ماعادت نساء مصر من لعب ولا رجالها لمن غلب

هشام حتاتهمصري

يقول الراوى ياساده ياكرام : ان عمر بن الخطاب ارسل لابن العاص يسأله عن احوال مصر ويطالبه بوصفها كأنى انظر اليها فارسل له الاخير يقول عن مصر : ( نيلها عجب ومائها عذب وارضها ذهب ونسائها لعب ورجالها مع من غلب )

تتباين العبارات بين راوى وآخر وبين منكر نسبة هذا القول لابن العاص ومؤكده وان كان اول من اشار اليها هو المسعودي في كتابه مروج الذهب حيث يقول ونسبها الى آخر ولم ينسبها الى ابن العاص: ( ووصف آخر مصر فقال : نيلها عجب، وأرضها ذهب، وخيرها جلب، وملكها سلب، ومالها رغب، وفي أهلها صخب، وطاعتهم رهب، وسلامهم شعب، وحربهم حرب، وهي لمن غلب) وقيل ايضا ان من قالها احد الحكماء .

فسواء قالها بن العاص او قالها آخر او قالها احد الحكماء ، فهى فى الحقيقة تعبيرا لا يبعد عن الحقيقة كثيرا فى وصف شخصية مصر عندما دخلها بن العاص حتى ان احتلالها تم بسته آلاف محارب فقط لاغير وعندما طلب عمرو المدد ارسل له اثنين فقط قائلا ان كل منهم بألف وهم على مااذكر ( القعقاع بن عمرو والمقداد ابن الاسود – اسماء غريبة مش كده … القعقاع والمقداد ههههه – )

فاذا كانت مصر هى اول حكومة مركزية فى التاريخ واول حضارة واول فجر للضمير الانسانى الا انها ايضا اول دولة فى المنطقة ظلت محتله لمدة 2500 عام بداية من الاحتلال الفارسى لمصر عام 525 ق.م وحتى القرن العشرين بعد الميلاد ، وعندما دخلها العرب كانت محتله لمدة الف عام من الاحتلال الفارسى الاول ثم الثانى ثم اليونانى ثم الرومانى وهى مدة كفيلة لكسر ارادة اى شعب ، واذا اضفنا الصراع بين الكنيسة الرومانية والكنيسة المصرية حول بعض الامور اللاهوتية والرغبة الرومانية فى فرض تصوراتها الكنسية على التصورات المصرية واضطهاد رجال الدين المصريين وهروبهم الى اديرة الصحراء فيما عرف بعص الآلام لعرفنا ان مصر كانت وقتها فى حال يرثى لها على اى مستوى انسانى وهى بانية الحضارة وصانعة التاريخ .

ــ نسائها من لعب وفى قول آخر ( من لبن ) ليس المقصود منها المراة اللعوب او المراة الغانية ولكن المقصود هو الفرق بين خشونه وقذارة نساء جزيرة العرب وبين نظافة وليونه المراة المصرية ، وقد وضح المفسرون القدامى هذا المعنى ، وربما استطيع ان اضيف من عندى ان العرب وجدوا فى مصر النساء مع الرجال جنبا الى جنب فى الزراعة وجنى المحصول وبناء البيوت وهم يتصايحون ويتضاحكونويغنون كعادتهم فى الريف المصرى حتى الآن ولم يعرف الفلاح المصرى الهوس الجنسى المتجذر لدى الشخصية البدوية ولم يعرف اصحاب الرايات الحمر .

ــ ورجالها لمن غلب هى المشكلة ….. فقد مرت الف عام من الاحتلال الفارسى المعروف بالعنف والقسوة ، وان كانت فترة الاحتلال اليونانى مع الاسكندر الاكبر اكثر تحضرا ورقيا الا ان الاضطهاد والقمع الرومانى بلغ منتهاه بسبب خلاف الكنيستين . الف عام من الاحتلال والعبودية والاضطهاد كفيلة بان تكسر اى روح للمقاومة خصوصا ان السيد الجديد القادم من جزيرة العرب لم يطلب منهم سوى الجزية ويترك لهم حرية دينهم على الا يتساووا مع المحتل العربى فى الملبس أوركوب الخيل أو الاعلان عن طقوسهم ……. الخ ورغم ذل الجزية ( عن يد وهم صاغرون ) والاجحاف والظلم فى التفرقة بينهم وبين السيد المحتل حتى انه فرض على اى مصرى ( مولى ) ان يضايف اى من السيدة ينزل عليه ضيفا لمدة ثلاثة ايام حتى لو باع كل مايملك ، ومازلنا حتى الان نفخر بهذه القمولة ونعتبرها من شيم الكرماء ( الضيافة عندنا ثلاثة ايام ) دون ان نعلم اصلها الاستبداى ، اقول ورغم كل هذه قبلها المصرى جميعا من اجل ديانته التى يؤمن بها .

ومع استمرار الاحتلال لالف وخمسائة عام اخرى امتلأ القاموس المصرى بالامثلة التى تعبر عن المدى الذى وصل اليه المصرى من الذله والخنوع : اللى يتحوز امى اقولة يابا – دارهم مادمت فى دارهم – اذا مررت على قوم يعبدون العجل حش البرسيم واديله – اربط الحمار مكان مايريد صاحبه – ………. الخ

ومرادفا للذله والخنوع جاء بطبيعة الاشياء اللؤم والنفاق والتسليم بالامر الواقع والاخيره قام رجال الدين بتدشينها تحت اوهام القضاء والقدر ، وكلّ مقدر ومكتوب ، وحاكم غشوم افضل من فتنه تدوم . ووضع لها العامة حكمة متوارثة : اصبر على جار السوء … اما يرحل او تاتيه مصيبه

واصبح الخنوع المصرى معروفا لدى كل من حكمها ومن عايشها ، واذكر ان الراحل ياسرعرفات قال يوما عن المصريين : انهم مثل مسحوق الغسيل سرعان مايهدأ ، او حسب المثل : تنام نار تصبح رماد ، او كما حكى عن اللورد كرومر انه قال عن الشعب المصرى انه : شعب يجمعه المزمار وتفرقة العصا

وتحت اول حكم مصرى بعد عام 1952 و( ارفع رأسك يا اخى ) تاسست الدولة البوليسية وتنامت مع عصر السادات وازدات عنفا مع المخلوع …. ولكن ومع ثورة المعلومات اصبح العالم قرية صغيرة ونقلت لنا الاقمار الصناعية رياح التغيير ثم تلاها الانترنت والفيسبوك ، ومع الدعم الغربى لحقوق الانسان وانطلاق الاعلام والصحافة المستقلة الى افاق جديدة …. حتى قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ، لم يكن احدا منا يتصور ان جهاز الشرطة العتيد ينهار امام المتظاهرين فيما لايزيد عن ثلاثة ايام ، عندما رأى ان الهالة المقدسة والمرعبة فى ذات الوقت لجهاز الشرطة تنفجر فاذا كل ماكان بداخلها هو مجرد هواء وهراء فالبالون كلما زاد انتفخاخه كلما اصبح اكثر عرضه للانفجار ، وكانت شكة الدبوس التى قضت عليه هم شباب الثورة ، عندما رأى جلادية يهربون مههرولين من امامه .

** هنا …… وهنا فقط ايها السادة انكسر حاجز الخوف .

ومع تعالى سقف المطالب يستجيب المحلس الاعلى للقوات السملحة لضغوط الشارع ويتم تحويل رئيسه وكل رموز نظامه الى المحاكمات ويراهم خلف القضيان

** وهنا تبدا الثقة بالنفس بعد انكسار حاجز الخوف

وعندما يرى المرشحون سواء لمجلس الشعب او للرئاسة يستابقون على صوته

** هنا شعر انه من اصحاب هذا الوطن وليس احد رعاياه

انكسرت التابوهات وهذا فى راييى وماكتبت عنه مرارا هو الانجاز الاكبر للثورة حتى اننا نستطيع ان نقسم تاريخ مصر الى ثلاثة اقسام :
– الاولى من عصر التوحيد على يد مينا نارمز حتى الاحتلال الهكسوسى

– الثانية من الاحتلال الهكسوسى حتى ثورة 25 يناير 2011

– الثالثة بداية عصر جديد بمفاهيم جديدة بروح مصرية جديدة تماما

جاء الاخوان وفى ذهنيتهم : مات الملك …… عاش الملك ، وسيأتى اهل الحل والعقد والوجهاء وكبار الاعيان ليقدموا واجب الولاء والطاعه لولى النعم او لولى الامر الجديد القادم متدثرا بعباءة الدين ، ولم يدركواالتغييرات النفسية العميقة التى اصبحت جزءا لا يتجزأ من الشخصية الجديدة للشعب ، وان قهر الفيى وخمسمائة عام من الحكم الاجنبى او الوطنى الظالم ولى الى حيث رجعه بل ان رد الفعل كان فى احيان كثيرة مغاليا فيه تنفيسا عن شدة القهر وطول السنين . فمن تذوق طعم الحرية لن يتنازل عنها ابدا

فوجئ الاخوان بشعب ثائر .. ثائر على كل شئ ، سقف مطالبه عاليا فى العيش وفى الحرية وفى العداله الاجتماعية … شعب عرف بعد وصولهم للحكم انهم كاذبون وغير مؤهلون للقيادة وليس لديهم كوادر قادرة عل القيادة كما اوهموا الناس ، وان مشروع النهضة ضحك على الدقون ، ولم تتفجر الخيرات كما وعدوا بل شاهدوا ان الاختناقات الاقتصادية تزيد كل يوم ، ومن 200 مليار قادمة معهم ن او حتى 20 مليار وعد بها القرضاوى اذا تم اقرار الدستور ، وجد الحكومة تستجدى صندوق النقد لقرض لاتزيد قيمته عن خمسة مليارات ……. !!!!

بدا الاعلام حملته القاسية عليهم وبدا الناس فى الشارع فى انتقادهم عينانا بيانا ، وبعد التزوير المفضوح لقرار الدستور فى المرحلة حصلوا على 52 % بالكاد وفى المرحجلة الثانية بعد تكثيف التزوير حصلوا على 64 %

انصار الدولة المدنية يتزايدون كل يوم ….. وامام الضغط يصدر القرضاوى من منبر الازهر فى خطبته الاخيرة صك تبرئه للعلمانيين والليبراليين من تهمة الكفر.

وامام هذا المأزق ومع زيادة حدة الانتقادات على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون بدأت الحرب على الاعلاميين والصحفيين بجرجرتهم كل يوم الى المحاكم بتهمئة اهانة الرئيس لعلهم يستطيعوا اسكاتهم عن اثارة الناس حيث يعتقدون انهم السبب فى هذه الاثارة ، ولكنهم لايعلمون مااشرنا اليه سابقا من الروح المصرية الجديدة التى طرات بعد ثورة 25 يناير

وبدأت الموجه الاولى مع الاعلاميين محمود سعد ، باسم يوسف ، ابراهيم عيسى ، عبدالحليم قنديل ، خالد صلاح ………… الخ وآخرهم اليوم هو الصحفى جمال فهمى وكيل نقابة الصحفيين …..!!!

الغريب فى الامر ان تهمة اهانة الرئيس هى تهمة موجودة قديمة جديدة ولكن الجديد فيها هى اننا لم نسمع او نعرف ان عبدالناصر او السادات استعملها ولا حتى مبارك فى الخمسة والعشرين عاما الاولى من حكمه ، ولم نسمع بها الا فى اواخر عصر مبارك عندما آلت امور الدولة لنجله جمال وشريكه احمد عز حيث قاموا بدفع عدد من المحاميين ( الشرفاء …. !! ) برفع هذه القضايا . الا ان الجديد فى عصر سيدنا الشيخ محمد مرسى ان عدد القضايا المرفوعة ضد الاعلاميين والصحفيين بهذه التهمة فى الثلاثة شهور الماضية تزيد عما حدث فى الخسمة سنوات السابقة التى اشرنا اليها من حكم ( جمال – عز ) والملاحظة الثانية وهى الشئ الجديد ان الادارة القانونية برئاسة الجمهورية هى التى قامت برفع عدد من هذه القضايا ، اى ان الرئيس استخدم رئاسية الجمهورية مباشرة فى توجيه هذه التهم وكان الاحرى به ان يقوم بتوكيل محامى لرفع هذه القضايا نيابة عنه وعلى نفقته ، ولكن اقحام رئاسة الجمهورية فى رفع هذه القضايا فهى بالاضافة الى انها الاولى من نوعها فهى ايضا ترسخ مفهوما جديدا وهو ان الجالس فى قصر الرئاسة من المعصومين ( آيات الله ) الذى لايجوز المساس بذاته العلية ولهذا تتصدى لهم الرئاسة لانه ( هو الدولة ) لترسخ مفهوم جديد آخر وهو ان الرئيس هو الدولة والدولة هى الرئيس نفس مفهوم وهو نفس المفهوم الذى ساد العصور الوسطى والدول التسلطية ( فرنسا انا ) .

لا ياسيدنا الشيخ ….. نساء مصر ماعادت من لعب فقد اقلعوا عن الغناء وغابت عنهم الابتسامه واختفى بعضهم خلف الخيمة السوداء كالغربان رضاء لطاعة الله وطاعة الزوج الاله ، والبعض الاخر ارتدى الاسدال والبقية الباقية ارتدت الحجاب لتضع على رأسها قطعة من قماش لتدخل بها الجنة .

وماعاد رجالها لمن غلب ….. فان الروح الجديدة هى تأريخ ( تأأأأريخ ) جديد لشعب جديد لن ينفع فيه قول المرشد ( ان جنود مصر طيعين ولكنهم يحتاجون قيادة ) عصر بن العاص انتهى فلم يعد امامك شعبا طيع كما تتخيل ، فلا تعيشوا فى اوهام ( رجالها لمن غلب ) فقد اطل فجر جديد .

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in هشام حتاتة and tagged , . Bookmark the permalink.