الكتيبة 105

محمد الدويكمحمد الدويك

إنها كل شيء بالنسبة لي .. لا أذكر شيئا من حياتي قبلها .. كنت طفلا في التاسعة حينما هاجم المرتزقة بيتي وأخذوني لأحمل السلاح .. مدفعي الكلاشينكوف هو أقرب صديق لي منذ عشرين سنة (uk47) الأخف وزنا والأكثر كفاءة, وبشيء من الدقة يتحول إلى بندقية قناصة.

القائد يثق بي ويجعلني ضمن طاقم حراسته. ولهذا قصة قديمة حدثت قبل خمس سنوات.. يومها كنت أقف في الصفوف الخلفية، لا يعلم عني أحد شيئا.. مجرد مراهق بائس خطفوه من أهله وحولوه إلى مقاتل بالصدفة. .كان القائد يمر بعربة جيب مكشوفة, ومن مكان خفي رأيت أحدهم يدفع بأجزاء سلاحه في وضع التأهب ويصوبه ناحية القائد, لم أفكر للحظة, ثبت ظهر المدفع في تجويف الكتف ونظرت في الناشينكان وجعلته بشكل عمودي مع جمجمة رأسه.. طلقتان متتاليتان لم تفلتاه إلا قتيلا.

توتر المشهد.. و هبط القائد وحوله عشرة من أفراد حراسته وتحققوا مما حدث واكتشفوا أني أحبطت محاولة اغتيال مؤكدة.

وتطايرت الأنباء أن الرئيس النميري هو المتورط في الحدث.

منذ الحين وصرت ضمن ثلاثة يصاحبون القائد حتى في غرفة نومه أثناء علاقاته النسائية.

أختلس النظر أحيانا.. طريقته في الحب تتكامل مع طريقته في الحرب. ولكنه يحترم العاهرات أكثر.

في الصباح شعرت أن ثمة شيء مهم يحدث .. استعدادات أمنية مكثفة. مراجعة كافة الاتصالات اللاسلكية وتغيير الشفرة عدة مرات. نصب مدافع أرضية مضادة للطائرات .. احضار نبيذ فاخر.

في النهاية علمت أن العقيد جون قرنق قادم.

وكان الاستقبال حافلا.. فتلك هي المرة الأولى التي يزورنا فيها العقيد خاصة بعد أن أعلنت الكتيبة التمرد وظلت في الأحراش

سمعت أن هناك عملية كبرى ستتم بالتعاون مع المخابرات المركزية, ولكنهم يحتاجون الى كوادر للتنفيذ .. العملية تتمثل في تهجير قبائل الفلاشا الى اسرائيل. قال العقيد قرنق الى القائد : أريد خمسين رجلا بأسلحة حديثة لإتمام الأمر.

نظر القائد لي وقال : هل تستطيع تولي تلك المهمة ؟؟ أجبت بكلمات قوية : أستطيع سيدي .

وبالفعل اخترت خمسين رجلا من أكفأ مقاتلي الكتيبة وتوجهنا مع العقيد قرنق الى منطقة شرق السودان حيث تجمعات الفلاشا.

مجموعة من الأسر البائسة التي وقع عليها الظلم والتي هي ضحية اقتتال داخلي لا ينتهي في السودان.. كانت الخطة تتمثل في نقلهم الى مطار مهجور في منطقة العزازا حيث تنتظر طائرة عسكرية أمريكية تحملهم الى قاعدة عسكرية اسرائيلية بصحراء النقب.

أحيانا أسأل نفسي من أكون ؟ ماذا أفعل ؟ لماذا وظيفتي أن أتلقى تعليمات بالقتل فأحمل سلاحي وأذهب لأقتل وأعود وكأنها رحلة. لماذا لا أخشى الموت، رغم أني أتوقعه كل مرة.

لا بأس الخمر الرخيص سيتكفل بمعالجة المسألة .

مشيت وسط الأسر ورأيت فتاة تجلس على الأرض وتحمل طفلا في حجرها, وتضع اصبعها في فمه كي تقنعه بالرضاع .. لاحظت الفتاة أني مقبل عليها فخافت .. قلت : لا تقلقي نحن هنا لتأمينكم. نظرت لي ولم تجب . قلت : لماذا لا ترضعي الطفل ؟ اصبعك الملوث قد يتسبب في قتله .. لم تجب .. قلت لها هل انت بكماء ؟؟

فجأة صرخت في وجهي : ولماذا يعيش ؟؟ هل لكي يكرر مأساة أخرى ؟؟ ما فائدة الحياة هنا ؟؟ لقد جف اللبن في ثديي من قلة الطعام , وأبوه قتلوه وهو لا زال في بطني , وأبي اتهمني بالدعارة فطردني من الأسرة .. إنه لا يعلم أن الرجال لم تعد تقدر على المعاشرة .. من يمارس الدعارة حقا .. أنا أم الرئيس النميري، أم السودان ؟؟

تركت المرأة وعدت الى نقطة تمركز الوحدة. الكل قد نام. جلست وخلعت السلسلة التي ارتديها في رقبتي .. دوما أحمل رصاصة معلقة في تلك السلسلة حتى لو نفدت ذخيرتي وأيقنت من الأسر استخدمها كي أقتل نفسي .. ظللت أداعب الرصاصة وأتذكر كلمات المرأة .. وصداها يتردد في أذني .. من يمارس الدعارة حقا !!

Print Friendly
This entry was posted in محمد الدويك and tagged . Bookmark the permalink.