قُلْ لِي يَا مَوْلانَا : التَّظَاهُرُ حَلالٌ أَمْ حَرامٌ أَمْ مَكْرُوه؟

د. بليغ حمدي إسماعيلبليغ

كالعادة ، كل يوم وليلة يزداد المواطن عجباً ودهشة من أمر رجال السياسة الذين اعتلوا مشهد الحياة السياسية في مصر رغم إخفاقهم التاريخي في برلمان الثورة المنحل بقرار قضائي قبل فرض الحراسة على القضاء والعدالة ،ويبدو أن بعض هذه القيادات الحزبية السياسية لم تتعلم الدرس جيداً عندما كانت تصول وتجول وتخطب في برلمان حجب المواقع الإباحية والمسدسات البلاستيكية والخراطيش الفشنك مروراً طبعاً برفع الأذان داخل قاعة المجلس الرئيسة .  

وخير دليل على ذلك استمرار تخبط بعض قيادات حزب الحرية والعدالة في تصريحاتهم حول وجود قانون حق التظاهر ، وللذين يعانون من فقد الذاكرة التدريجي المعروف علمياً بالألزهايمر ، نقول لهم إن مجلس الشعب المنحل والحمد لله قد قام وقتها بإعداد مشروع من خلال  المناقشات التى جرت فى اجتماعات اللجنة المشتركة من لجنتى حقوق الإنسان والتشريعية حول حق التظاهر وتم عرضه على المجلس المنحل للبت فيه ، نعم تركنا وقتها والحمد لله كل أزمات المحروسة بدءاً من الأموال المهربة للخارج مروراً بالمتهمين المهربين للخارج والغاز المصدر للخارج ومناجم الذهب الممنوحة لمستثمري الخارج ، والمسئولين الذين ذهبوا بأموال المصريين للخارج ، وأغمضنا أعيينا عن الداخل تحديداً عن مشكلات الاقتصاد الداخلية والدين العام المحلي وأموال الصناديق التعليمية السوداء التابعة لرئاسة مجلس الوزراء والتي تشرف على كارثة إنسانية تعليمية اسمها مدارس النيل المصرية هي الوجه الحقيقي لإهدار المال العام في مصر دون رقيب أو حساب.

ورحنا بعدها نقر أن البلاد ستشهد فصولاً جديدة من هذيان التظاهر والإضرابات والاضطرابات المحمومة ، بل والمجلس من خلال مشروعه أقر حقيقة مطلقة بأن الاعتصامات والتظاهرات ستكون سنة متبعة في البلاد بين العباد ، وستتسم بالاستدامة والاستمرارية وعدم الحل فيها بدليل وجود نص مشروع للتظاهر .. والله عليك يا مصر ..

واللجنة خلصت ساعتها أن حق التظاهر هو من الحقوق الإنسانية التي أقرتها العديد من الدول ، فالمجلس ترك كل حقوق الإنسان من العيش والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية واستمسك بحق التظاهر الذي سيفرق حتماً بقوات الأمن المصرية المزودة بأدوات حرب وليس معدات أمنية سلمية .

وأكدت اللجنة التي أضاعت وقتها ووقتنا وأهدرت أعصابنا في تحديد شرائط وضوابط للتظاهر لأن الشعب المصري نفسه وقف فوق الدبابة والمدرعة وكسر لافتات الشوارع و حطم إنارة الميادين وهو يتظاهر ، لكن المجلس يبدو أنه كان يقرر ويشرع لمواطنين آخرين غير الذين شاهدناهم في شارع محمد محمود والشيخ ريحان ومجلس الوزراء . ومن ضمن هذه الشرائط والضوابط ضرورة أن يمارس هذا الحق أي التظاهر  فى إطار المحافظة على حرمة الملكية الخاصة، بحيث لا يتم التعدى عليها أو استغلالها دون إذن من أصحابها أو رغبتهم، وكذلك الحفاظ على المنشآت الحكومية واستمرار سير العمل فيها فضلا على الحفاظ على سير الحركة المرورية فى الطرق العمومية سواء للمواطنين أو السيارات، مع التأكيد على منع حمل الأسلحة من أى نوع والامتناع عن القيام بأى أعمال من شأنها إن تعرض أرواح المواطنين أو ممتلكاتهم أو المنشآت العامة للخطر.

وشددت اللجنة على وضع عقوبات رادعة لأولئك المتظاهرين لأن المجلس يعلم تماماً طبيعة الشعب المصري الذي اعتاد بعض طوائفه على عدم احترام القانون والدستور أيضاً رغم أنه لم يعد من الأساس ، فقررت اللجنة عقاب الخارجين على نص المشروع بالحبس ، وبالطبع في الأقسام الخالية من ضباط الشرطة المشغولين حالياً بإعفاء اللحية أو بمسامحة الشعب لهم والأخذ بأيديهم من جديد ، أو بالغرامة المالية باعتبار أن المواطنين بقي لديهم أموال يدخرونها للمستقبل .

ولأن اللجنة الممثلة لمجلس الشعب تركت كل مصائب مصر ومثالبها وأزماتها التي تكاد تعصف بها وراحت تدشن مشروعاً يضمن التظاهر السلمي الأمن لها وللحكومة ، راحت تكتب فصولاً وأبواباً متفرعة من هذه الفصول لمشروعهم الذي لا ولن يلتزم به المتظاهرون وخصوصاً بعد حل المجلس المنحل، وسرعان ما انتهى الأمر حتى عاد من جديد فتحه لمناقشته بمجلس الشورى ، ولكن في الوقت الذي علمت فيه بنص المشروع الذي ينتوى تقديمه وعرضه على هذا المجلس شاهدت محاولات قطع طريق ، وحالات من الفوضى أمام مصلحة حكومية ، ومجموعة من محترفي الموتيسكلات لا أعرفهم هل هم من المجرمين اللصوص ؟ أم هم في سباق لرالي موتيسكل الحواري المصرية الضيقة .

ويبدو أن القيادات السياسية الحزبية التي تؤكدة تارة تقديم مشروع للتظاهر وتارة أخرى تنفي هذا لم تطالع وكالات الأنباء العالمية ، حينما شددت على ألا يكون المسجد والكنيسة مقراً للتظاهر ، فالأسبوع الماضي ذكرت بعض وكالات الأنباء أن بعض خطباء المساجد قد يضربون عن إلقاء خطبة الجمعة الأسابيع المقبلة ، بالله عليكم هل هذه مصر التي كنا ننشدها ونحن نسقط نظاماً سياسياً فاسداً .

وعودة حميدة إلى نص المشروع الرائع والماتع ، حيث سيشترط أن يقوم كل من يريد تنظيم اجتماع عام أو تجمع سلمى إخطار الجهة الإدارية المختصة قبل عقد الاجتماع بثلاثة أيام على الأقل وتنقص هذه المدة إلى أربع وعشرين ساعة إذا كان الاجتماع انتخابيا، وأن يكون الإخطار شاملا لبيان الزمان والمكان المحددين للاجتماع ولبيان موضوعه، ونص القانون على أنه يجوز لجهة الإدارة منع الاجتماع إذا رأوا إن من شأنه إن يترتب عليه اضطراب فى النظام العام أو الأمن العام بسبب الغاية منه، أو بسبب ظروف الزمان والمكان الملابسة له.

ووفقاً لهذه الشروط فمن باب أولى إلغائه أيضاً ، كنت أتمنى من مجلس الشورى أن يقوم بتحقيق مطامح ومطالب الشعب بدلاً من الوقوف مكتوف الأيدي أمام إضرابات واعتصامات تهدد استقرار هذا الوطن .ووفقاً لحالات اللغط السياسي الذي تشهده مصر سواء في التصريحات أو التنبؤات السياسية بدا اليوم موضوع التظاهر عرضة للمناقشة في برامج الفضائيات الدينية حول مشروعيته من الأساس وهل هو حلال أم حرام أم مكروه أم مندوب أم في بعض الأوقات يكون مستحباً ، وهكذا يبدو أن من قدر مصر أن تظل غائبة عن واقعها وحياتها الفعلية.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل. Bookmark the permalink.