كلما اقترب الفجر

محمد الدويكمحمد الدويك

لم أكن سلفيا عاديا .. كنت مؤمن بشدة أن القوة هي الوسيلة الوحيدة للخلاص ورفع الظلم عن الأمة .. كنت مؤمن بحمل السلاح ، ليس لتطبيق الشريعة ولكن للمقاومة . بعدها من حقك أن تختار ما تراه مناسبا في أمور حياتك .

كنت ملتحي بالفطرة .. ربما لأنها تضفي علي مظهرا أفضل . لا أدري .

زرت أمن الدولة قبل أن أكمل السادسة عشرة بأيام . وحدثت مشكلة كبرى في استخراج بطاقة شخصية . وتعرضت لضغوط تفوق سني بمراحل أثرت على صحتي البدنية . وصمدت . وقتلت الخوف قبل أن أتعلم قتل دجاجة .

أصعد فوق السطح في الواحدة صباحا . بلدة صغيرة تنام بعد المغرب . أرى النجم القطبي لامعا . أو هكذا أظنه ، في سماء صافية كقلب طفل .

راديو ترانزستور باناسونك . يذيع أغنية لهاني شاكر تليق بأحزان مراهق مجهولة .. وعلبة سجائر اشتريتها سرا . وكتاب يحمل عنوان : سنين الحب ودراما الثورة . يؤرخ للحياة المصرية في الاربعينات والخمسينات ، والتنظيمات الشيوعية والعمل السياسي والابداع الأدبي .

كنت أحب جيهان .. تكبرني بعشر سنوات .. والغريب أنها كانت تحبني أيضا .. وتراني رجلا ناضجا يليق بعلاقة جادة .

تقول لي ، أنت الملتحي الوحيد الذي يقول الشعر . ويحكي في التاريخ . ويروي نكتة جديدة .. كما أن قلبك أبيض .

أستمع للراديو وأنفث من السيجارة وأكتب قصيدتي التي لا تكتمل .

أسعل وأختنق وأرمي السيجارة والورق وأكسر القلم وأبكي .. ويعلو أذان الفجر .

وأرى الصيادين يحملون أدواتهم استعدادا لتعقب رزق يوم جديد .

في المرات القليلة التي قابلت فيها جيهان كنت أجلس إلى جوارها بحياء شديد . ولا أجرؤ على مس يديها أو النظر في عينيها أو استراق النظر لجسدها . رائحة عطرها يدوخني ولكني أقاوم

مرة أمسكت يدي ووضعتها على وجهها ثم قبلتها .. وهنا وصلت دقات قلبي إلى درجته القصوى .. ألف دقة تلاحق مليون دقة .

تبتسم وتقول : انت خايف ؟

خايف ..!!

أنا بلعب رياضات قتالية . وبجري 5 كيلو . وبشيل سلاح . واتحقق معايا في أمن الدولة . والشيخ بتاعي عائد من أفغانستان ورأى أسامة بن لادن .

خايف ..!!

تقترب مني مرة ثانية وتطبع قبلة على وجنتي .

تعتدل في جلستها وتسكت . وأسكت . ويمر الوقت دون حساب . أو ربما لا يمر بينما الدنيا هي التي تسير من حولنا .

أعطيتها راديو صغير أسود باناسونيك هدية مثل الذي معي . وأخبرتها أنه أول ما ألمسه في الصباح عندما أفتح عيني وآخر ما أتركه في المساء . ربما أنام وأنا ممسك به .

ومرت سنوات كثيرة كرهت فيها التدخين . و صارت جيهان أما لطفلين . ونسيت الراديو في أحد الأدراج القديمة. وصرت أقرأ أكثر.

صرت أنظر للنساء في عيونها في ثقة وأصافحهن بثبات .

ولكن تلك الارتعاشة في القلب لا تفارقني كلما اقترب الفجر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد الدويك and tagged . Bookmark the permalink.