المرشد في تشيليز

محمد الدويكمحمد الدويك

– من حق فضيلة المرشد يا ريم أن يتناول العشاء في واحد من أفخم المطاعم الأمريكية في مصر chilis ، هذه حرية شخصية لا دخل لنا فيها . أيضا هو يتناول الطعام من ماله الخاص وغالبا هو مال حلال . لماذا كل هذه الضجة ؟!

لا تنظري لي بتلك الطريقة الحادة أرجوك.. لم أعتد منك ذلك .

تمر ثوان تعبث بشعرها البني ثم تتحدث وتقول :

– “هل قرأت تقرير مجلس الوزراء الأخير؟ لو لم تقرأه فسأخبرك أنا به .. الحكومة نفسها تعترف أن نصف الأسر المصرية لا يوجد لديها صرف صحي . و 40% من خريجي الجامعات عاطلين . و 30% من المصريين فوق سن 15 سنة أميين لا يجيدون الكتابة والقراءة . و 30% من أطفال مصر تحت سن 5 سنوات مصابون بأمراض مثل التقزم !

وأن مرض واحد مثل التهاب الكبد الوبائي سي يأكل بطون ما يزيد عن 10 مليون مصري.

هل تريد أن تسمع المزيد عن مصر التي يحكمها المرشد بديع ولا يعرفها؟

لو فتحت صحيفة أمس ستجد أن الأخبار المحلية لمصر، والتي لا يلتفت لها الساسة الكبار، تحكي لك مشهدا يليق بمآسي الإغريق..

مشاجرة واحدة في محافظة سوهاج يموت فيها 9 أفراد على خلفية توزيع ميراث .. الله وضع قواعد ثابتة للمواريث حتى لا يظلم أحد أحدا . وحتى يكون لكل فرد نصيب معلوم يقي الناس شر القتال . ولكن الجشع والأنانية صارتا المسيطران على قلوب الناس . لو أن تسع مصريين يموتون في مسألة كتلك فلا تحدثني عن دين محمد . ولا تحدثني عن دولة حديثة.

تلك المشاجرة مات فيها أكثر ممن مات في موقعة الجمل بالمناسبة !

أزيدك حديثا عن مصر التي تجهلها أيها البرجوازي الذي تعيش مع أجواءك المعلبة في مطاعم السحاب .

مشاجرة بسيطة في أحد الأسواق في محافظة القليوبية تسفر عن مقتل اثنين ، على خلفية مشكلة على “جاموسة” ! المصريون صاروا يعتبرون أن الجاموسة أهم من روح رجلين .. هل نعبد الله أم نعبد البقر ؟ نحن أحط من عبدة البقر والله . على الأقل هم لا يقتل بعضهم بعضا .

ثم ينتابها بعض الحزن ويرتجف صوتها قليل وتقول :

” وانا ذاهبة إلى بيتي أمس عاكسني شاب شبه مغيب عن الوعي بألفاظ قبيحة، وكاد أن يعتدي علي . أمسكت حذائي في يدي وجريت وأنا أرتعش . وعندما استعنت بضابط شرطة يجلس في عربته على بعد أمتار ، قال لي بالحرف الواحد : المنطقة دي خطر يا استاذة . دي دولاب مخدرات . والعيال كلها جوا مسلحة بآلي . مينفعش أعمل معاهم حاجة . حضرتك امشي من طريق تاني ! أو متمشيش من هنا خالص أحسن ! انتو إيه بيطلعكوا من البيت أصلا !!هل صار الأمر كذلك !

هل تعلم تلك المناطق أيها الفتى المتحذلق . هل يعلمها المرشد . أم أنه يحتمي بقلاع التجمع الخامس والمقطم ؟ هل المصريون متساوون في الحق في الحماية ، أم أن أبناء السيد الرئيس فقط هم من يمشي معهم قوات حرس خاصة وسيارات أمنية !

ألم يأت محمد الرسول ليكسر حاجز المُلك ويجعل البشر كلهم لهم ذات الحقوق ؟!

الرسول ، الذي يتشبه به السيد المرشد في لحيته البيضاء ، كان يربط الحجر على بطنه حتى لا يشبع بينما هناك من يعاني .. وكذلك فعل عمر بن الخطاب .. أليس هؤلاء هم السلف الصالح ؟

هل ضباط الشرطة الملتحين والممتنعين عن العمل بسبب أمر ظاهري لا قيمة له يعلمون أني كنت مهددة بالاعتداء البدني .. هل يرضيهم ذلك .. وظيفتهم حماية أمثالي وليس هذا الضجيج الأحمق حول أمر هامشي .. قرأت للشيخ القرضاوي نقله عن الفقه الشافعي ، وتحديدا حاشية البجرمي ، أن حلق اللحية ليس حراما ! وهناك قاعدة فقهية أخرى تقول قلد من أجاز .

اللحية ليست أمرا مهما في الدين ، ولكن حماية أمن الناس يتوقف عليه الدين كله ! لو كانوا يفقهون . لقد كادوا أن ينتهكوا عرضي يا محمد . وحماية الأعراض تساوي حماية الدين إن لم تزد في المقام . وراجع أبو اسحاق الشاطبي لو أردت التأكد .”

ثم تضحك ضحكة متهكمة ، وتقول :

” طب فاكر كلام الرئيس عن الستينات وما أدراك ما الستينات ؟ عبد الناصر كان بيتعشى جبنة بيضا وعيش بلدي . واشترى جهاز بنته بالتقسيط . لست من أنصار الناصرية الساذجة . ولكني فقط أذكرهم عن الستينات التي يرفضوها .”

وتكمل حديثها في مرارة :

” كنت أرجو أن يذهب السيد المرشد إلى الأحياء الفقيرة يبحث مشاكل البطالة والمخدرات وغياب الأمن . كنت أرجوه أن يتبرع بقيمة عشاءه الساخن لامرأة مصابة بجلظة ومرمية على باب القصر العيني لا تجد سريرا . إنه متدين، فضيلة المرشد، ولذلك يجب أن يكون أكثر زهدا وتضحية مني ومنك.

صديقتي الإخوانية ظلت تقاطع البضائع والمنتجات الأمريكية لسنوات طويلة ، بينما قادتهم ينعمون بها .. أليست هذه ازدواجية .. ازدواجية كلمة مهذبة على أي حال .. أم أنهم ظلوا يقاطعوها حتى صاروا في السلطة ، ثم اكتشفوا أن هناك مصالح مشتركة مع الإدارة الأمريكية “الصديقة” ؟!

يبدو أنهم اقتنعوا بكلام السفير الأمريكي الأسبق فرانك وزنر ، عندما قال : أمريكا أكبر من أن يقاطعها أحد !

أذكر قديما ، وربما تكون هلاوس سمعية لا أكثر ، أن هناك خطابا حماسيا جهاديا ضد الطاغوت الأكبر ، أمريكا واسرائيل ، كان يردده شباب متحمس ينتمي للجماعة !

لا أريد عنترية زائفة بعد اليوم . لا أريد شعارات جوفاء بعد اليوم . لا أريد سيوفا من خشب يحملها أبطال من ورق . ولكني فقط أطالبهم بشيء من الصدق والاتساق مع النفس . والكف عن المتاجرة ، باسم الرب .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد الدويك and tagged . Bookmark the permalink.