!سؤال مباشر

د. إلهام مانع elham

 كيف تم جمع القرآن الكريم؟

أضع السؤال بصورة مباشرة، بلا لف ولا دوران، لا أرقص حوله، بل أقدمه هكذا… عاريا.

أسألكم وأنا أضع يدي على قلبي، خوفاً ورهبة.

لأني أدري أني بسؤالي هذا بدأت أخرج من “دائرة الفكر المغلقة”، تلك التي تقول لنا كيف يجب علينا التفكير، وتحدد لنا ما يصلح لنا أن نفكر فيه، وما لا يصلح.

هذا سؤال يندرج في خانة ما “لا يصلح التفكير” فيه في ثقافتنا، قضية “محظور التفكير” فيها.

المس بها يعتبر مساً بالمقدس في الإسلام.

وأنا مصرة أني بسؤالي هذا لم أمس ما هو مقدس في الإسلام، فالمقدس هو الله عز وجل، ويليه الإنسان، والسعي إلى خير البشرية.

 إذن، كيف تم جمع القرآن الكريم؟

الكثير من كتب التراث تطرقت إلى هذه القضية.

تعرضت لها بوضوح نفتقر إليه اليوم.

تقول لنا إن عملية جمع المصحف الشريف تمت على ثلاثة مراحل تاريخية.

 المرحلة الأولى هي مرحلة النزول، التي تمت على مدى عشرين عاماً، وفيه كانت نصوصه ُتكتب بصورة شخصية ومتفرقة من قبل الصحابة، لكنه لم يكن مجموعاً كنص كلي، كما لم ترتب آياته. 

 المرحلة الثانية تمت في خلافة أبو بكر الصديق، الذي استجاب لنصح عمر بن الخطاب بجمع صحف القرآن، بسبب تزايد مقتل حافظي القرآن من الصحابة.

وهنا كانت عملية الجمع تتم بأسلوب تدخل فيه التقدير الشخصي للجامعين. لذلك نجد على سبيل المثال أن زيدا بن ثابت لم يكتب آية الرجم رغم أن عمر بن الخطاب هو الذي أتى بها، لأنه ببساطة الوحيد الذي قال بها، كما لم يكتب أخر سورة براءة لأنه لم يجدها مكتوبة إلا عند صحابي واحد.

 أما المرحلة الثالثة فقد جرت وقائعها في عهد الخليفة عثمان بن عفان، الذي استجاب لخوف صحابي من الاختلاف الحادث بين المسلمين في قراءة نصوص القرآن، فقرر أن يدون هذه الصحف ويجمعها ويرتبها في كتاب واحد، و”أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يُحرق”.

  بعبارة أخرى، كانت هناك صيغ متعددة للقرآن الذي نقرأه اليوم، لكن هذه الصيغ تم إحراقها بأمر من الخليفة، حتى لا يختلف المسلمون عليها.

 هذه باختصار المراحل التي جُمع فيها القرآن.

ورغم وفرة ما هو مكتوب عنها في كتب التراث، فإن القليل القليل من المفكرين، كالدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد أركون، تعرض إلى تداعيات عملية الجمع هذه.

الوحيد الذي أشار إليها بلغة واضحة مفهومة لا مواربة فيها هو المفكر الدكتور أحمد البغدادي في كتابه “تجديد الفكر الديني: دعوة لاستخدام العقل”.

 فقد أوضح أن السؤال “كيف نثق عند جمع القرآن بالصحابة الذين حفظوا أو كتبوا الآيات على الجلد أو العظام؟”، هذا السؤال طرحه العالم المسلم جلال الدين السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن”، الذي توفي عام 1505 ميلادية!!

أي قبل خمسة قرون من اليوم، ورغم أنه طرح هذا السؤال بهذه الصيغة فإن أحداً آنذاك لم يفكر في قتله.

 بكلمات أخرى، كون أن القرآن الكريم نص سماوي مقدس، لا يعني أن نرفع أيدينا عنه، كما لا يعني أن لا نتعامل معه على أنه نص لغوي، نزل في مدى زمني يزيد على العشرين عاماً، وقام بشر كثيرون خلال هذه الفترة بتدوينه،  ثم جُمعت تلك النصوص المتفرقة في ثلاث فترات تاريخية متباعدة، وقام بجمعه من جديد بشر، والبشر كما نعرف يخطئ ويصيب، يسهو… أو يتعمد السهو.

إذ ليس من المبالغة القول إن بعض هؤلاء البشر لم يكونوا حسني النية، خاصة وأن الدولة الإسلامية الفتية كانت تعايش فتنها الكبرى، وكانت العصبيات القبلية تلعب دوراً حاسماً في مواقف بعض الصحابة.

نحن نقول “قال الله تعالي” قبل قراءة أية آية قرآنية كريمة.

لكن ما الذي نعنيه فعلاً بقولنا هذا؟

 فأنا أشك كثيراً أن يكون الرسول الكريم قد ردد هذه العبارة عند تلاوته للقرآن.

وأتساءل لذلك، متى بدأنا نستخدم هذه العبارة تحديداً؟ وأؤكد لكم أن الإجابة على هذا السؤال ستدهشنا.

وسؤالي الأخير يجر معه سؤال آخر: ما دمنا متفقين على أن الملاك جبريل هو مبلغ الوحي إلى الرسول، والرسول عليه السلام هو الذي كان ينطق بها إلى المسلمين، فكيف نقول إذن “قال الله تعالي”؟

مجرد تقديم هذه العبارة قبل تلاوة الآيات القرآنية الكريمة يضع الأخيرة في مجال غير قابل للنقاش، لا يمكن معه الاقتراب منها، في مجال خارج عن نطاق التاريخ، ومعه نطاق التفكير.

ولذلك لا نخاف فقط، بل نفزع ونرتعب من تناول هذا الموضوع إلا من زوايا “حميدة”، لا تتسبب في “وجع الرأس”.

 وننسى ونحن في القرن الحادي والعشرين أن جماعة فكرية كالمعتزلة تناولت هذه المسألة بطريقتها في القرن الحادي عشر، قبل عشرة قرون، تخيلوا؟ وخرجت برأي أن القرآن “مخلوق”.

وكما مع العالم السيوطي، فإن فكرة تكفيرها لم تطرأ حينها على بال أحد. 

تم تكفيرها فيما بعد، بعد أن رجحت كفة الإمام الغزالي، ونجح أنصار هذا التيار في طمس معظم تراث هذه الجماعة، وأصبحنا اليوم لا نجد إلا قلة من المفكرين يتطرق إلى فلسفة هذه الجماعة، التي انفردت بأن جعلت من “تقديم العقل على النص” أساساً فكرياً لرؤيتها للوجود.

 فعلت ذلك قبل عشرة قرون! 

سيسـأل البعض، وهم محقون في تساؤلهم، لماذا كان يجب علي كسر هذا المحظور بالتحديد؟

وأرد قائلة: لأن عدم المس به جر علينا محاكم التفتيش التي تقام كل الفينة والأخرى لكل من يجرؤ على التفكير.

فالكثير يفاخر اليوم، دون وجه حق، بأن الإسلام لم يعرف جبروت وسطوة الكنيسة الكاثوليكية كما عرفناها في القرون الوسطى.

لكن، أسألكم بعزته، أمنتكم بالله تعالي آماناً، ألا نشهد هذه السطوة والجبروت في عصرنا الحالي؟

ألا نعايشها واقعاً فكرياً مراً؟

كالعلقم!

ألا تقام محاكم التفتيش لكل من يجرؤ على الخروج من “دائرة التفكير المغلقة”؟

يكفرونه، يهدرون دمه، ثم يحاولون قتله، لأنه خرج برأي مخالف!

 وإذا لم يكن الأمر كذلك، كيف نسمي إذن مقتل الدكتور فرج فودة؟

كيف نسمي إذن طعن الأديب نجيب محفوظ؟

كيف نسمي التفريق بين المفكر نصر حامد أبو زيد وزوجته، رغم أنهما مصران أنهما متزوجان على سنة الله ورسوله؟

وكيف نسمي محاكم التفتيش التي يواجهها الدكتور أحمد البغدادي بين كل حين؟

 كيف نسمي منع الكتب والبحوث، ككتاب “تدوين السنة” للباحث إبراهيم فوزي، التي تجرؤ على الخروج عن الخط الرسمي لتفسير الإسلام ومعه خط السلطة الحاكمة؟

“نمنع الكتاب”.

تمعنوا في هذه العبارة: “نمنع الكتاب”.

“نخاف من السطور”.

“نخشى من مضمونها”.

أيُ كيان هش نحن إذن؟

 وأخيراً، كيف نسمي الهجمة التي تعرض لها الدكتور زكي يماني بسبب مقال كتبه، أشار فيه إلى عثوره في مكتبة الفاتيكان على مخطوطة كُتبت عليها آيات من القرآن بحروف غير منقطة، والتي دلت الدراسات العلمية أن عمرها تجاوز 1250 عاماً، وأن الباحثين افترضوا أن بعض كتّاب الوحي من بني أمية لم يسلموا ما لديهم أو بعضه من آيات الكتاب الحكيم.

 تعرض الرجل إلى هجمة إعلامية شرسة لأنه أراد ببساطة أن يُبلغ هذا الخبر إلى القراء.

والكارثة الحقيقية، النكبة الفعلية، أننا لم نسمع صوتاً، صوتاً واحداً فقط، يرتفع ويتساءل: “ترى ما هو مضمون هذه الآيات؟ ما الذي تقوله؟ وهل هي مدونة في المصحف الشريف أم لا؟”

 لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها من الممكن القبول بأي رأي مغاير للرؤية المحنطة السائدة اليوم للدين الإسلامي.

ولأن الأمر كذلك أصبحت سمة الفضول وحب الاستطلاع – الضرورية للبحث، الأساسية لأي مجتمع يريد أن يدخل إلى التاريخ، ويتقدم على سطوره – جريمة يعاقب عليها القانون.

وكان لابد لذلك من قتلها.

وكان لابد لذلك من وأدها في مهدها.

 وقناعتنا أن هناك “حدوداً” لما يمكننا أن نفكر فيه،

أن هناك جوانب “محظور التفكير” فيها،

أن هناك “دائرة مغلقة للتفكير”،

 هي الأعراض المرضية لهذه المرحلة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in إلهام مانع and tagged , . Bookmark the permalink.