باقي الحكاية – عبير

محمد الدويكعبير

وجدتها مرة ثانية على الرصيف . وقفت على بعد خطوة وتركتها تتحدث ..

” انت عايز الحقيقة ؟ أنا كنت شاربة سم فران وعايزة أموت

” كنت عايزة أعذب أبويا وامي في التربة بذنبي . جابوني ليه من غير ما يعرفوا ظروفهم ، وإن كانوا هيعرفوا يوفرولي أوضة أعيش فيها ولا أفضل مرمية في الشارع زي الشرموطة أو اللقيطة.”

” محدش بيطيق حد دلوأت . لو قعدت عند حد يومين مش هيستحملني التالت “

” أهلي وحشين . معاهم على قلبهم ومش راضيين يدوني أوضة وصالة أعيش فيها “

” أنا عارفة انك كتبت عني . اختي قالتلي . شكرا يا استاذ انك اهتميت . انا عمر ما حد سأل عليا “

– أجيبلك أكل يا عبير؟

” لا شكرا انا لسه متعشية . انا ببيع مناديل واجيب أكل “

– عايزة ايه يا عبير ؟

” أوضة وصالة أتلم فيهم “

ألتفت عنها وأنظر إلى حيث العابرين . وأشعر بانعدام الحيلة . الغريب أن هناك سيارة “باجيرو” رباعية الدفع ، لا يقل ثمنها عن نصف مليون جنيه ، تقف على بعد أمتار ويقف إلى جوارها شاب في العشرين يتحدث لأصدقائه الأثرياء ..

أريد أن أصرخ في الناس ، وفي العابرين .. أصرخ في رجال الأعمال . في المشايخ . في المسلمين والمصريين الذين قست قلوبهم فصارت كالحجارة أو أشد قسوة. ثم يزعمون أنهم مسلمين .

الرسول نفى الايمان عن رجل يبيت ليلته شبعان وجاره جائع . مجرد أن تأكل وجبة مستحقة وغيرك لا يجدها في بيته فأنت غير مؤمن .. جارك الجائع له بيت على الاقل !

الرسول قال أن من يخون وعوده ويعتاد الكذب يصير منافقا ، ولو صام وصلى وزعم أنه من المسلمين !!

إسلامك في خطر لمجرد خيانة الوعود والكذب . فما بالك لو ضاعت انسانيتك وفقدت القدرة على التكافل والتراحم وانقاذ المحتاجين . وقتها لن تسعفك صلواتك وحجك الى البيت الحرام كل عام .

شركات السياحة تحقق ارباحا ضخمة من السياحة الدينية !! فنادق خمس نجوم تحيط المسجد الحرام بينما مشردون ينامون في الشارع .. لحم الناس مرمي على الرصيف وانت تطوف خاشعا حول البيت العتيق .. هل تظن أنها مقبولة يا صاح !

ومع ازدياد المظاهر الدينية تزداد القسوة والظلم والفروق الطبقية والترف والبذخ في الاستهلاك . وفي نفس الوقت هناك من يموت على بعد أمتار.

الغريب ان وزارة السكان تقول أن مصر فيها 4 مليون وحدة سكنية فارغة ومغلقة ، نظرا لأن أصحابها يملكون غيرها .. بإضافة الوحدات الصيفية التي تظل شاغرة طول العام عدا شهري صيف يصير العدد 8 مليون .

نحن أمة معرضة للخطر العقيدي .. نحن على وشك فقد اسلامنا . حتى لو دارينا ذلك بمظهر مخادع من الطقوس والمظاهر . قلوبنا ماتت . والظلم يزداد . والفساد يضرب الوطن . والمعاناة تزيد .

تقول التقارير اننا فقدنا 150 مليار دولار في عمليات الخصخصة في السنوات الاخيرة . و 40مليار دولار حجم الرشاوي والعمولات في مجال التشييد والبناء والبنية التحتية . و 50 مليار دولار اختلاس في قطاع الطاقة ، كانت كفيلة بنقلة نوعية في الاقتصاد المصري .

من قام بكل هذا الفساد هم مصريون مسلمون يقيمون الصلوات .

ومن سكت عن هذا الفساد مسلمون أشد استمساكا بمظاهر الدين .

وكلما زاد حجم التدين الظاهري كلما زاد حجم الفساد والظلم والسرقات والأنانية والطمع . وكلما قلت المساحات الانسانية من تراحم وعطف .

الله في كتابه ، يتحدث في سورة الماعون ، عن الذي يكذب بالدين . أي أنه اقترف أشد الكبائر وهي الكفر . وفي نهاية السورة يورد آية ( الذين هم يرائون . ويمنعنون الماعون ) .

فالرياء يرد على عمل ظاهره صالح ، ولكن صاحبه فاسد القلب يقصد أعين الناس ولا يبتغي الخير ذاته . العمل الصالح مع قلب فاسد يهلك صاحبه . فما بالك بمن فسد عمله وقلبه !!

ويمنعون الماعون . والماعون هو أدوات البيت كالإناء والطبق والمخيط “الإيرة” . وهي صورة بدائية لشخص لا خير فيه لا يساعد الناس حتى بأدواته المنزلية البسيطة !

تخيلوا يا سادة ، من يمنع الماعون ، وهي أدوات بسيطة جدا ، مذموم في سورة بدايتها تتحدث عن الذي يكذب بالدين . فما بالكم بمن يمنع مئات الألوف !

ديننا هو دين الصدقة بشق تمرة .. أي صدقة الفقير قبل الغني .. صدقة نصف المال .. القليل والكثير .

بالمناسبة كلمة شق تمرة هذه وردت في أول خطبة للرسول بعد دخوله المدينة قادما من مكة . خطاب العرش . تدشين الجمهورية الأولى في الإسلام . كان من خلال خطبة قصيرة للغاية لا تتجاوز كلمات قليلة . ختمها الرسول ، بالصدقة والعطاء بشق تمرة . لحث الناس على التكافل والتراحم وإحياء الخير في قلوبهم . ثم قال ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة.

انظر للمجتمع المصري .. هل ينتشر فيه التراحم والتكافل والعطاء ، الذي هو عنوان الدين .. وهل علاقة الناس ببعضها قائم على : الكلمة الطيبة ؟؟

إجابة السؤال تحدد موقعنا من الاسلام .. أكرر نحن غالبا لسنا مسلمون والله .

نظرت لعبير قبل أن أغادر وقلت لها : حاولي تصلي يا عبير . ربنا رحيم .

نظرت لملابسها في حزن ، ومررت أصابعها فوقها ، وقالت : بس هدومي وسخة .. الصلاة محتاجة نضافة !

قلت لها : ربنا مش بيبص ع الهدوم يا عبير ..

قالت لي : لما ألاقي هدوم نضيفة هصلي .

قلت لها : اوعديني متعمليش في نفسك حاجة وحشة تاني .

قالت : أوعدك .

قولي والله .

والله .

مع السلامة يا عبير .

مع السلامة يا أستاذ .

مجتمع ضاع إسلامه من خلال رجال الدين . وضاعت أمواله بسبب جشع رجال الاعمال وكبار الموظفين . وضاعت مؤسساته الكبرى المسؤولة عن الناس بسسب اقتتال جماعة “ربانية” على السلطة من أجل تمرير الإستبداد والمكايدة السياسية .

أمة في خطر

وبالانجليزي

nation at risk

بالمناسبة ، دا كان عنوان تقرير صدر في أمريكا أثناء رئاسة جون كيندي بعد أن صعد الروس إلى خارج الغلاف الجوي قبل الأمريكان . وكان مكمن الخطر أن مناهج الفيزياء والرياضيات الحديثة في التعليم ما قبل الجماعي تحتاج إلى تطوير . وصار الأمريكان كلهم يعيشون في قلق وحزن لأنهم “متأخرون” علميا عن الروس . ولم يهدأ لهم بال ، مجتمع وقيادات ، إلا بعد أن غزو الفضاء بشكل أكثر تطورا . ووضع علم أمريكا هناك . حيث النجوم !

أترانا خير أمة أخرجت للناس !!

 

Print Friendly
This entry was posted in محمد الدويك and tagged . Bookmark the permalink.