الإسلام السياسي المعتدل

جيمس إيف. جيفري، سونر چاجاپتاي ardogan veil

أصبحت تركيا ديمقراطية متعددة الأحزاب بكل ما تحمله الكلمة من معنى في عام 1950، ومنذ ذلك الحين تجري انتخابات حرة ونزيهة. وعندما لا تحسب السنوات الأربع في ظل قيادة الجيش عقب الانقلابات، فإن هذا يعني أن «حزب العدالة والتنمية» حكم تركيا فعلياً لما يقرب من ربع تاريخ الدولة الديمقراطي، وبذلك أصبح أطول حزب حاكم في تاريخ الجمهورية التركية.

ومنذ مجيئه إلى السلطة في عام 2002، لم يتمكن فقط «حزب العدالة والتنمية» من إدارة حكومة هي الأطول في تاريخ البلاد، بل عزز أيضاً من شعبيته على طول الطريق. فقد فاز بثلاث انتخابات متعاقبة، حصل فيها كل مرة على دعم أكبر؛ وفي الانتخابات الأخيرة التي أجريت في 2011 حصل الحزب على ما يقرب من 50% من الأصوات. وقد منحت تلك النجاحات هيمنة كاملة تقريباً للحزب على الميدان السياسي التركي من خلال التعيينات في المحاكم العليا والجيش والنظام البيروقراطي، إلى جانب النفوذ المتزايد على الإعلام ومنظمات المجتمع المدني ومجتمع الأعمال.

ونظراً لأن أصول «حزب العدالة والتنمية» ضاربة بجذورها في المعارضة الإسلامية، فإن السؤال الذي غالباً ما يظهر على السطح يتعلق بما إذا كان الحزب سيستخدم صلاحياته المهيمنة لأسلمة الدولة، وتحويلها إلى دولة تطبق الشريعة الإسلامية. ويشير العديد من خصوم «حزب العدالة والتنمية» العلمانيين إلى السياسات الثقافية للحزب، من ازدراء شرب المشروبات الكحولية إلى الترويج للتعليم الديني في المدارس، إلى الإشارة بأن تركيا تسير في الطريق إلى الأسلمة. وقد عمدت الحكومة مؤخراً إلى إقرار فصول دينية اختيارية لجميع الطلاب، بدءً من الصف الخامس كما أنها ضيقت الخناق على الحفلات التي تقام في حرم الكليات حيث يتم تقديم المشروبات الكحولية.

هل ستصبح تركيا دولة تطبق الشريعة الإسلامية؟

يرجح أن تكون الإجابة على هذا السؤال بـ “لا”، فسمات تركيا التاريخية والسياسية الفريدة تجعلها أرضاً غير خصبة لتطبيق الشريعة أو لظهور الإسلام الراديكالي.

وبداية، يلقى مفهوم الشريعة انتقاداً في تركيا منذ فترة طويلة؛ وكان لهذا الانتقاد أثره على نزع الشرعية عن فكرة الشريعة، حتى بين مسلمي تركيا الأكثر التزاماً بالدين. ويتناول أستاذ العلوم السياسية والخبير في شؤون الإسلام التركي هاكان يافوز هذه المسألة بمزيد من التفصيل في مقال بعنوان “الإسلام الأخلاقي، وليس الشريعة: مناظرات إسلامية في تركيا”. وبفضل حركة “التغريب” التي أثمرت عن قيام الشباب الأتراك وأتاتورك (الذي خلال فترة حكمه أصبحت “الشريعة” كلمة قذرة في تركيا)، أصبحت الإشارات إلى هذا النوع من الحكومات الإسلامية مثقلة بإيحاءات حول “الرجعية والتخلف والتعصب”. واليوم، فإن المحكمة الدستورية التركية “تربط الشريعة بأسلوب حياة ديني ورجعي”.

إن ذلك يميز تركيا عن جيرانها في الشرق الأوسط مثل مصر، حيث تنازلت جميع الأطراف، بما في ذلك العلمانيين، اسمياً أمام الشريعة كمبدأ دستوري. ويتعذر فهم تبني هذا الوضع في تركيا. وعلى النقيض من ذلك، ووفقاً ليافوز “تحمل الشريعة في تركيا معنى تحقيري إلى حد كبير”. وفي السياق التركي، لا تدور الأسلمة حول فكرة الشريعة، وإنما حول الإسلام الأخلاقي. فالإسلام هو من دلالات الشخصية. ومن الناحية الجوهرية، بما أن استنساخ النموذج الغربي في تركيا قد تأصل أثناء حكم الإمبراطورية العثمانية، فإن الأتراك ببساطة لا يعمدون إلى “ممارسة” الجهاد أو التنافس على الراديكالية.

ومن ثم لا عجب أنه وفقاً لاستطلاع رأي أجراه “مشروع بيو لأبحاث الاتجاهات العالمية”، ففي الوقت الذي يدعم 82% من الباكستانيين والمصريين تطبيق العقوبات الصارمة التي فرضتها تأويلات الشريعة الإسلامية، فإن 16% فقط من الأتراك ينظرون إلى هذه التدابير بشكل مواتٍ. وما هو أكثر من ذلك، أن هذه النسبة لم تزداد منذ مجيء «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في عام 2002.

والعائق الثاني أمام تطبيق الشريعة هو الطابع الغربي القائم والمؤسسي، الذي يمثل سمة تنفرد بها تركيا بين جيرانها المسلمين في الشرق الأوسط. وتتسم تركيا في مجملها بطابع غربي لدرجة أن «حزب العدالة والتنمية» نفسه والنخبة الإسلامية الصاعدة لا يستطيعون الهروب من براثن النمط الغربي. وبدءً من دور المرأة في المجتمع وحتى عضوية البلاد في حلف شمال الأطلسي، فإن إرث تركيا الغربي لا يحتاج إلى تبيان. على سبيل المثال، وبغض النظر عن درجة أسلمة تركيا، سوف يستحيل إقصاء المرأة عن العمل العام. إن مشاركة المرأة في الحياة العامة، المتأصلة بقوة في تركيا العلمانية القديمة، هي أيضاً علامة لتركيا الحديثة. فلننظر إلى سيدتها الأولى، خير النساء غول، زوجة الرئيس التركي عبد الله غول وعضوة سابقة في «حزب العدالة والتنمية»: إنها سيدة ذات حضور عام واسع، ولها مبادراتها السياسية الخاصة.

وربما يكون الأهم من ذلك أن اعتناق تركيا للاقتصاديات الليبرالية هو الذي دفع «حزب العدالة والتنمية» إلى القمة في المقام الأول. ويستند قدر كبير من النفوذ التركي في العالم الإسلامي إلى نجاحها في العالم الغربي اقتصادياً وسياسياً، إلى جانب الوجه المختلف نوعاً ما للسكان المسلمين الذي تنقله “قوة تركيا الناعمة”. ويجري نقل هذه السمات من خلال المسلسلات التركية، التي تجسد تركيا على أنها مجتمع حديث يتم فيه تمكين المرأة.

إن الطابع الغربي الهيكلي لتركيا — وصلاتها المؤسسية بالغرب واعتناقها للطرق الغربية — سوف يميزها أيضاً عن المجتمعات الأخرى ذات الغالبية المسلمة في المنطقة. ويصعب التخيل أن يكون تواجد “الناتو” محل ترحيب كبير في الدول الأخرى ذات الأغلبية المسلمة، ولكن في تركيا فحتى أكثر الإسلاميين المتشددين لديهم مبرراتهم لدعم تحالف “الناتو”، لأنه حمى تركيا ضد الشيوعية “الملحدة”.

وأخيراً وليس آخراً، فإن إرث تركيا من العلمانية الدستورية، وتلك سمة لا تشاركها فيها سوى تونس من بين الدول العربية وإرث كمال أتاتورك، سوف يحول دون أسلمة تركيا. وتصطبغ تركيا بصبغة علمانية قوية لدرجة أن قادتها الإسلاميين يفكرون بطريقة علمانية بغض النظر عن مقدار تأييدهم للدين. ففي العام الماضي، عندما هبط رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في صالة مطار القاهرة الجديدة (التي شيدتها شركات تركية)، لقي ترحيباً دافئاً من قبل ملايين من أعضاء «الإخوان المسلمين» الفرحين الذين احتشدوا للترحيب به. لكنه سرعان ما أغضب مضيفيه الأتقياء عندما خطب فيهم حول أهمية تشكيل حكومة علمانية توفر الحرية الدينية، باستخدامه كلمة laiklik التركية، المشتقة من كلمة laite — الكلمة الفرنسية للعلمانية. وهذا المصطلح يترجم بشكل فضفاض إلى اللغة العربية بمعنى “غير ديني”. وربما تكون رسالة أردوغان قد فقدت جوهرها جزئياً خلال الترجمة، لكن الحادث يظهر الاختلاف الصارخ في طريقة التفكير رغم نشأة أردوغان كناشط إسلامي في تركيا.

العواقب غير المقصودة

يشير كل ذلك إلى أن التاريخ سوف يحد من أسلمة تركيا، حيث جعل من مفهوم الشريعة أمراً بغيضاً. بيد أنه لا يزال هناك تهديد يلوح في الأفق بالنسبة لتركيا ألا وهو: الصراع في سوريا.

فمنذ خريف 2011، عندما بدأت أنقرة مواجهة نظام الأسد ودعم الثوار، استخدمت تركيا وسائل شتى لتقويض الأسد. ولتحقيق هذه الغاية، سمحت أنقرة للمقاتلين الأجانب، ومن بينهم الجهاديين، بالدخول إلى سوريا في محاولة لإضعاف نظام الأسد. إن ذلك يشكل خطراً داهماً على البلاد. ولا شك أن الجهاديين الذين ينتقلون عبر تركيا سوف يتركون بصمتهم من خلال إنشاء روابط وشبكات شخصية، وتحسين مهاراتهم اللوجستية (على سبيل المثال عن طريق فتح حسابات مصرفية بأسماء مستعارة لتمويل العمليات المستقبلية المحتملة أو الحصول على أجهزة اتصالات آمنة)، وإقناع الناس بالتحول إلى ديانة أخرى والتجنيد.

وليس هناك ضمان بأن هؤلاء الجهاديين لن يستهدفوا تركيا يوماً ما. فـ «القاعدة» كانت قد هاجمت  تركيا في عام 2005، كما أن الشرطة التركية قد كشفت مؤخراً مؤامرة لـ تنظيم «القاعدة» تهدف إلى اغتيال عدد من الشخصيات التركية العامة البارزة. ومع كثرة عدد الجهاديين المسافرين عبر تركيا ومعرفتهم بنقاط ضعف المؤسسة الأمنية التركية، فإن أنقرة معرضة لخطر حقيقي: وقد تستطيع «القاعدة» أن تعض اليد التركية التي تسمح لها الآن بالدخول إلى سوريا.

عندما استفسر أحد كاتبي هذا المقال من المسؤولين الأتراك إن كان يخالجهم القلق من نفوذ الجهاديين في سوريا المجاورة، أجابوا قائلين “يعلم مسؤولو الأمن الأتراك، مَن هم هؤلاء الجهاديين وسوف يتعاملون معهم وفقاً لذلك بعد سقوط نظام الأسد”. وقد تكون هذه مهمة شاقة بالنسبة لأنقرة. إن  الجانب الآخر من عدم وجود مشكلة جهادية داخلية في تركيا هو أن المسؤولين الأتراك لديهم خبرة قليلة في التعامل مع الجماعات الجهادية. وبعبارة أخرى، بينما تعتقد أنقرة أنها تستغل الجهاديين، ففي الواقع يستطيع الجهاديون استغلال تركيا. ونظراً لحقيقة أن الحدود التركية- السورية أصبحت مخترقة بشكل متزايد منذ عام 2011، قد تجد تركيا نفسها تواجه مشكلة جهادية على الحدود التي تشاركها مع سوريا، حيث حقق المنتسبون إلى تنظيم «القاعدة» مكاسب هائلة خلال الشهور الأخيرة. ومع ذلك، قد تقع تركيا من دون قصد في براثن «القاعدة» في سوريا عقب سقوط نظام الأسد.

إن الأمم عرضة للتغيير، الذي قد يحدث أحياناً بسرعة وبشكل مثير. لذلك، فبطبيعة الحال إن أي استنتاجات واسعة النطاق بشأن مصير تركيا تكون مصحوبة بحذر بالغ. غير أن مزج تركيا الفريد بين العالم الإسلامي والنفوذ الغربي يرجح أن يكون بمثابة بوصلة للمستقبل، بغض النظر عن وقوع تغييرات محددة في اتجاه أو آخر. وهذا المزج متجذر لدى كل من الأفراد والمؤسسات، ويثمر نتائج قابلة للقياس. وعلى العكس من ذلك، فإن تركيا التي تدير ظهرها لأي من مصادر شخصيتها الوطنية الرئيسية سوف تفتح الباب أمام الشقاق الداخلي، وتفقد جاذبيتها للعالم الصناعي ولجيرانها الشرق أوسطيين، وتواجه صعوبات في الحفاظ على تطورها السياسي الاجتماعي غير العادي وصعودها الاقتصادي ونجاحها الدبلوماسي.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية and tagged , , . Bookmark the permalink.