دستور مرسى وسلب ثروات المصريين بالأوقاف 9-2

 ( 9 / 2 ) الاوقاف وملكية الاخوان لأرض مصر احمد منصور

د. احمد صبحي منصور

أولا : فقه الملكية بين الاسلام والتشريع السّنى

1 ـ سبق القول أنه يمكن تسكين الوقف فى التشريع الاسلامى بأن يكون صدقة جارية ناشئة عن عقار أو أرض زراعية أو مشروع يوقف بلا بيع ليكون محبوسا وموقوفا ليدرّ ريعا يوجّه للبرّ . كل ذلك فى إطار التشريع الاسلامى فى الزكاة المالية والانفاق فى سبيله جل وعلا ، أى يجب أن يأتى من مال حلال ، وأن يكون التبرع إبتغاء مرضاة الله جل وعلا بلا منّ ولا أذى ، وأن يتوجه فى الخير والبرّ أى للمستحقين أو أن يكون جهادا فى سبيله جل وعلا.

2 ـ الأصل هنا ينبع من حقيقتين : الأولى : إن الله جل وعلا هو المالك الحقيقى للثروة ، ونحن البشر مخوّلون فيها بالتصرف فى الزمن الذى نحياه فى هذا الكوكب فى الحياة الدنيا ، ثم بعدها فان الله جل وعلا هو الذى يرث الأرض ومن عليها ، واليه يكون مصيرنا يوم القيامة حيث سيكون الحساب على إختبارنا فى هذه الدنيا . من هنا نفهم قوله جل وعلا يأمرنا : ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) الحديد)،أى علينا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه ليكون لنا الأجر الكبير. أى إنّ من ينفق ممّا إستخلفه الله فيه من مال فإن الله جل وعلا هو الذى يتولى مكافأته :( وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) سبأ ). أمّا الذى يبخل فإنّما يبخل على نفسه : (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ (38)( محمد)،أى إن الذى يبخل هو الذى يحرم نفسه من فضل الله جل وعلا . الحقيقة الثانية هى حرية البشر المطلقة فى الدين من إيمان وعبادة ، ومنه تقديم الزكاة المالية .. وهنا يكون التعامل المباشر مع رب العزّة على أساس من حرية البشر فى الاختيار ، حيث لا يوجد فى الاسلام إكراه فى الدين ، ولا إرغام فى تأدية العبادات ولا إجبار فى جمع الصدقات والنفقات فى سبيل الله ، ولهذا فإن الله جل وعلا عاقب المنافقين البخلاء بعدم قبول الزكاة المالية منهم ، فقال جل وعلا : ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) التوبة ) . ومن حق الدولة الاسلامية القائمة على الديمقراطية المباشرة ( أو الشورى ) أن تفرض من خلال الديمقراطية ضرائب لتغطى نفقات الدولة وتلبى حاجتها . وليس هذا داخلا فى موضوع الانفاق فى سبيل الله جل وعلا والزكاة المالية والصدقات ، بل هو إلتزام بين الفرد ودولته فى إطار العقد الاجتماعى .

3 ـ من هنا يظهر التناقض بين الاسلام ودولة المسلمين ، بداية من خلافة أبى بكر الذى قاتل العرب الممتنعين عن دفع الزكاة مخالفا القرآن الكريم، حيث لا إجبار ولا إرغام ولا إكراه فى الدين وعباداته من صلاة وزكاة وصوم وحج وذكر لله جل وعلا . ولكنها قريش بإستعلائها وجبروتها الذى ظهر سريعا فى بيعة السقيفة وتهميش الأنصار ، ثم فرض السطوة على العرب الذين دخلوا فى الاسلام أفواجا فى حياة خاتم النبيين ففوجئوا بعد موته بعودة الهيمنة القرشية فثاروا واشتعلت حرب الردة ، وكان أساطين قريش الذين دخلوا فى الاسلام حديثا هم قواد الصحابة فى هذه الحرب ، وبعد انتصار قريش رأت قريش تحويل قوة الأعراب الحربية للخارج بدلا من عودتهم للثورة فكانت الفتوحات التى كانت هى الردّة الحقيقية عن الاسلام ، لأن هذه الفتوحات العربية القرشية (وما ترتب عليها من الفتنة الكبرى وتأسيس امبراطوريات قرشية )كانت هى المناخ الذى تأسست فيه أديان المسلمين الأرضية التى لا تزال سائدة حتى الآن .
4 ـ ولأن تلك الفتوحات كانت عصيانا سافرا للاسلام فكان أمام المسلمين الاختيار بين شيئين : إما التوبة والرجوع الى صحرائهم وترك البلاد المفتوحة لأهلها ، وإمّا تبرير وتسويغ وتشريع هذه الفتوحات وما ترتب عليها . وقام بهذا الدين السّنى الذى تخصص فى التشريع . وتم هذا فى العصر العباسى الذى شهد رواج صناعة الأحاديث وصناعة الفقه والتشريع الآثم الذى يتفق مع السائد فى ثقافة العصور الوسطى ، والذى يلبى حاجة الخلفاء ليكون الخليفة العباسى بنفس سطوة كسرى وهرقل . وتم التعامل مع القرآن الكريم بإلغاء تشريعاته بزعم النسخ ، وتغييب مفاهيمه بالتأويل و ( التفسير
) و ( علوم القرآن ) ، وتمت صناعة شخصية للنبى محمد عليه السلام فى السيرة وفى السّنة تناقض شخصيته فى القرآن الكريم . وصيغ حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ..) ليبرر ويشرّع الاكراه فى الدين والغزو والاعتداء على البشر جميعا . وأعلن الخليفة أبو جعفر المنصور أنه سلطان الله فى أرضه ، ووضع أساس التشريع بأن الخليفة هو الراعى والناس هم الرعية التى يملكها ، وأنه الذى يملك الأرض ومن عليها . وجاء الفقه السّنى بالقعيد والتشريع لهذا الظلم . وظهر المصطلح الفقهى فى ( الأرض المفتوحة عنوة ) أى بالاعتداء والقوة وخضوع أهلها بالاكراه للفاتحين ، ومصطلح ( الأرض المفتوحة صلحا ) أى أرغمهم الفاتحون على الخضوع بمعاهدة صلح . وفى كل الأحوال فالأرض يملكها الخليفة أو ( الإمام ) بالتعبير الفقهى .
5 ـ هنا أساس التناقض بين شرع الاسلام وشرائع المسلمين فى موضوع ملكية الأرض ومواردها وثرواتها . ففى الاسلام فإن الله جل وعلا هو وحده المالك ، وهو الذى خوّلنا فى التملك ، وأمرنا بالسعى فى الأرض وجعلها لنا ذلولا لنحصل منها على رزقه جلّ وعلا
:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) الملك ). وهذا السعى للجميع وفق تكافؤ الفرص لكل سائل أى باحث عن الرزق والقوت، أى هو لجميع السائلين سواء :( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) فصلت ) . والمجتمع يتكون من جميع أولئك الأفراد الذين يعيشون على رقعة من الأرض ، وهم بتخويل رب العزة لهم فى ثروة تلك الأرض يكون مجتمعهم بسلطته السياسية هو المسئول عن تلك الأرض وثروتها وأموالها ، وللفرد حق فى ( ماله ) إذا أحسن إستغلاله والقيام عليه ، فإذا ظهر أنه سفيه فليس له هذا الحق فى إدارة المال الذى ورثه ، بل يعود حق إدارة المال للمجتمع الذى يقوم بتنمية هذا المال وكفالة حق هذا السفيه : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ..(6) النساء ). وبسبب إختلاف قدرات البشر فلا بد من وجود تفاوت فى الرزق ، وهنا يكون التكافل الاجتماعى بإعطاء حقوق المحتاجين والانفاق مما خولنا الله جل وعلا فيه .هذا هو الاسلام . أما فى الشرع السّنى فالخليفة هو الذى يملك الأرض ومن عليها بحجة ( الفتح عنوة ) .
ثانيا : بين الفتح عنوة والوقف فى التشريع السّنى

1 ـ يأتى التساؤل هنا عن صلة هذا بموضوع الوقف . فالخليفة ( أو السلطان ) لا يمكن أن يباشر الزراعة والصناعة بنفسه وجنده . هو محتاج للرعية أن تزرع وأن تنتج ، ويكتفى هو بجباية الخراج . وهو ايضا محتاج الى طبقة تعينه على الحكم من قوّاد وولاة وموظفين وقضاة وفقهاء . ولا بد لهم من مرتبات ، سواء كانت (إقطاعات ) أى ( يُقطع ) لهم مساحات من الأرض يملّكها لهم لتكون (إقطاعا أو إقطاعيات )، أو يعطيهم المرتبات . وبالتالى تتكون طبقة ( إقطاعية ) وثرية تملك بعض الأرض التى يملكها الخليفة أو السلطان . أى تشارك السلطان بعض الفتات مما يملك ، وهو يسمح بهذا لأنه محتاج الى هذه الطبقة من العسكر والكهنة والكتبة . والسلطان وأتباعه وحاشيته قد يلجأ للوقف أى حبس بعض العقارات والأراضى ليستغل ريعها فى الانفاق على مشروع يستفيد به ، وهذا سنتعرض له فى حينه . وعند التعارض بين السلطان وبعض أتباعه أصحاب الأوقاف يظهر الجدل بين الوقف والملكية التى للسلطان على أرضه التى يملكها ويحكم أهلها . فقد لا يعجب السلطان تغوّل الوقف على الأراضى الزراعية التى يعتبرها ملكا له ، وقد يخشى من طموح بعض أتباعه وكثرة الأوقاف التابعة لهم ، وقد يطمع فى مصادرة أموال بعضهم ، وبعض أوقافهم التى قد تحصّنت بالوقف لتقيه من المصادرة . هنا يثور الجدل بين الملكية التى للسلطان والأوقاف التى للآخرين .

2 ـ وحدث هذا الجدل فى العصر العباسى ، وتعرض له الفقيه القاضى الماوردى فى (الأحكام السلطانية )، وكالعادة إختلف الفقهاء، ليس فقط لأن التشريع السّنى قائم على الاختلاف والشقاق بين المذاهب الأربعة وداخلها ، ولكن أيضا لأن الخلاف يتناول موضوعا قديما سبق ظهور هؤلاء الفقهاء، وهو ماهية الفتح (لمصر مثلا)، والى أى مدى يكون عنوة أو صلحا،وهل تضمن الصلح بين عمرو بن العاص والمقوقس تلك الخلافات الفقهية التى تفرع فيها الفقه السّنى فى العصر العباسى ؟ وقيلت آراء متعددة، منها أن الفتح عنوة يجعل الأرض غنيمة للفاتحين ، أو تكون ( وقفا ) على المسلمين بخراج يدفعه المزارعون، وقالوا إن عمر بن الخطّاب جعل الأراض ملكية عامة للمسلمين الفاتحين ، وقالوا أن للإمام ( أى الحاكم ) ولاية عامة على هذه الملكية وتلك الثروة ، ومن خلالها يكون مطلق التصرف فى ( مصالح المسلمين ) ، وطبعا دون رقيب أو مساءلة !.

3 ـ المضحك أن كل خليفة عباسى جعل نفسه وارثا للفاتحين القدامى ، أى يملك الأرض ومن عليها ، مع أنه ( وارث ) لما فتحه السابقون ،ولم يفتح شيئا (ولا حتى زجاجة كوكاكولا ).!

المضحك أكثر أن يزعم السطان المملوكى هذا أيضا، وهو الذى جىء به لمصر رقيقا ( مملوكا ) ، ثم أصبح حرا وجنديا فقائدا ثم سلطانا . وبالسلطنة يزعم أنه له حق ( الفتح عنوة ).!. فالظاهر بيبرس البندقدارى ( نسبة لسيده البندقدار الذى إشتراه من قبل صبيا ) أراد الاستيلاء على أوقاف الآخرين بحجة أن أرض مصر قد فتحها عمرو عنوة وصارت لبيت المال ، وبالتالى فمن حقه الاستيلاء على أوقاف غيره ، مع أنه ( الظاهر بيبرس ) كانت له أوقاف .! ، وتكرر نفس الفعل من برقوق حين كان الأمير الكبير المتحكم فى السلطنة عام 780 . وطبعا لا ننتظر من بيبرس أو قلاوون أن يتكلم بهذه اللغة الفقهية . هى نصائح ووساوس الفقهاء .

المضحك أكثر وأكثر أن الوهابية إستعادت فى عصرنا تلك المفاهيم الظالمة البالية . فالامام السعودى ـ أى الحاكم السعودى ، يملك ما يفتحه من أرض ، بل يملك سكان هذه الأرض . ولهذا أطلق عبد العزيز آل سعود على مملكته إسم عائلته ( السعودية ) عام 1932 .

المضحك أكثر وأكثر وأكثر أن الإخوان ( المستحلّين ) يرون لأنفسهم نفس الحق فى تملك مصر . وليس غريبا أن نسمع عن وثيقتهم فى ( إعادة فتح مصر ) ، بل ويجاهر دعاة السلفية بأن رئاسة مرسى تعنى ( دخول الاسلام لمصر ) أو ما يعنى ( فتح مصر) . بل يذرف بعضهم الدموع على ضياع ملكيتهم فى الاندلس ، ويتمنون عودتها .!!

أخيرا

1 ـ ليس هذا مضحكا .. بل هو أمر جدّى يعمل له الاخوان بكل همة ، ومن الان . والارهاصات تتجلى واضحة : فالتمكين يستلزم قوة مسلحة ، وهم يستوردون الأسلحة ويؤسسون الميليشيات المسلحة . والاصلاح الاقتصادى يستلزم روشتة باهظة ، ولكنهم يستعيضون عنه بما أسموه بالصكوك الاسلامية ، أى يعرضون مصر بمواردها وأرضها وسيادتها وكنوزها للبيع لكل من هبّ ودبّ ، وسيكونون الشركاء لأنهم ( مالكو مصر ) طبقا لمذاهب أهل السّنة والجماعة ، بحكم أنها مفتوحة عنوة .!!

2 ـ وبالتمكين وطبقا لمذاهب أهل السنة والجماعة وبثقافة الفتوحات والأرض المفتوحة عنوة سيفرضون قانون الوقف ليستولوا به على الأوقاف الموجودة وعلى غيرها من أملاك المصريين من مسلمين وأقباط ، وفقا لما ساد فى العصر المملوكى ..

3 ـ فما الذى كان يحدث فى العصر المملوكى ؟

Print Friendly
This entry was posted in د.أحمد صبحى منصور. Bookmark the permalink.