الميدان والوطن

محمد الدويكمحمد الدويك

منذ اللحظة الأولى ولمعة عينيها تبدو غريبة

تفضل الجلوس في المناطق المعتمة خافتة الإضاءة وتظل لساعات دون حديث ولكنها تتابع كل شيء. أصابع يديها طويلة ومتناسقة وإذا أمسكت القلم كتبت في سكينة كاملة وكأنها ترسم لوحة خلق آدم creation of Adam على جدار كنيسة السيستين بدلا من مايكل أنجلو.

وفي نهاية المحاضرات تلملم أوراقها دون أن تلتفت وتختفي في ثوان. ربما جسدها الذي يتفوق على لاعبة بالية مثالية بخمس سنتيمترات هو السبب.

جمعتنا دروس الترجمة بالمصادفة في الجامعة الأمريكية في بنايتها الرئيسية في الميدان الأشهر. وفي إحدى المرات ثار نقاش حول التصور الغربي للعقيدة الإسلامية. ووسط الكلام رفعت يديها في تردد وطلبت الكلمة.

يا إلهي.. إنها تجيد الحديث كبقية البشر. كنت أظنها كائن صامت يجيد الكتابة كالفنانين ويستمع للناس كالرهبان.

قالت : نحن نصر على ترجمة الله بحروف انجليزية بذات النطق العربي Allah وهذا يحدث لبسا لدى الغربيين الذين يتصورون أننا نعبد إلاها مختلفا له اسم مستقل عن الله الخالق God مما يوهم أننا وثنيين لنا دين مستقل عن الديانات السماوية المتعاقبة. أخطاء الترجمة تحدث كوارث والكل يعرف هذا. “

ملاحظة جيدة. أكملنا الحديث وتعرفنا تعارف هز الرأس إياه وتبادلنا معلومات التواصل الاجتماعي. ثم نسيتها ونستني.

أيام وقامت في مصر ثورة. وتعطل كل شيء.

واندفعت فيها بكل ما أملك من حلم.

الكراهية والخوف يوحدان والحب يفرق. كراهيتنا لعدو مشترك يجعلنا نقاتله جميعا، ولكن إذا زال العدو وزال الخطر نتفرق إلى ما نراه صوابا وما ننتمي له من أفكار ومعتقدات. وهذا ما حدث في مصر؛ تجمعنا على كراهية النظام القمعي الغشوم وتفرقنا على حب الوطن. الكل يحبه على طريقته حتى لو أدى حبه إلى كراهية حليفه السابق. بل إلى عداءه. أو قتله لو استدعت الظروف.

وكأننا نطبق المثل الإيطالي الذي صكه ساكني جزيرة صقلية: أو علي كي أحيا أن أقتل.

وصار الكل يبتغي القتل سبيلا للحياة. ويرى الكراهية وصلا لتطبيق ما يحب.

تعثرت الثورة الفرنسية في موجتها الأولى بأن استبدلت ملكا مستبد بإمبراطور مستبد. وبدأ المستنيرون يدركون أن التعليم ونقد الموروث الديني هما الحل. ولذلك اقتنعت أن دوري الأول هو تكثيف الوعي والانتقال من الهتاف ضد النظام الساقط إلى إصلاح ما تركه لنا من جهل وعشوائية.

إنسان واحد يغير العالم. one person can change the world هكذا قالت روزا باركس في ظل نظام عنصري مجحف لها. لكنها دوما كانت ترى الضوء في نهاية النفق، ولم يساورها شك في أن ما تفعله حتى لو بدا صغيرا سيكون تأثيره كبير.

روزا باركس أمريكية سمراء، رفضت أن تخلي مقعدها في الحافلة لتفسح لرجل أبيض ليجلس مكانها كما تنص قوانين امريكا “قلعة المساواة” في الخمسينات، على أن السود دوما في الخلف black is back

وكانت النتيجة أن حملوها وألقوها خارج الحافلة. فقامت حركة احتجاج واسعة لمقاطعة الحافلات استمرت 13 شهرا، قادها قس اسود، اسمه مارتن لوثر كينج، وكانت النتيجة إلغاء القوانين العنصرية في أمريكا وبداية النضال، الشجاع السلمي، للحصول على المساواة.

وقف لوثر كينج يقول خطبته الشهيرة ، لدي حلم ، I have a dream ليقتله بعدها متعصب أبيض. ويتحقق حلمه ونبوءته بعد خمسين سنة عبر رجل أسود يقف على منصة يرفع شعار yes we can ليكون الرئيس الأسود الأول في تاريخ الولايات منذ دستور توماس جيفرسون الأب المؤسس.

أعتقد أن أوباما كان يهدي الشعار إلى جده المقتول غدرا.

وتموت الشخوص وتتآكل أجسادهم عبر التراب ولكن الأفكار تظل باقية تقاوم الرصاص والبنادق وكل المتعصبين.

مرت شهور وانحشرنا في كل ارتباكات ما بعد الثورات.. مجلس عسكري .. سلفيين .. ثوريين .. مكتب ارشاد .. فلول .. استفتاء .. أمي تقلع الحجاب يا برادعي .. صلاة الجنازة .. كيرياليسون .. ثم جاءتني رسالة عبر بريدي الخاص..

“ترافقنا في دروس الترجمة. تحدثنا عن ترجمة “الله” عبر الثقافات لو تذكر. كتابتك صادفتها وأعجبتني. تعثرت الظروف وصداقتنا تأخرت. ولكنها طبيعة الأشياء الجيدة، أن تأتي دوما متأخرة. كالثورة والحب وبشارات الأنبياء.”

رددت على رسالتها بشيء متعجل ومفبرك لأصطنع لقاء.. ولكن فبركتي كانت سببا مقنعا لها على الأقل.

والتقينا من جديد في ميدان كنا نراه وطن.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد الدويك and tagged . Bookmark the permalink.