض الصوائت و في نسق التنبير

:stress،

و نفس الأمر ينطبق أيضاً على دائرة الشبراويين إذ لاحظ أن أهل الناحية التي لا يفصلها عن باقي الكفر الصغير(أقل من عشرة آلاف نفس) سوى شارع ضيق يميلون إلى مط أي تطويل بعض الصوائيت متأثرين في ذلك بدائرة لهجوية أخرى مجاورة هي دائرة “الزاوية“.

   و هذا الأمر ليس مقصوراً على مصر بطبيعة الحال. و لعلنا نعرف الاختلافات الواصحة بين اللهجة البريطانية و تلك الأمريكية في اللغة الانجليزية. و داخل نطاق اللهجة البريطانية نجد لهجات “ويلز” و اسكتلندا، بل و لهجة العاصمة “لندن” التي تسمى بـ “الكوكني

“Cockney.

كما نجد داخل اللهجة الأمريكية فروقاً لهجوية-فرعية بارزة بين لهجة أهالي “بوسطن” و لهجة أهالي “كاليفورنيا”. و كذلك الأمر بين لهجة  باريس عاصمة فرنسا التي أصبحت بمثابة اللغة الفرنسية المقبولة

standard

و لهجات “مارسيليا” و” ليون” و “جرينوبل” في الجنوب.

    و عندئذٍ يجدر بنا أن نشير إلى مصطلح اللغوة

 ideolect،

أي تلك “الاستخدامات اللغوية”، التي يختص بها كل فرد بمفرده. فاللغة كالبصمة عامة و متفردة: يحوزها كل البشر و يستقلون في نفس الوقت، كلٌ منهم بشكلٍ خاص أو صورة خاصة لها. و لعل هذا هو السر في أننا نعرف أصدقاءنا على خط التليفون دون أن نراهم و قبل أن ينطقوا بأسمائهم.

   و في ضوء ذلك نستطيع أن نرى الخريطة اللغوية لمصر، فنستطيع أن نميِّز دوائر لهجوية تتداخل و تتباعد لكنها تظل لهجات داخل نطاق دائرة لغوية واحدة.

    و لكن هل نستطيع أن نُسمي هذه الدائرة اللغوية بأنها لغة أم نظل عند التوصيف الشائع عنها بين المتخصصين و غير المتخصصين على حدٍ سواء بأنها لهجة من لهجات العربية الفصحى؟

   هذا سؤال ينبغي أن يكون محل درس طويل و نظرٍ عميق و أن يطرقه الباحثون اللغويون بما يفرضه منهج العلم من تجرد واجب من العواطف التي تقيِّد حدود العقل و تحجم آفاق الخيال

الاهرام في15 سبتمبر 1999

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا and tagged . Bookmark the permalink.