قصة من حاولوا تفريقه عن زوجته بسبب تفسيره للقرآن

شكر خاص للاستاذ محمد حربينصر وابتهال

لم يكن المفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبوزيد أول من يتعرض لمحاولة تفريقه عن زوجته بسبب اجتهاده الديني فقد كانت هناك قضية مماثلة في ثلاثينيات القرن الماضي تعرض فيها الشيخ محمد أبوزيد من علماء الأزهر الشريف

لدعوي تفريق بسبب اجتهاده في تفسير القرآن وفي محكمة دمنهور رفض القاضي الذي نظر الدعوي ان يتهم مفكرا علي اجتهاده ودعا رافعي الدعوي لما هو اجدي للمسلمين والمجتمع وقرر حفظ القضية وهو الأمر الذي لم يحدث في قضية الدكتور نصر‏.‏ الأهرام حاور الشيخ محمد أبوزيد حول تفسيره للقرآن ونشر الحوار في‏14‏ مايو‏1931,‏ ونحن نعيد نشر هذا الحو ار القديم ونثبت ان فاتورة الاجتهاد غالية الثمن وان المجتمع يتقدم للخلف‏.‏

في صبيحة أول أمس استقللت القطار إلي دمنهور لاتحادث مع الشيخ محمد أبي زيد‏,‏ ذلك الرجل الذي فسر القرآن بالقرآن‏,‏ كما يقول‏,‏ فيما جاء في تفسيره هذا من عبارات خرجت عن المألوف وشذت عن المصطلح والمجمع عليه‏,‏ ولما وصل القطار إلي دمنهور اخذنا نفتش عن الشيخ فلم نجده‏,‏ وقصدناه في بيته فلم نعثر عليه‏,‏ وقيل لنا انه في محلة نصر بلدة الإمام محمد عبده‏,‏ فركبت السيارة انا وصديقي وزميلي بالأهرام في دمنهورالاستاذ اسكندر مظهر حتي بلغناها‏,‏ فاستقبلنا هنالك جمهرة ضخمة من كرام الحي استقبالا يدل علي حساسية العاطفة ويقظة الضمير‏,‏ وسألنا عن الشيخ ابي زيد فقيل لنا ها هو‏,‏ ومد يده يصافحنا فصافحته انا وصديقي وجلسنا في فناء دار الإمام واخذنا نحادثه في كتابه‏,‏ ونسأله اسئلة شتي حتي كان بيننا هذا الحديث‏:‏

‏**‏ هل لنا ان نعرف شيئا عن تاريخ حياتك ونشأتك العلمية؟ وهل لك آثار علمية‏,‏ وما هي؟

‏*‏ قال‏:‏ نشأت منذ صغري في طلب العلم وأقمت في الأزهر مدة ثم في مدرسة دار الدعوة والارشاد‏,‏ ثم استقللت بالبحث في العلم والوصول إلي الحقائق ومازلت اشتغل بذلك إلي الآن وذلك لأني احب ان اعتقد الشيء بالدليل والبرهان الذي أمر الله به‏,‏ وقد سبق ان رحلت عدة رحلات في البلاد الشرقية للانتفاع بما في الكون من السنن والحقائق وقد كتبت عدة رسائل وكتب رأيت انها تفيد الناس ورأيت من الواجب نشرها علي الناس‏,‏ منها كتاب هدي الرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏ وهو آخر كتاب لي قبل أن افسر القرآن‏,‏ ويتضمن هذا الكتاب تبيان الطريقة المحمدية وما جاء به الرسول من الأعمال المنطبقة علي القرآن وقد رأيت ان من أكبر الخدمات الدينية ان اضع تفسيرا للقرآن الكريم يلفت الناس إلي ما فيه من الأصول والمواضع الصالحة للاجتماع والكفيلة بإقامة احسن حكومة واعظم دولة للإسلام‏.‏

‏**‏ قلنا‏:‏ وما رأيكم في الضجة التي أثارها ظهور تفسيركم الجديد؟

‏*‏ قال‏:‏ رأيي لو كانت حرية الرأي والفكر موجودة بمعناها الصحيح لما قامت مثل هذه الضجة‏,‏ بمعني إذا كان الغرض منها تحقيق ما جاء في الكتاب من الآراء الجديدة المخالفة لما هو معروف لهم في التفاسير‏,‏ واني ليسرني الا يؤخذ اي تأليف بالتسليم المجرد عن البحث‏,‏ ومن مبدأي ان يبحث كل جديد بحثا علميا حتي يؤخذ الصحيح منه ويترك الخطأ‏,‏ والأمم لم ترق الا بالنقد الصحيح والذي استنكره في هذه الضجة هو ظهورها بشكل حملة مدبرة‏,‏ فيها كثير من الشتم والسب والطعن الذي كان يجب ان تكون خالية منه‏,‏ خصوصا وقد بدأ ظهورها من شيخ الأزهر الذي نحب له أن يكون مثالا صالحا لأهل العلم والدين‏.‏

وألا يتكلم في موضوع مثل هذا الا بالحجة والبرهان‏,‏ وهو يعلم قول الله فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا

قلنا‏:‏ السبب المباشر يعلمه الشيخ‏,‏ والآن كلامنا مع الشيخ فيما ادعاه وما جاء في احاديثه من ان التفسير مخالف للقواعد الدينية ولإجماع المسلمين‏,‏ واني أري الشيخ مخطئافي ذلك لأن الذي أعرفه من قواعد الدين التي اتفق عليها المسلمون الأولون انها هي كتاب الله وسنة رسوله‏,‏ اعتقد اني لم أخرج عن القرآن وتفسيره بنفسه‏,‏ ولم أخالف شيئا صحيحا مما ثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ وكنت أحب أن الشيخ يناقش او يبين علي الصحف اي دليل من الكتاب والسنة علي مخالفتي التي يراها من تفسيري‏,‏ والشيخ يعلم أن المفسرين قد اختلفوا اختلافا كبيرا وعندهم تفاسير تذكر ما يخالف نصوص الكتاب وصريح السنة‏,‏ ولا تنطبق علي عقل والشيخ لم يصادرها بل يقرها‏.‏

‏**‏ قلنا‏:‏ وهل لكم علاقة سابقة بفضيلة شيخ الجامع الأزهر؟

‏*‏ قال‏:‏ نعم لي علاقة بالشيخ من زمن ويعرفني جيدا وأعرفه جيدا وعند لقائي به في كل مرة يحترمني أشد الاحترام‏,‏ وكان يمدحني ويشجعني امام علماء الأزهر علي عملي‏,‏ وكانت آخر شهادة منه وهو شيخ للأزهر‏,‏ اني أنا وأصحابي نخدم الإسلام والمسلمين‏,‏ ولكن هذا لا يمنع الشيخ من أن ينقد الخطأ الذي يراه ولا نطالبه الا بطريقة الدين في حسن الانتقاد وفضيلة المناظرة العلمية‏.‏
‏**‏ قلنا‏:‏ وما رأيكم فيما يؤخذ عليكم مما ورد في تفسيركم؟

‏*‏ قال‏:‏ أني لم أعلم إلي الآن حقيقة ما يأخذونه علي إلا أني رأيت أحاديث الشيخ ترميني بمخالفات وإنكار أشياء ولم يذكر الشيخ بيانا واحدا ولا حجة علي ما يقول‏,‏ وقد تبع شيخ الشيوخ من الموظفين في الأزهر وطعنوا وشنعوا تقليدا للشيخ واستكتبوا عرائض كذلك من بعضهم شكرا للشيخ وهذا كله لا يفيد الاسلام والمسلمين شيئا غير التفرقة‏,‏ وايجاد العداوة والبغضاء التي ينهي عنها الدين الحنيف وقد كتب اناس اخرون يطلبون الانصاف والبحث العلمي وهذا ما اطلبه انا

‏**‏ قلنا‏:‏ وهل للشيخين عبدالجليل عيسي ومحمد احمد العدوي رأي في تفسيركم؟

‏*‏ قال‏:‏ ليس لأحد من أصحابي مشاركة لي في تفسيري‏,‏ اية الامر أن اصحابي الذين يعرفونني من الأزهر وغيره كانت طريقتهم معي فيما أراه جديدا ان يضعوه علي ميزان البحث‏,‏ فاذا اعجبهم خذوه‏,‏ اذا لم يعجبه ردوه‏,‏ مع احترام كل منا للآخر‏,‏ ولذلك لم يكن حسنا من الشيخ ان يقول في حديثه انه ابعد هذين الاستاذين بسبب علاقتهما بالتفسير‏,‏ وكان الواجب ان يشجع الشيخ علماء الأزهر وشبابه علي بحث هذا الكتاب ليربيهم علي استقلال الفكر وتمكين العقيدة في النفس بالبرهان بدلا من أن يؤاخذهم علي مجرد ظنه ان لهم ميلا إلي البحث وحبا فيه‏.‏

‏**‏ قلنا‏:‏ وهل استندتم في تفسيركم إلي بعض المراجع في كتب التفسير المعروفة؟

‏*‏ قال‏:‏ ان اعتمادي في التفسير علي نصوص القرآن نفسه وجمع الايات بعضها إلي بعض فقد يتفق بعض آراء المفسرين مع هذا وقد لا يتفق والميزة التي في هذه الطريقة الجديدة الا يتصادم بعض القرآن ببعضه وألا نجد آية من آياته تتصادم مع الكون في سننه أو مع الاجتماع في نظامه ومن المميزات فيه انك اذا درسته تجده صالحا لكل زمان وليس فيه ما يخالف العقل والفطرة كما اني لم اخرج عن اصول التفسير ولغته واسلوبه‏,‏ اني متفق مع علماء التفسير في حرية الرأي والاجتهاد فيما يكون فيه محل لذلك وقد بينت في مقدمة التفسير المحكم الذي يرجع والمتشابه الذي يمكن الاختلاف فيه‏.‏

‏**‏ قلنا‏:‏ ما الذي ورد في كتابكم عن نظام الحكم السياسي وأساليب الحياة الاجتماعية وعن العقوبات البدنية الواردة في القرآن‏,‏ كقطع يد السارق ورجم الزاني؟

‏*‏ قال‏:‏ ما يتعلق بنظام الحكم الشوري وإظهار ان الاسلام يضع قواعد لبناء اعظم حكومة وتأسيس أرقي دولة واظهار ما يتبع ذلك من اصول الصناعات والتجارات والشركات المالية التي تستثمر‏,‏ واصول البحث في السنن والعلوم التي تجعل الامة علي الدوام في تقدم ورقي باستحداث المكتشفات والمخترعات‏,‏ وليس لي حظ من هذا الا ان يفهم العالم حقيقة الاسلام وصلاحه للمجتمع وأما المسائل المختصة بالعقوبات فان المقصود منها انها تصلح لان تكون قانونا للدولة لانها ليست وحشية كما يقول بعض الطاغين في الاسلام وان رأيي في السارق والزاني جاء من اللغة التي تفرق بين الفعل واسم الفاعل والغرض في الاسلام في عقوبته لا يسوي بين من يفعل الجريمة مرة ومن يخذها حرفة له وصناعة ويقرب من حكم الاسلام قانون العقوبات في الدولة في تفريقه بين صاحاب السوابق من المجرمين ومن ليس لهم سوابق فكل ينال عقابه علي قدر جريمته ومثل هذه الاحكام مما يدخل في باب الاجتهاد وقد ورد مثلها كثير في كتب المجتهدين‏.‏

‏**‏ قلنا‏:‏ أريد ان تصارحوني بمبلغ ثقتكم ومصدر تعليلكم فيما ورد بتفسيركم خاصا بمعجزات الانبياء‏,‏ وعن الملائكة وهويتهم وأعمالهم؟

‏*‏ قال‏:‏ اما معجزات الانبياء فالقول باني انكرتها غير صحيح ولكني فسرتها تفسيرا ينطبق علي نظام القرآن في الجمع بين ايات الله القرآنية وآياته الكونية وليس من المعقول اني انكر شيئا في القرآن مع اني متمسك بالقرآن وافسر بعضه ببعض‏,‏ ومن هذا يظهر لك خطأ من تصدي للرد علي الكتاب لانهم قالوا‏:‏ انكر المفسر‏:‏ وانا لم انكر فلم يفرقوا بين من ينكر الشئ ومن يفسره لانه من البديهي ان الذي يفسر المعجزات لا ينكرها ومن ذلك خطأهم ايضا في ادعائهم علي بانكار الملائكة والجن والشياطين مع انها مذكورة في عدة مواضيع من القرآن ومفسرة بآيات القرآن نفسه واذا كان في التفسير معني لا يعرفونه فلا يكون ذلك دليلا علي الانكار واني واثق ان كل شخص يريد الدين والعلم ويبحث تفسيري لا يمكن ان يجد فيه شيئا يخالف الدين

‏**‏ قلنا‏:‏ وهل تعتقدون ان احدا من السلف الصالح ذهب إلي ما ذهبتم اليه في تفسيركم؟

‏*‏ قال‏:‏ اما السلف الصالح فاني علي طريقتهم في العمل بالكتاب والسنة وقد وضعوا لنا احسن مثال في البحث العلمي وحرية الفكر والرأي واخذ الشئ بدليله وان لا حرج علي من يفهم في كتاب الله فهما يوفق بين اصول الدين وحوادث العصر وقد كان يختلف بعضهم مع بعض في فهم ما يكون محلا للفهم في الايات والاحاديث واني اري ان الطعن والشتم في البحث العلمي ليس من طريقة السلف الصالح وان طريقتهم ألا يتكلموا في الشئ الا بعد بحثه وعلمه

وإلي هذا القدر من الحديث واوشك الظلام ان يقبل‏,‏ ونحن جلوس في بلدة محلة نصر‏,‏ فاكتفينا به وهممنا بالانصراف فودعنا الشيخ وحيانا اهل القرية بما فطروا عليه من ادب وذوق‏.‏

أحمد عبدالحليم العسكري

Print Friendly
This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة and tagged . Bookmark the permalink.