لزوم العلمانية للعقلانية

د. مراد وهبة مراد وهبة

قرأت ببالغ التقدير والإعزاز مقال صديقى الفقيه الدستورى الأستاذ الدكتور يحيى الجمل المنشور بجريدة «المصرى اليوم» بتاريخ ٢١/ ١/٢٠١٣ تحت عنوان «جبهة الشباب الليبرالى». ومقاله موجه إلى هؤلاء الشباب بمناسبة عقد مؤتمرهم الأول فى إحدى قاعات نقابة الصحفيين يوم الأربعاء الموافق ١٦/١/ ٢٠١٣. وجاءت جلستى إلى جوار ذلك الصديق الذى أُكن له تحية تقدير ليس أعمق منها لعلمه وتواضعه بغير ادعاء. وكنا سوياً فى نشوة سياسية إزاء هذا الحشد من شباب مصر ومن نخبة منتقاة من أجل تأسيس الليبرالية فى مصر للتحرر من الأصولية الدينية القابضة على نظام حكم مماثل لنظام حكم كان قائما فى العصور الوسطى، أو بالأدق فى زمن أفول العقل. أما عن كلمتى التى ألقيتها فى ذلك المؤتمر فقد دارت على «رباعية الديمقراطية» المكونة من العلمانية ونظرية العقد الاجتماعى والتنوير والليبرالية، والعلمانية هنا هى نقطة البداية فى تأسيس الديمقراطية، إذ نشأت فى القرن السادس عشر فى أوروبا عندما أعلن العالِم الفلكى البولندى كوبرنيكس أن الأرض ليست مركزاً للكون، إذ هى تدور حول الشمس مع كواكب أخرى، ومن ثم فهى متحركة، ومن حيث هى كذلك فهى متغيرة، وتغيرها يفرض على العقل الإنسانى أن تكون معارفه نسبية وليست مطلقة، ومن هنا جاء تعريفى للعلمانية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق»، ومن ثم يمتنع الإنسان عن الوقوع فى وَهْم أن بإمكانه اقتناص الحقيقة المطلقة، ويترتب على ذلك بالضرورة بزوغ نظرية العقد الاجتماعى فى القرن السابع عشر، التى تعنى أن المجتمع يتأسس باتفاق جماعة من البشر على التنازل عن بعض حقوقهم للحاكم فى مقابل أن يكون ضامناً لأمنهم وسلامتهم. ومغزى هذا العقد أن تمتنع أى سلطة دينية عن الادعاء بأنها هى المؤسِسة للمجتمع. والتنوير لازم من العلمانية ونظرية العقد الاجتماعى، لأنه يعنى أن العقل سلطان نفسه، أى أنه ليس من حق أى سلطان آخر أيا كان أن يزعم أنه بديل عن العقل، أما الليبرالية فتقع فى نهاية المطاف إذ هى تعنى أن سلطان الفرد فوق سلطان المجتمع. وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إنه لاديمقراطية بلا علمانية، ولا ليبرالية بلا علمانية. ومن هنا اختتمت كلمتى قائلاً: لأنكم ليبراليون فأنتم علمانيون.

واللافت للانتباه فى مقال الفقيه الدستورى الأستاذ الدكتور يحيى الجمل أنه تحفظ على كلمة «علمانية» ليس لأنه يرفضها إنما لأن «كثيراً من الناس يخلطون بين العلمانية والكفر بالأديان». ولهذا فإنه يفضل كلمة «عقلانية». وعند هذه الملحوظة أرغب فى إجراء حوار قد يتسع لمشاركة آخرين، إذ إن التحفظ على كلمة «العلمانية» وإيثار كلمة «العقلانية» جدير بأن يكون موضع حوار لا يقف عند حد النخبة إنما يتجاوزه إلى حد رجل الشارع، لأن رجل الشارع «الآن» بفضل القنوات الفضائية أصبح على وعى بأفكار كنا نظن أنه محصن ضدها.

والسؤال إذن:

هل العقلانية بديل العلمانية على نحو ما يرى الأستاذ الدكتور يحيى الجمل؟

ونجيب بسؤال:

ما العقلانية؟

العقلانية مذهب فلسفى يدور على أن للعقل وجوداً قائماً بذاته، وأن هذا العقل يشتهى اقتناص الحقيقة المطلقة، بل محكوم عليه بأن يكون كذلك. ومع ذلك فإنه ليس فى إمكانه أن يكون كذلك لأنه أداة بشرية وليست أداة إلهية. هذا بالإضافة إلى أن الإنسان ينشد اقتناص الحقيقة المطلقة بحكم إحساسه بعدم السكينة فى هذا الكون المجهول، ومن هنا أصبح من الميسور بزوغ ما أطلقت عليه مصطلح «مُلاك الحقيقة المطلقة». وهؤلاء الملاك هم إرهابيون بالضرورة بحكم أن الحقيقة المطلقة واحدة ولا تقبل التعدد، لأن المطلق واحد ولا يقبل وجود غيره من المطلقات. وإذا حدث وتعددت فالصراع ينشأ بينها بالضرورة والبقاء للأصلح، وهؤلاء المُلاك فى كل ذلك واهمون.

والسؤال إذن:

كيف تزيل هذا الوهم؟

بالعلمانية، لأنها من حيث هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى، وليس بما هو مطلق فهى منوطة بمنع العقل من الوقوع فى وَهْم امتلاك الحقيقة المطلقة، وإذا أردت مزيداً من الفهم فانظر إلى حال مصر فى هذا الزمان فماذا ترى؟ مُلاكاً لحقيقة مطلقة ترهب مَنْ يعارضها إلى حد القتل. وليس من علاج لهؤلاء سوى تطعيمهم بمصل العلمانية، وبغير هذا المصل لا أمل فى أى تقدم، إذ التخلف هو البديل، وليس من بديل سواه

Print Friendly
This entry was posted in د. مراد وهبة and tagged , . Bookmark the permalink.