كيف دمر الإسلام المحروسة 5

محمد  شومانمحمد شومان

استمر حصار البدو للأسكندرية لمدة 14 شهر، وفى قول آخر لمدة سنتين، وهم عاجزون تماما عن إقتحامها، أما أهلها فكانوا يمارسون حياتهم الطبيعية وكأنه لايوجد حصار، فهم واثقون من متانة حصونهم ومن قوة الحامية الرومانية التى يقترب عددها من الثلاثين ألف جندى.

وذات يوم فوجى الأهالى برهط من رجال العرب يصعدون للمدينة المحاصرة وتفتح لهم الابواب ويدخلون فى حماية الجند فى طريقهم إلى مقر الحاكم العائد قيرس، يذهل الأهالى ويتجمعوا فى طريقهم لقصر الحاكم ليفاجأو بأنه قد ابرم مع البدو معاهدة تسليم وانهم قد جاءوا لأخذ الجزية، ينهار الناس من الغضب ويقذفون الحجارة على قصر الحاكم مصرين على قتله، إلى ان يظهر لهم باكيا ويخطب فيهم خطبة عاطفية مؤثرة تزيل غضبهمولاننسى هنا أنه رجل دين متمرس على الخطابة ودغدغة قلوب المؤمنينويأخذ منهم الموافقة على المعاهدة التى كانت سرية وهاهى قد اصبحت معلومة للكافة، يوافق رجال الحاكم واليونانيين على المعاهدة فلايجد الشعب امامه مفر من التسليم بطريقة أقرب ماتكون إلى التراجيديا اليونانية الفجة..

لم يستطع المقوقس أن يبقى خطته فى ستر الخفاء بعد ذلك طويلا، فقد علم أهل الأسكندرية بالأمر بغتة، فقد فاجأهم طلوع فئة من العرب على المدينة، وماكان أشد عجبهم ودهشتهم مما علموا، إذ عرفوا عند ذلك لم يأتى ليقاتلهم بل أتى ليحمل الجزية التى اتفق عليها قيرس المقوقس فى عقد الصلح الذى طلبه وكتبه معهم على تسليم المدينة، فهاج الناس وثار ثائرهم لما سمعوا، وذهبوا غير مصدقين حتى أتوا قصر البطريك، وكان الخطر فى تلك اللحظة محدقا بحياته، إذ تهافت عليه الناس يريدون أن يحصوه يرجموه“.

ولكنه استطاع بماأوتى من بلاغة وفصاحة على تخفيف جنايته، وتهوين خيانته، فى مقالته التى قالها للناس، وجعل يبرر ماكان منه قائلا: إنه إنما أضطر إلى ركوب الصعب إضطرارا إذ لم يكن منه بد، وماقصد إلا مصلحة قومه وفائدة أبنائهم، وأن الصلح حقن دمائهم وأمنهم على نفسهم وأموالهم وديانتهم، ومن أراد أن يعيش فى أرض مسيحية كان له الخيار فى ترك الأسكندرية، وماكان أمر الخيار بين الهجرة من الأسكندرية وبين الإذعان للمسلمين بالأمر الهين، وبكى المقوقس وهو يطلب من الناس أن يصدقوا أنه بذل جهده فى أمرهم وأن عليهم أن يرضوا بالصلح فلم يتمالك البطريرك ومن معه إلا أن يرضوا.

بهذا استطاع قيرس المقوقس مرة أخرى أن يفوز برأيه المشئوم، وأخذ الناس يجمعون قسط الجزية التى فرضت عليهم، ووضعوا المال فى سفينة خرجت من الباب الجنوبى الذى تدخل منه الترعة، وذهب به المقوقس بنفسه ليحمله إلى قائد المسلمين. ( فتح مصر، ألفريد بتلر، ص 354 (.

بسقوط الأسكندرية بعد الفسطاط فى يد البدو دون قتال، صارت مصر تحت سيطرة البدو، صحيح أن هناك مدنا وقرى كثيرة مازالت خارج سيطرتهم، واقتضى الأمر مدة تخطت العام لإخضاعها بعد ذلك، ولكن يبقى أن سقوط الأسكندرية هو المحطة النهائية لليونانيين فى مصر، وبداية دخول البدو بتقاليدهم وأخلاقهم إلى مصر الفراعنة.

وهكذا جلس العربى المسلم البدوى السعودى عمرو بن العاص على عرش مصر، ليصبح أول حاكم إسلامى للمحروسة، ويخلف على العرش حور محب وإخناتون ورمسيس الثانى وحتشبسوت، وغيرهم وغيرهن من عظماء التاريخ.

وطالما أصبح حاكما لمصرنا إذن فلابد وأن نعرف عنه كل شى، فمن هو عمرو بن العاص الذى أصبح فرعونا فى بلدنا؟.!

إبن العاهرة…..!

كانت النابغة أم عمرو بن العاص بغيا “عاهرة” وأرخصهن أجرة، فوقع عليها أبو لهب وأميه ابن خلف الجمحى، وهشام ابن المغيرة، وأبو سفيان، والعاص ابن وائل، فولدت عمرو، فادعاه كل منهم، فحكمت أمه فيه فقالت: هو من العاص، فقال أبو سفيان: أما أنى لاأشك أنى وضعته فى رحم أمه، فأبت إلا العاص. ( شرح نهج البلاغة، ابن أبى حديد، ج2 ص 100 (.!

والطريف أن أمه عندما سألوها لماذا نسبتى الطفل إلى العاص ابن وائل، مع أنه أقرب شبها بأبى سفيان، قالت: لأنه كان ينفق على بناتى.!!!

وكانت هذه القصة مشهورة جدا وكان عمرو يعير بذلك، وعيره بذلك على وعثمان والحسن وعمار بن ياسر، وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم”. ( السيرة الحلبية، برهان الدين الحلبى، باب تزويج عبد الله أبى النبى من آمنة(.!

وعلى من يريد مزيدا من المعلومات عن هذه القصة الطريفة مراجعة الكتب الإسلامية المحترمة والمعترف بها على أنها أصح كتب بعد القرآنمثل: السيرة الحلبية، العقد الفريد، بلاغات النساء، ربيع الأبرار، الروض الأنف، المناظر، ثمرات الأوراق، مروج الذهب ومعادن الجوهر، عيون الأخبار، الكامل للمبرد، وعشرات الكتب الأخرى التى ذكرت تلك الواقعة بينما تكتم عليها علمائنا.

ونحن نظن أن النابغة ليس إسما لأم عمرو، بل ربما كانت صفة لها، باعتبار أنها محترفة وماهرة أى نابغة فى تأدية عملها، ولأنها تتبع نظرية السعر الرخيص فى سبيل زيادة التسويق، حتى أنها تعاشر خمسة من وجهاء قريش معا، وبالطبع هناك العشرات وربما المئات من الصعاليك الذين يمتلكون أجرتها الرخيصة.

إذن فقد كان أول حاكم إسلامى لمصر المحروسة إبن عاهرة، وحتى لايفاجأ أحد بهذا اللقب ويتطاول علينا، فنحن مجرد ناقلين للأخبار من مصادرها المعترف بها إسلاميا، وعندما نقول عمرو بن العاهرة فإننا لانسبه، بل نصفه كما وصفه الصحابة والتابعين وكما ورد فى السير العالية القيمة.
ونتساءل: ألم يجد الخليفة عمر واجهة للإسلام فى مصر أفضل من ابن عاهرة؟ وكيف يقنع القبط فى مصر بالإنضواء تحت حكمه وتحت شرع الإسلام بينما هم ينظرون إليه باحتقار حتى ولو فى قرارة أنفسهم، وهل هانت مصر على البدو وعلى نفسها إلى حد أن يجلس على عرشها إبن عاهرة؟على كل هذا الموقف يدلنا على المنحدر الذى دخلنا إليه على يد البدو.!

الصعلوك…..!

تقدم معاوية لخطبة فاطمة بنت قيس، فاستشارت النبى صلى الله عليه وآله، فقال لها: وأما معاوية فصعلوك لامال له”.( صحيح البخارى، ج6، ص 193 )، ( صحيح مسلم، ج4، ص 195 ).!

إذن أول صفات فرعون مصر البدوى هى أنه صعلوك بشهادة سيد الخلق نفسه

الصعلوك لغويا تعنى الفقير، وهو مصطلح يطلق أيضا على أولئك القوم الذين لايحترمون الأعراف والتقاليد، وهو يقابل المصطلح العامى المصرى “صايع“.

إذن فالنبى شخصيا يشهد على معاوية بأنه صايع فى البخارى ومسلم أصح كتب بعد القرآن، ليضاف إلى صفته كإبن عاهرة صفة أخرى وهى “الصايع“.!!

الجبان….!

تعرض عمرو بن العاص لعلى يوما من أيام صفين، وظن أنه يطمع منه فى غرة “أى فى غفلة” فيصيبه، فحمل عليه على عليه السلام فلما كاد أن يخالطه أذرى “أى ألقى” نفسه عن فرسه، ورفع ثوبه، وشغر برجله فبدت عورته، فصرف عليه السلام وجهه عنه، وقام معفرا بالتراب، هاربا على رجليه، ورجع إلى معاوية فقال: ماصنعت ياأبا عبد الله؟ فقال: لقينى على فصرعنى، قال: إحمد الله وعورتك، وفى لفظ ابن كثير: إحمد الله واحمد إستك. ( كتاب صفين، ل نصر بن مزاحم الكوفى، شرح ابن ابى الحديد، ص 216)، ( تاريخ ابن كثير، ج 7 ص 263 (.!

ويورد العقاد هذه القصة ويعلق عليها قائلا: “وليس بالعجيب من طبيعة عمرو أن يلوذ بالحيطة غير حافل بمقال الناس إذا خاف على حياته، وأيقن من ضياع دينه ودنياه”.( عمرو بن العاص، عباس محمود العقاد، ص 238 ).!

بالطبع قصة فى قمة الحقارة والخسة والجبن، على يهجم على معاوية فى المعركة ليقتله، يخاف معاوية على عمره، فلا يتردد فى أن يرفع جلبابه ويبدى سوأته لعلى، يعنى تعرى وفلقس كالراكع فى الصلاة، فيخجل على من النظر إلى إست عمرو فينصرف عنه، ويحيا عمرو بعار إسته إلى اليوم إلى درجة أن معاوية قال له: إحمد الله وإستك الذى أنجاك من الموت.
بالله عليكم هل هذه أخلاق رجال؟ هل هذه أخلاق فرعون يجلس على عرش مصر؟ هل هذه أخلاق مسلم من خير أمة أخرجت للناس جاء إلى مصر ليهدى قبطها إلى الحق والخير والجمال؟ نترك لضمائركم الحكم.

ويقال أنه لما كشف عن إسته أمام على قال: مكره أخاك لابطل، وهو أول من قال هذا المثل فى هذا اليوم. ( مروج الذهب، المسعودى، ج2 ص 25 (.!

على الأقل هاهو يقول لنا مثلا مازلنا نردده لليوم، رغم أننا لانعلم المناسبة التى قيلت فيه هذه العبارة، ومدى حقارتها وحقارة قائلها.

إذن أيها السادة إستطاع عمرو بن العاص أن يحتل مصر بجيش لايتعدى الأربعة آلاف بدوى، ليس عن طريق الحرب بل عن طريق الخيانة، ولعل هذا الموقف يوضح لنا تصميم عمرو على الغزو بينما تردد عمر بن الخطاب فى الموافقة، فيبدو أن عمرو قد إستطاع الوصول إلى المقوقس قبل الغزو واتفق معه على تسليم مصر بمقابل مازلنا نجهله، فتحمس عمرو الجبان، بينما تردد عمر الشجاع خوفا من أن يكون الخائن قيرس خائنا لعمرو لا للمصريين وينصب فخا للجيش البدوى.

واستسلمت الأسكندرية التى كان فىها حينذاك الكثيرين من الأقباط الذين هربوا من قراهم ليتحصنوا فى الأسكندرية، فلما أسلم قيرس المدينة للبدو، ذهب إليه الأقباط طالبين منه أن يتوسط لهم عند عمرو بن العاص لكى يرجعوا إلى قراهم مرة أخرى، وبالفعل نقل قيرس هذا الطلب إلى ابن العاص، ولكن كان دوره فقد إنتهى وأصبح الآن عديم الجدوى، فهو مكروه من القبط ومن اليونان على وجه سواء، فرفض عمرو طلبه بدون تردد باعتباره يتعامل مع خائن لايستحق الإحترام، ولاقيمة له من الناحية العملية، فقد خسر الشرف وخسر جميع الأطراف، ويبدو أن هذا الموقف قد أثر فى نفسية المقوقس كثيرا، فقد كان يطمع فى حكم الأسكندرية تحت سيادة العرب، ولكن هاهو يخسر كل شئ، والجميع يحتقره باعتباره خائن غير أهل للثقة.
وفى يوم أحد السعف حاول قيرس الإنتحار بأن بأن مص السم الموجود فى خاتمه، ليموت يوم الخميس 21 مارس سنة 642 ميتة حقيرة تليق بخائن خلد إسمه فى سجل العار، وأصبحت مصر بسببه ولاية إسلامية يحكمها جبان إبن عاهرة .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد شومان. Bookmark the permalink.