أمريكا والأخوان المسلمين

 مجدي خليل د.مجدي خليل

مما لا شك فيه أن هناك حوارا أمريكيا أخوانيا قد جرى حول شكل الحكم فى مصر وربما فى الشرق الأوسط منذ ما يعرف بالربيع العربى، ولكن السؤال المتداول بكثرة ما هو دور أمريكا بالضبط فى وصول الاخوان لحكم مصر؟، وهل هناك تعاون أمريكى أخوانى فى صياغة مستقبل الشرق الأوسط؟.

عندما نتناول هذا الحديث الشائك نواجه بنظريتين، الاولى تقول أن كل ما حدث وسيحدث هو من تخطيط أمريكا منذ سنوات طويلة لتسليم المنطقة للإسلاميين لتخريب هذه المنطقة، وأن أنتفاضات الربيع العربى هى سيناريوهات تم إعدادها بإحكام فى الدوائر المخابراتية فى واشنطن.هذا الافتراض يأخذ بنظرية المؤامرة إلى أوسع مدى ويفترض أن العالم عبارة عن عجينة لينة تشكلها أمريكا كما ترغب، وهى أفتراضات  فيها بعض الصحة  ولكن مبالغ فيها جدا وتخرج عن الرؤية الواقعية. هناك نظرية أخرى سمعتها من كثير من المسئولين  السياسيين فى واشنطن بأن أمريكا لم تساند الاخوان وأنها تعاملت مع الواقع الجديد فى الشرق الأوسط حفاظا على مصالحها، وهذه النظرية أيضا مرفوضة لأنها تفترض أن قوة عظمى بحجم أمريكا لا يعدو دورها سوى الفرجة على ما يدور حول العالم دون أن تكون لاعب مشارك فيه بأى درجة.

بين هذين النظريتين هناك الرؤية الثالثة الواقعية والتى تترجم وقائع وقرائن ملموسة وبعضها معلن عنه.

 فى البداية لا بد من توضيح أن أمريكا ليست غريبة عن الاخوان المسلمين فلديهم بها أنشطة ومنظمات واستثمارات مالية منذ ما يزيد عن خمسة عقود، وبالاخص من خلال علاقتهم وتواجدهم فى السعودية بعد أن فروا اليها أيام عبد الناصر، عمل الاخوان على تأسيس تواجد لهم فى القارة الأمريكية  بدأ بمنظمة صغيرة عام 1963 وهى رابطة الطلاب المسلمين واستمروا فى تأسيس منظمات اكبر مثل الترست الإسلامى بأمريكا الشمالية عام 1971،والمعهد العالمى للفكر الإسلامى عام 1980، ومجلس شورى الاخوان بأمريكا عام 1980، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية عام 1981، وأتحاد فلسطين الإسلامى عام 1981 والذى أسس بدوره صندوق الأرض المحتلة والذى تحول لاحقا إلى مؤسسة الأرض المقدسة، والمجلس الأمريكى الإسلامى عام 1990، والجمعية الإسلامية الأمريكية عام 1992، علاوة على اجتماع التنظيم الدولى للاخوان المسلمين عدة مرات بأمريكا وخاصة أعوام 1977،1978،1979.وكان للاخوان قيادات معروفة فى أمريكا مثل زيد النعمان واحمد القاضى ومحمد اكرام علوانى ومستثمرون كبار مثل يوسف ندا.

نعود إلى نقطة البدء فى التفكير فى احتواء التيارات الإسلامية فى العالم ومنها الاخوان المسلمين، كان ذلك بعد احداث 11 سبتمبر 2001، فمع أول طلقة على افغانستان رافقها تفكير أمريكى فى الحل السياسى للمعضلة الإسلامية، فالتعامل مع هذه التيارات لن يكون على طول الوقت حربا لا تنتهى، وبالتالى لابد من استيعاب هذه الظاهرة سياسيا. كان التفكير المبدئى لإدارة بوش أن حرمان هذه الدول من المشاركة السياسة من خلال الديموقراطية هو الذى انتج ظاهرة الإرهاب الدولى، وأن مطاردة هؤلاء فى دولهم  يجعلهم يفرون بفائض عنفهم وكراهيتهم ويوجهونها إلى الغرب. الحل واضح إذن وهو امتصاص هذه الطاقة الزائدة فى عملية سياسية محلية تستوعب هؤلاء. اختار بوش العراق ليكون نقطة البدء فى دمقرطة المنطقة وبناء الشرق الاوسط الجديد، ومنها كما خطط تنتشر الديموقراطية بنظرية الدومينو. فشلت التجربة الديموقراطية فى العراق نتيجة خروج الكراهية الطائفية من القمقم  من ناحية ونتيجة تعاون كل دول الجوار سواء العربى أو الإيرانى لإفشال تجربة بوش ومن ثم وقف تصدير هذه الديموقراطية الأمريكية من ناحية أخرى. على الفور تم البحث فى البديل الثانى وهو إستيعاب هؤلاء الإسلاميين فى بلدانهم من خلال حكم الإسلاميين ذاته للمنطقة. من قلب القاهرة قالت كوندليزا رايس عام 2005 أننا لا نمانع فى وصول الإسلاميين للحكم، وبدأت عجلة التروييج لهم فى واشنطن ولندن ومدريد وبروكسل من خلال عشرات الندوات والمؤتمرات واللقاءات حول مشاركة الإسلاميين فى الحكم، الكثير منها بتمويل قطرى وبضوء اخضر أمريكى واضح ومؤكد. ومع التمويل القطرى لهذا الاتجاه تحولت قناة الجزيرة لدعم المشروع الإسلامى،أى تولى الإسلاميين الحكم من خلال الانتخابات، حتى أصبحت الجزيرة المنبر الإعلامى الرسمى لجماعة الاخوان المسلمين والتيارات الإسلامية فى المنطقة، وتمدد الدور القطرى ودور قناة الجزيرة خلال ما يسمى بانتفاضات الربيع العربى لتسريع عملية التحول نحو أخونة المنطقة، وبعد ذلك لفتح حوارات موسعة مع الأمريكيين حول شكل الحكم ومتطلباته وشروط التعاون الغربى وخاصة تعاون أمريكا مع الاخوان.

لم تنقطع الرحلات المكوكية بين واشنطن والقاهرة، ولم تنقطع المشاورات التليفونية الساخنة بين البيت الأبيض ومكتب الإرشاد فى المقطم منذ سقوط مبارك، حتى أن دبلوماسى غربى فى القاهرة  قال لى نكتة سياسية معبرة عن هذا الوضع يتداولها الدبلوماسيون الاجانب فى مصر، من أن الفرق بين توقيت قرارات مرسى والرجوع عنها هو فرق التوقيت بين مكتب الإرشاد والبيت الأبيض…………..والمعنى واضح.

فى البداية كانت الشروط الأمريكية هى1- مراعاة المصالح الأمريكية فى المنطقة،2-الابتعاد عن إيران،3- الحفاظ على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية،4- الاحتكام سياسيا لصناديق الانتخابات،5- مراعاة حقوق النساء والاقليات. وقد وافق الاخوان على الشروط جميعها حتى ولو كان الأمر كنوع من التقية.

وقد جاء موضوع غزة ليزيد الثقة بين إدارة أوباما والاخوان، وقد مدح أوباما مرسى بافراط بعد التهدئة فى غزة، وقد قدم الاخوان بالفعل ما لم يقدمه رئيس مصرى آخر لأمريكا، فماذا قدم مرسى لأوباما فى هذا الصدد:1- تعهد بأنه لن يطلق صاروخ واحد ولا رصاصة ولا عملية من حماس ضد إسرائيل فى السنوات الأربعة القادمة، وهى فترة أوباما الثانية. 2- أن مصر تتعهد بمراقبة المعابر والانفاق لعدم تهريب أى أسلحة لحماس 3- أنه سيسمح لأمريكا بوضع أجهزة متطورة على الحدود لكى تراقب المعابر بنفسها 4- فى حالة عدم القدرة على السيطرة على العنف القادم من سيناء وقتها سوف يسمح بدخول قوات أمريكية لحراسة الحدود المصرية مع غزة. باختصار رفع يد حماس عن إسرائيل فى مقابل اطلاق يد الاخوان فى مصر، بل والادهى من ذلك أن هناك كلاما جادا  يدور حول مشاورات قطرية مصرية أمريكية لتجاوز السلطة الفلسطينية وفتح حوار مباشر مع حماس يعقبه مباحثات سياسية قد تفضى إلى توقيع معاهده سلام  منفردة بين حماس وإسرائيل.

فى نفس الوقت بدأ الموضوع فى الاردن يأخذ منحى آخر بإعلان الامير حسن عن تفكير أردنى فى عودة الربط بين الأردن والضفة، وهو ما قد يفضى فى المستقبل إلى نزوح الفلسطينيين إلى الوطن الأردنى البديل المندمج فى الضفة مع دمج قطاع غزة ليعود كما كان تحت السيادة المصرية وتنتهى القضية الفلسطينية عند هذا الحل.

وقد بدأت بعض الاصوات فى غزة المتعاونة مع إيران ترفض هذا المشروع القطرى وعلى رأسهم الزهار والجعبرى والجهاد الإسلامى، وقيل أن الجعبرى قد دفع حياته ثمنا لهذا الصراع.

خلاصة القول أن مبارك سلم حكم مصر للجيش ممثلا فى المجلس العسكرى ولكن المجلس العسكرى وبالتعاون مع أمريكا سلم الحكم للأخوان، وقد كان مبارك  هو الأذكى سياسيا فى هذا وهو يعلم نية أمريكا، وقد قالها مباشرة للدكتور حسام بدراوى بأن أمريكا تخطط منذ عام 2005 لتسليم الحكم للأخوان، ولكن المجلس العسكرى لم يحفظ الأمانة ويسلمها للشعب ربما نتيجة لصفقات مع الاخوان، ربما نتيجة لزيادة الضغوط الأمريكية عليه ،وربما لقلة خبرتهم فى السياسة.. المهم تضافرت كل العومل التى جعلت مصر فى قبضة الأخوان.

هل حدث أى جديد فى الرؤية الأمريكية؟

نعم بعد خروج الملايين من المصريين إلى الشوارع وخاصة يوم  الثلاثاء 4 ديسمبر2012، وبعد صموت القضاء أمام الاخوان، وبعد أخطاء مرسى المتكررة، وبعد صدور الإعلان الدستورى  الذى يؤسس للإستبداد الدينى، وبعد اصرار الاخوان على تمرير هذا الدستور الكارثى غير التوافقى.بدأ القلق الأمريكى على الوضع فى مصر وسقطت بعض القناعات من أن الاخوان يملكون زمام الشارع، وجاءت تصريحات على استحياء بأننا على مسافة واحدة من جميع الاطراف.

الكرة الآن فى ملعب المصريين ليعيدوا صناعة التاريخ مرة أخرى لصالح الشعب ولصالح الوطن ولصالح المستقبل وليس الماضى… ويبقى الآمل فى أن ينتصر صوت الشعب وتنتصر إرادته.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. مجدي خليل. Bookmark the permalink.