الإسلام… فقه متغير لعالم متغير

مرتضى بن حسن بن علي women pray

تجتاح العالم العربي موجة احتجاجات متواصلة، بدأت تأخذ طريق الفوضى العشوائية، يلبس بعضها القناع الديني ويستخدم الفتاوى المختلفة والمتناقضة، ليدعو لممارسة القتل وتأجيج الاضطرابات والأحقاد في النفوس، بل ويصل للدعوة لممارسة الرذيلة.

المؤسف أن تلك الدعوات تلقى تأييداً واستجابة متباينة لدى البعض على اختلاف مذاهبهم، بسبب سياسات التعليم الرديء، الذي أنجب مفاهيم لا يمكن مناقشتها، وسياسات مائعة تجاه التيارات الدينية المتشددة، فتحت لها المجال الاعلامي والتعليمي، وكانت النتيجة اتجاه الناس إلى أقرب البدائل لنفوسهم وأقلّها حاجة للتفكير والجهد العقلي.

المشكلة ليست سهلة، لاسيما أن لها امتدادات تاريخية. فبعد غلق باب الاجتهاد من زمن بعيد، تراكمت الهوة الرهيبة بين أحكام الفقه وبين الواقع الحي المتغير. ونسي عدد كبير من الفقهاء أن احكام الدين كان القصد منها علاج شرور المجتمع الجاهلي.

وكان الواجب يحتم على الأجيال اللاحقة تطويرها وفق روح الإسلام وأهدافه السامية البعيدة المدى، والتمييز بين ما هو وقتي عارض وما هو خاضع للتغيير والتطوير. لكن يبدو أن الرغبة بالتمسك بالنفوذ والتأثير العاطفي على الناس، غلبت على بعض الفقهاء.

بسبب ذلك لم ينم الاتجاه العقلي فتجمد الفقه في قوالب، تجاهلت المشاكل المتعاظمة. فحدث اختلاط شديد بين السياسة والفقه وكثرت تناقضات “الفقهاء” مع احكام الدين الأصلية. وكانت النتيجة دخول العرب والمسلمين في منطقة استعصاء مازالوا محشورين فيها.

الحركات الإسلامية المعاصرة على اختلاف مذاهبها، ورثت ثقافة فقه الجمود، التي نشرت الجهل بين انصارها لتظهر لهم بأنها قادرة على الرد على جميع التساؤلات وحل جميع المشاكل. وتقبل أنصارها ذلك بسبب افتقارهم لثقافة التغيير وافتقارهم للثقافة العلمية.

أصبحت آراء معظم الحركات الإسلامية تتسم بالجمود وتنتقل من جيل لآخر وكأنها حقائق مطلقة، لا تقبل الجدل والمناقشة. لم يعد من سبيل للخروج منها إلا بنشر المفاهيم العلمية، كي لا تكون الافكار تدفقا من طرف مرسل الى طرف مستقبل يتلقاها من دون نقاش. بل تكون حوارا مبنيا على اطلاع وفكر مستنير. بهذه الطريقة يمكن تغيير أحوالنا لنعبر الجسر الفاصل بين ثقافة الجمود وثقافة التغيير.

بعض هذه الحركات تردد عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على البسطاء، وهي تمر دون مناقشة، فتتناقلها الألسن، محتفظة بمحتواها الهلامي. فتشيع بين الناس وكأنها حقائق نهائية ثابتة مع أن التحليل العقلي يجدها عبارات مليئة بالغموض والخلط. الحقيقة التي أمامنا هي أن الإنسان كائن متغير وينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة. وهي حقيقة لا يستطيع أي إنسان يحترم عقله وعلمه أن ينكرها.

حقيقة التغير تحتم أن تكون القوانين التي نخضع لها متغيرة، مادامت حاجاتنا تتغير من سنة لأخرى ومن عهد لآخر، ومادام الإنسان خاضع لعوامل الزمان والمكان، منذ العصور الحجرية حتى عهد الصواريخ، ومن حياة الغابات البدائية وحياة الصحراء القاحلة الى بيئة المدن الكبيرة بكل تعقيداتها.

العقل الذي توصل بمشاهداته وخبراته واكتشافاته الى أن الإنسان كائن جوهره التغير، ليس من صنع الشيطان، بل هو هبة الخالق، الذي حضهم على التزود بالعلم من “المهد الى اللحد”. ذلك العقل هو الذي كشف عن حقيقة التغير الـساسية، التي لا تفلت منها ظاهرة بشرية.

إن الكثير مما ينقل الينا وتردده الألسن، ليس من معالم الاسلام الأصلية، بل هو من الزيادات التاريخية التي اضيفت اليها. لذلك نحن بحاجة لدعوة تأخذ بالاعتبار أن الكثير مما يعتبر من الشريعة، هو نتاج اعتبارات تاريخية واجتماعية وسياسية، أي من اضافات البشر في حقب متعاقبة. وبسبب عوامل عديدة تمكنت تلك الإضافات أن تسدل حجابا كثيفا على جوهر الدين الاصلي وحقائقه الاساسية الخالدة.

جميع الفقهاء ينهون فتاواهم بعبارة شديدة المغزى هي: “والله أعلم”، أي أن الفتوى في الاخير محدودة برأيه ودرجة علمه واجتهاده، وقد تكون ملزمة له فقط، وأنها تحتمل الخطأ والصواب، مثلما يقول الامام الشافعي: “قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”.

الفقه ليس هو الدين، بل هو تفسيرات بشرية، تحكمها عوامل الزمان والمكان وتؤثر في منطلقاتها. والتراث الذي يرثه الفقه تكون له تأثيرات متباينة، فيتراكم عليه مما هو محلي محض أو إرث حضارات أخرى سادت ثم بادت. لذلك فإن كل الإضافات والتراكمات هي من صنع التطور التاريخي، وليست من صميم الدين ولا صلة لها احيانا بجوهره.

إذا كان الأمر كذلك، فأنه يستدعي ايجاد ملاءمة بين الإرث والتقاليد وبين الحياة التي نعيشها بكل تعقيداتها. علينا التوفيق بين ما هو مدون في كتب الفقه القديمة وبين مطالب الحياة التي نعيشها. ويتطلب ذلك من علماء الدين أن يمدوا بصرهم ليلقوا نظرة على ذلك الإرث وما افرزه من تقاليد وموروثات، ليدركوا ما هو أصيل وما هو إضافة… ما هو خالد وما هو زائل، ما هو صالح لكل زمان ومكان وما هو عارض ووقتي، ما هو متعلق بتعليمات إلهية وما هو مرتبط بالسياسة والدنيا والجاه والمنصب، كي نحاول النفاذ الى حقيقة الدين لتنقيته مما علق به من الشوائب. فعلى علماء الدين أن يجمعوا ما استخلصوه من جوهر ثمين ويعرضوه على مجتمعاتهم، التي قد تكون انصرفت عن ذلك الجوهر وانشغلت بغيره.

نحن بحاجة الى فقه لا يطمس الوقائع ولا يخترعها، بحاجة للعودة الى كتابة التاريخ الإسلامي، ليس ببطولاته وأمجاده فقط، وإنما أيضا بصراعاته وتناقضاته. نحن بحاجة لإلقاء نظرة الى التراث ليس باعتباره وسيلة للهرب للماضي من المشكلات والتحديات، إنما كوسيلة للتصدي لمشكلات الحاضر والمستقبل.

نحن بحاجة لغرس إيمان بأبنائنا، قائم على حقهم بالتكيف مع متغيرات الحياة، بعيدا عن الخرافات، ماداموا متمسكين بالقضايا الجوهرية للدين الحنيف. تلك الخرافات التي ظلت دائما ولاتزال من دواعي حيرة كل من ينال حظا يسيراً من الفهم والإدراك وقدرة على النقد والتحليل. علينا إبعاد طاقاتهم الذهنية الخلاقة عن الخلافات الفقهية العقيمة، وتوجيهها لمحاولة زرع بذور السعادة على الأرض وبناء مفهوم المواطنة الحقة وزيادة الثروة وتعميم الرخاء عن طريق الاهتمام بالعلوم والفنون الجميلة وكل العلوم الانسانية.

علينا أن نساهم في حل مشكلات الحاضر وتمتين أواصر الوحدة الوطنية والتطلع نحو المستقبل، كي لا نبقى أسرى ويظل بصرنا معلقا أسيراً محجوزاً في الماضي، ولا يتمكن تجاوزه، ولو بالنظر. المستقبل أولى بالاهتمام وأحق بالرعاية.

إذا كان الماضي حياة آبائنا وأجدادنا والحاضر لنا، فالمستقبل لأبنائنا وأحفادنا. ماذا نريد لهم او نعمل لأجلهم؟ العالم يمكن أن يتغير وأن يتقدم إذا أطل الناس بالفكر على المستقبل ليدركوا احتمالاته ومفاجآته وغاياته، وذلك يستحق التضحية وتحمل المشاق المحسوبة. لقد عاش اجدادنا حياتهم فلنعش نحن ايضا حياتنا.

Print Friendly
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged . Bookmark the permalink.