العين تسمع والأذن ترى

محمد حسين يونسمحمد حسين

في مكتبتي ثلاث موسوعات، لا غني لي عنها، لثلاث مثقفين (من ابناء زمن نهضة النصف الأول من القرن الماضي ) قدّموا رؤيتهم لمصرنا ( من زوايا مختلفة) بحب أصبح اليوم نادرا بين أبناءها إن لم يكن منعدما.

الموسوعة الاولي لعالم الآثار سليم حسن مكونة من ثمانية عشرَ جزءً في تاريخ مصر القديمة عرض فيها بجهد ودأب (في زمن لم يكن العلم قد تقدم بعد ) تفاصيل ما أنجزته حضارة الأجداد وينكره اليوم الصعاليك والحفاة من أقزام زمن الانحطاط الذى صاحب الغزوة الوهابية الثانية.

الموسوعة الثانية للدكتور جمال حمدان عن (شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان ) مكتوبة بتأني وفهم وعشق في أربعة آلاف صفحة عاش الدكتور من أجل إنجازها حياة متواضعة ( في زمن كان يسعي كل من يمتلك فيه موهبة او مهنة أو قدرة ان يستخدمها في الحصول علي اكبر قدر من الأموال والفوائد) واهبا عمره وجهده وثقافته دون مردود عيني مشهود إلا الأمل في أن يتعلم من يريد حقائق كثيرة عن تأثير الموقع الجغرافي الجزء الأول ،علي الاجتماع (الذى يتغير ببطء ثم ينتكس ليعود من حيث بدأ) في الجزء الثاني والاقتصاد (الذى يتوقف عند الدولة المركزية التي تحكمها وتتحكم فيها عصابة) في الجزء الثالث والسياسة (التي للأسف لاتتغير ملامحها منذ زمن الفراعنة حتي اليوم ) في الجزء الرابع.

الموسوعة الثالثة (العين تسمع والأذن ترى) في أربعة أجزاء (حوالي ألفي صفحة) لوزير الثقافة الوحيد الذى كان مثقفا دكتور ثروت عكاشة كنت أود أن أقدمها بصورها ورسومها التي جمعها المؤلف من كل متاحف الأرض فجاءت كسيمفونية حب وفهم وتقدير لمصريته والتي بسبب صراعات سياسية (دامت لصالح القومية العربية ثم الفكر الوهابي المنسحب من هويته المصرية) تم بعد ذلك تجاهلها ونسيانها.

في الجزء الاول من الموسوعة عن الفن المصرى يقدم لنا الوزير العاشق لبلده فنون تبدأ من حضارة البدارى ((6000 سنة قبل الميلاد )) حتي غزو العرب لمصر ((640 ميلادية )) عندما توقف نهرالإبداع الفني لتدخل مصر في غيبوبة ظلامية لا تتنبه منها إلا بعد ألف ومائتي سنة مع حكم (محمد علي) ومطلع القرن التاسع عشر.

ولست هنا بصدد الاستعراض لما قدمه المؤلف فلقد كتبه بشاعرية ولغة راقية ومنطق متماسك ودراسة وافية بحيث تصبح متعة لمن يرغب في الاستماع الي حديث اخر الرجال الموسوعيين الذين أنجبتهم مصر. ولكنني في سبيلي لاستعارة بعضا من رياحينه التي جاءت في باب ((الاسلوب المصرى )):-

(( للفن المصرى طابع متميز تكاد آثاره تنطق به وإن قصرت العبارات عن توضيحه وإننا لنحس من النظرة الاولي أن ثمة قانونا جامعا تندرج تحته فنون مصر كلها علي مدى الأجيال وأن تلك الفنون كانت تستلهم وحيا مشتركا وأنها من صنع يد واحدة لا أيدِ متعددة.
غير أن هذه الفنون المصرية التي تميزت في جملتها عن غيرها من فنون بلاد أخرى إختلفت بإختلاف مراحل التاريخ في العرض لا في الجوهر فكان لكل مرحلة نمطها الخاص الذى يوائم شيئا من تلك الحقبة الزمنية ظروفا وبيئة بما يضيفه الي الاسلوب المصرى العام أو يشكل فيه، بمعني أن هذا الأسلوب العام كان أشبه بالاطار الجامع يضم وحدات تتفق في عموميتها وإن إختلفت في خصوصيتها.

وبهذه الوحدة كان فن مصر خير وسيلة لجمع المشارب والميول بعدأن تم توحيد الوجهين وقيام سلطة حاكمة مركزية في حوالي نهاية الألف الرابعة وأوائل الألف الثالثة قبل الميلاد.
وكما عاش هذا الفن للتأليف بين الطبقات عاش لتمجيد رب البلاد ورفعه الي مرتبة الآلهة وجمع الناس علي إكباره والدينونة له.

ولم تكن هذه الوحدة وفعلها في النفوس ولا هذا الالتزام في الخطوط الأساسية الذى عاش قرونا طويلة هما كل ما كان للفن المصرى من معالم محددة بل كان ثمة إبداع عرفه الفن المصرى ألا وهو إبتكار قواعد ترسم بها الاشكال البشرية.

وإذ كان الفن المصرى فنا للناس جميعا يضفي علي كل طبقة ما لها لذا إضطر الفنان الي إستعمال أسلوبين مختلفين تمام الاختلاف نظرا لمكانة الشخص الذى يقوم بتمثيله نحتا أو تصويرا فالملك وهو سليل الآلهة بل هو الإله نفسه كان ينبغي أن يظهر في وضعية خاصة يستمتع بشباب دائم لا ينال منه الزمن لهذا صوره وتماثيله في المعبد في وضعيات تقليدية وملابس تقليدية.

أما أفراد الشعب فقد مثلهم الفنانون في وضعيات واقعية لا يحجمون عن إظهار عيوبهم الجسمانية من ترهل البطن أو ضيق الاكتاف وقصر القامة)).

و لقد قدم الدكتور ثروت عكاشة أمثلة عديدة مصورة علي ما سبق عرضه و هو الي حد كبير صحيح فيما عدا فترة محدودة لحكم إخناتون في تل العمارنة خرج فيها الفنان عن الخطوط المتوارثة والمتبعة لتصوير الملك وأسرته فجاءت بأسلوب طبيعي لتصل الينا قطع نادرة الجمال منها تمثالي نفرتيتي زوجته.

بمناسبة مرور قرن من الزمان علي انشاء كلية الفنون الجميلة بالقاهرة أصدرت الكلية كتاب رائع مزود بالصور في(ابريل 2009 ) بعنوان مائة عام من الابداع جاء بمقدمته ((شهد مطلع القرن (يقصد العشرين ) صحوة وعودة الروح لكيان مصر وقد مست بإشراقة التنوير آفاق القاهرة ومصر المحروسة فهب لفيف من أبنائها النابغين يدعون الي نهضة مصر ركيزتها تراث متوارث من حضارة عريقة ممتد جذورها في أرض الوادى لتحقق أمل أمة تتطلع لمستقبل أفضل، وفي هذه الانتفاضة الواعية تبني فريق من طلائع التنوير فكرة إنشاء جامعة أهلية تتيح أعلي مستويات العلم للراغبين بلا قيود واحتضن فريق آخر إنشاء مدرسة للفنون الجميلة تتيح ازدهار المواهب و تنقل المجتمع لمستويات أعلي من رهافة الحس والذوق والتحضر.

ولقد لقيت هذه الافكار الاعتراض وعدم الاكتراث من المسئولين بل والمقاومة من المستعمرين في ذلك الوقت حيث وُضِعَت العراقيل أمام إنشاء الجامعة المصرية كما إستخف الجُهلاء بفكرة إنشاء مدرسة الفنون الجميلة لكونها في رأيهم نوعا من الترف الذى لم يتهيأ له المجتمع في المحروسة حينئذ.

وانتصرت طلائع التنوير بفضل دعاة كالزعيم مصطفي كامل وقاسم أمين كما كانت فتوى الإمام محمد عبده شيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية تلك الفتوى المستنيرة بخصوص الصور والتماثيل وفوائدها وأحكامها مع مطلع القرن السابق تمهيدا صحيحا لظهور مدرسة الفنون الجميلة.

وقد نهض الأمير يوسف كمال ـ من أمراء الاسرة المالكة ـ بتحقيق فكرة إنشاء مدرسة أهلية للفنون الجميلة بمعونة المثـّال الفرنسي جييوم لبلان وكان أول تقنية حديثة لتحقيق منهج لكلية الفنون الجميلة في إطار التعليم الفني الأكاديمي علي النظام الفرنسي.

وبهذا لحقت كلية الفنون في عام 1908 بموكب التنوير قبل تأسيس الجامعة المصرية بثماني أشهر احداهما في عمارة بباب اللوق والثانية في بيت بدرب الجماميزمن أملاك دائرة الأمير يوسف كمال ولم تمضي ثلاث سنوات علي بدء الدراسة حتي أقيم أول معرض فني ساهم فيه طلاب التصوير مع زملائهم بقسمي النحت والعمارة وكان من بين العارضين النحات محمود مختار والمصوران يوسف كمال وراغب عياد)).

وهكذا كانت بداية ميلاد المعاصرة، أعاد للابداع ( الذى دام لآلاف السنين) روحه التي توقفت بفعل من يحتقرون ويحاربون الفن ولا يقدِّرون قيمته في زمن الانكساروالاحتلال العربي.
الفنان المصرى العائد الي الوعي رغم أنه شرب من نبع الحضارة العالمية وتأثر بمدارسها المختلفة إلا أن ذلك لم يستمر إلا لفترة محدودة من بدايات القرن العشرين وحتي انقلاب العسكر وما تبعه من ولادة فرعون جديد ليعود الفنان الي ما وصفه وزير الثقافة بالإطار العام للفن المصرى أى الي ((إستعمال أسلوبين مختلفين تمام الاختلاف نظرا لمكانة الشخص الذى يقوم بتمثيله نحتا أو تصويرا فالملك وهو سليل الآلهة بل هو الإله نفسه كان ينبغي أن يظهر في وضعية خاصة يستمتع بشباب دائم لا ينال منه الزمن لهذا صوره وتماثيله في المعبد في وضعيات تقليدية وملابس تقليدية ))، فمع بداية خمسينيات القرن الماضي وحتي سبعينياته (فيما يطلق عليه الحقبة الناصرية ) شهدت مصر أعلي مستوى (كما وكيفا ) للإنتاج الفني في المسرح ، السينما ،الرواية ،القصة ،الشعرالعامي ، الأغنية والموسيقي بعد أن تم جنيّ ثمار البذور التي زرعتها وروتها ورعتها حركات التنويرفي بدايات القرن العشرين وعلي رأسها وأمامها أحلام إنشاء أكاديمية الفنون التي حققها ثروت عكاشة من أجل ربط الإبداع الفني المصرى بشلالات الإبداع المعاصرة مثل الموسيقي الكلاسيكية ،البالية ،المسرح والسينما الجادة ، الحركة الفنية المصرية (في تلك الحقبة) كانت علي الدوام متواجدة في المحافل ، البينالي والمهرجانات العالمية وحصلت علي جوائز عديدة .

كذلك شهدت هذه الفترة أعلي مستوى انحراف نحو تأليه الزعيم القائد الملهم من خلال الاغنية (بصورة مباشرة ) أو الفوتوغرافيا والرسم والنحت وباقي الانشطة الجديدة مثل السينما والمسرح ووسائل الإبداع التي خلقها التطور التكنولجي .

أفضل نموذج لتأليه القائد و نشر توجهاته وصب عواطف وافكار المصريين في قالبه الحكومي (قبل انتشار التلفزيون) كانت أفلام ذلك الزمن المشهورة والمعروفة للعامة قبل الخاصة مثل (( رد قلبي)) (إنت من الاحرار يا علي ) و(( الايدى الناعمة)) (أكلت السمكة حتي راسها ) وفيلم يوسف شاهين ((الناصر صلاح الدين)) (كل اصدقاءك خانوك يا ريتشارد ) الذى اعتبره البعض حقائق تاريخية غير قابلة للجدال ، فرغم أن المخرج استعار تكنيك الروس في الفيلم الصامت ((المدرعة بتومكين )) وقدم ( شوتات) رائعة الا أن ما كان يرمز به لناصر آخر غير بطل الفيلم جعله يخترع تاريخا غريبا وشخصيات لم توجد الا في خياله ليحقق للرمز والمرموز صفات الملك الإله المصرى القديم ،ويقدم عملا مفككا غير مترابطا من حيث المنطق لازال حتي اليوم سببا في عاهة فكرية مستديمة لعديد من الذين يعتمدون في ثقافتهم علي السينما والتلفزيون والفيديو.

هذا الحوار الدائر بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد بعد أن أنقذه من الموت مسموما هل يمكن أن يعقله شخص لديه مبادىء التفكير، لقد صور المخرج لنا (الناصر)علي أساس أنه شخص مثقف يتقن الحديث بلغة الخصم ، عاقل ،عالم ، محب للسلام ، مفاوض بارع في حين أن هذا الصلاح الدين كما تصوره كتب التاريخ شخص دموى عنيف ((والسلطان صلاح الدين عندما دان له حكم مصر، بدأه بشنق جماعة من الأعيان ثم قبض علي مؤتمن الجيش وقتله فلما ثارت عليه العبيد و كانت جملتهم خمسين ألف عبد حاربهم لمدة يومين فقتل منهم ما لا يحصي ، ثم أنه أزال ما كان بمصر من العسكر الملفقة وكانوا من بين صقالبة ومصامدة وأرمن ..)) ثم أنه (( ذهب الي الصعيد وقتل هناك نفس الأعداد من المماليك والعرب)) ..ثم ترك علي حكم مصر قراقوش الذى كان يحلب البلاد بحمق (حتي صار مثلا علي الظلم ) لصالح سيده المتحرك بعسكره من مكان لآخر يشيع الدمار والقتل .. فهل هذا الديكتاتور الذى جعل آخر الخلفاء الفاطميين العاضد ((كالمحجور عليه لا يتصرف في شيء من أمور المملكة حتي يعرضهاعليه)) فينتحر قهرا كان بإمكانه ان يدير حوارا متحضرا مع ريتشارد. إنها أوهام للاسف رسخت في الاذهان .. مثل أغاني صلاح جاهين عن تماثيل المرمر علي الترعة والاوبرا في كل قرية ، تجميل وتزويق وجعل الحاكم نموذجيا، تراثا مصريا استمر كما وضح جمال حمدان عبر العصور.

إنفتاح السادات الاقتصادى وعبارته الشهيرة ((إنت غمتني يا فريد)) ( يقصد فريد شوقي في واحد من أفلام الميلودراما الهابطة) جعل الفن السوقي يزيح خارج المنافسة الفن الجاد فالابداع اصبح لصالح أفراد طبقة جديدة قادرة علي شرائه يتصدرهم عربان الخليج لينحط الفن إرضاءً للزبون.

بداية الإنحطاط كان يمكن رصدها في كباريهات شارع الهرم ، ثم افلام المقاولات، فمسرح الفودفيل الهزلي ثم انتقل تدريجيا لباقي أدوات الابداع بحيث اصبح لثمار مبدعي القرن مرارة غثاثة الزمن المبارك لتناسب تفاهة وتخلف عصابات البزينيس التي تحتل السوق والبورصة.

مع 25 يناير لم تعد العين ترى بسبب غازات قتال الشوارع وأضواء الشماريخ والصواريخ وملابس المنقبات العكرة وعنف الرجال الملتحين الذين يسبون الفن ويكفرون الفنانين ويهدفون إلي تدمير الآثار وتكسير التماثيل.

ولم تعد الأذن تسمع إلا الضجيج الذى تحدثه ميكروفونات الوعظ ومليونيات تبادل الشتائم وأصوات نشاز تغني لتسويق رجال العهد الجديد ، ليمرالفن في مصر بأزمة حقيقية بحيث إذا ما استمر نعيق بوم محطات الفضائيات وأروقة المساجد فقد نتقهقر الي ظلام ماقبل القرن التاسع عشر حيث يقوم البلطجية الملتحون بمهاجمة حفلات الجامعات والمدارس وتهديد فناني البالية والأوبرا ومحاصرة استديوهات التصوير لفرض غثاثة أبو اسماعيل المطالبة بتحويلنا الي مجموعة من المهابيل.

Print Friendly
This entry was posted in محمد حسين يونس and tagged . Bookmark the permalink.