على الطريقة المصرية

محمد الدويكمحمد الدويك

يا راجل دا احنا واكلين مع بعض عيش وملح”.. جملة يرددها المصريون لإثبات قوة العلاقة الانسانية التي تربطهم.. أن تجلسا لتتناولا الطعام على مائدة واحدة من طبق واحد، هو دليل الأمان والرفقة.. لذلك تجد أحد أسباب تشديد العقوبة في القانون الجنائي، أن يكون القتل بالسم واقع من قبل الخدم.. لأن من يقدم لنا الطعام يقدم لنا الحياة، وأحيانا الموت.

في ظل الخلافات بين المسلمين واليهود في المدينة، أو بينهم وبين نصارى الشام على تخوم الغساسنة، نزلت الآيات لتؤكد على أكبر مظاهر الترابط االجتماعي وإحداث المودة :

(وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . وطعامكم حل لهم.)

وقال النويري في نهاية الأرب، أن آخر ما تكلم به الرسول مقالته: “احفظوني في ذمتي.”

ليكون النزاع أمر استثنائي طارئ،  بينما المودة والمشاركة الاجتماعية وتناول الطعام، عبر أكثر من دين، هو العمر.

لم يرد الإسلام فصلا عنصريا في المجتمعات المسلمة بين المسلمين والكتابيين.. بل جعل الكل يجتمع على مائدة طعام واحدة.. ويالها من لفتة.

يروي يحيى بن سعد الأنطاكي في تاريخه، أن أهل الكتاب في مصر، كانوا يحتفلون بأعيادهم التي شاركهم المسلمون فيها، فقد أقبل المصريون على الاحتفال بعيد الغطاس على اختلاف الملل والمذاهب.  يدعم ذلك ما ذكره المقريزي في الخطط جـ 1، أنه عام 330 هـ شارك الخليفة الإخشيدي، محمد بن طغج، في الاحتفال بعيد الغطاس الذي كان احتفالا رائعا على صفحة النهر، وعلى شاطئيه شارك المصريون جميعا بغض النظر عن ديانتهم

يقول ابن الحاج في كتابه ”المدخل إلى الشرع الحنيف”، أنه كان لأهل الذمة أثرا واضحا في عادات المجتمع المصري.

حيث أن بعض نساء المسلمين اعتدن عدم شراء السمك أو أكله يوم السبت احتراما لليهود.. كذلك عدم دخول الحمام أو شراء الصابون في ذلك اليوم تأثرا ببعض العادات اليهودية المتعلقة بحرمة يوم السبت. كما ظهر تأثرهن بالعادات المسيحية في عدم الاشتغال بشيء ليلة الأحد.

ويكمل ابن الحاج، أنه في أعياد ومواسم أهل الذمة جرت عادة الناس على أن يصنعوا أطعمة بعينها، يتهادون فيما بينهم، كما كانت بعض المدارس تغلق أبوابها في تلك المواسم وتعطل فهيا الدروس.

كذلك شارك المسلمون في بعض الاحتفالات ذات الشكل الديني لدى أهل الذمة، مثل عيد الميلاد، الذي كان المصريون يصنعون فيه نوعا من العصيدة ويزعمون أن من يأكلها يتقي البرد طوال العام.

وارتبطت بعض الأطعمة والحلوى بعيد النيروز حتى أصبحت من ضروريات ذلك اليوم.. ومن هذه الأطعمة الزلابية والهريسة، وكان الناس يتهادون بها، كما جرت العادة بأكل بعض الفاكهة مثل البطيخ والخوخ.

وفي خميس العهد أو “خميس العدس” كما درج الناس على تسميته أنذاك من باب الدعابة،  كان النصارى يهدون إلى المسلمين أنواع العدس المصفى والسمك المقلي والبيض الملون.. وكان من عادة بعض النسوة الخروج في ذلك اليوم إلى الأسواق لشراء الخواتم والبخور الذي يزعمون أنه يصرف العين والكسل.

وفي عيد الغطاس كان بعض المسلمين يشاركون المسيحين عادة غمس أولادهم في الماء، رغم شدة البرودة، بسبب ما اعتقدوه من أن ذلك يقيهم المرض في حياتهم.

ولكن احتفالات ذلك العيد تواضعت بسبب الأزمات الاقتصادية التي رزحت البلاد تحت عبثها في منتصف القرن الثامن الهجري

وجاء في بدائع الزهور جـ1 لابن إياس، أنه إذا تأخر فيضان النيل أو انخفضت مياه النهر، كان كل المصريين من اليهود والمسلمين والمسيحين يخرجون يحملون كتابهم المقدس لصلاة الاستسقاء في الصحراء يبتهلون إلى الله أن يجري مياه النهر.

(أهل الذمة في مصر من الفتح الإسلامي حتى نهاية المماليك – قاسم عبده قاسم – دراسة وثائقية)

المصريون لديهم بوصلة حساسة تجاه الأديان، ولديهم مقدرة على الانتقال السلس عبر أكثر من دين دون صراعات كبرى.. وتلك الديناميكية جعلت لهم فهما عميقا لطبيعة الدين.. الدين عمل إلاهي، بينما تطبيقه وفهمه وإنزاله على الحياة أمر انساني محض. وصياغة المصريين للدين كانت دوما مؤثرة.

بنو اسرائيل جعلوا اليهودية نارا فقط ولم يكن فيها جنة.. وآمن المصريون باليهودية فأضافوا لها جنة.. وعندما تحولوا إلى المسيحية وتعرضوا للظلم من قبل البيزنطيين أنشأوا فكرة الدير.. وهي فكرة لم تكن موجودة من قبل في الشريعة المسيحية.. معابد في الصحراء يحتمي بها رجال الدين بعيدا عن بطش السلطان.. يحفرون بئر ماء ويزرعون الأرض ويفرغون للطبيعة.

وعندما انتقلنا إلى الإسلام، انتقالا متدرجا عاصر أربعة قرون ، صار للقرآن نكهة خاصة عندما تلته حناجرهم التي غنت الألحان إلى جوار ضفاف النهر.. وكانت إحدى أهم القراءات هي قراءة ورش عن نافع “المصري” . حتى اشتهرت مقولة، نزل القرآن في مكة، وقرأه المصريون.

أفكار أخرى انتقلت من الثقافة إلى الدين، مثل السبوع والخميس والأربعين ومقامات الأولياء.

لازالت الدهشة تنتابني كلما تأملت قائمة سور القرآن لأجد سورة اسمها “الروم” وهي حضارة غربية مسيحية في المقام الأول، بينما لا توجد سورة اسمها “العرب” أو المسلمون“.

وتكون الآية العبقرية (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون .. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله). الله وصف انتصار المسيحية الغربية على الوثنية، أنه نصر لله، يفرح به المؤمنون ! يا إلاهي..

الله سمح أن تكون أم أولادك مسيحية.. والولد ينشأ على حب أمه واحترام شعائرها وودها في عيدها.. بل وزيارة خاله وخالته وجده وجدته المسيحيين.. ومن الوارد أن يموت الأب وتعود الأم إلى بيت أبيها تربي أبناءها المسلمين على دين أبيهم. تصلي ليسوع شطر بيت لحم، ويصلي أولادها لله العزيز الحكيم شطر البيت المحرم.

الذي لا ينتمي للأرض والثقافة والتاريخ، لن يعرف معنى الوطن، ولن يجد مبررا قويا للإبداع واحترام القانون والمشاركة في التنمية.. الثقافة تسبق السياسة، والوطن يسبق العلم، والإنسان مقدم على الدين.. كيف لا وقد سمح الله بكلمة الكفر حماية لروحه !

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد الدويك and tagged . Bookmark the permalink.