الرفاه المُنتظَر والمرجعية المنشودة

السيد نصر الدين السيد السيد نصر

“الرفاه” Wellbeing هو الهدف الرئيسى الذى يسعى لتحقيقه أى نظام سياسى يتولى إدارة شئون المجتمع أيا كانت مرجعيته. ومن ثم تتوقف شرعية أى نظام، وشرعية بقاءه فى السلطة، على مدى نجاحه فى تحقيق هذا الهدف فى “عالم الشهادة” لا فى “عالم الغيب”.

و”الرفاه”، طبقا للمعاجم العربية كالمعجم الوسيط على سبيل المثال، هو “رغد العيش وسعة الرزق والخصب والنعيم”. إلا أن مثل هذا التعريف، بكلماته الفضفاضة، لايرضى “الفرنجة” من سكان الدول المتقدمة و”الكافرة” … ! … سواء كانوا فى أوروبا وأمريكا الشمالية أو كانوا من المتشبهين بهم والموالين لهم من سكان الدول الأسيوية الناهضة. فهؤلاء القوم تضبط أفعالهم “عقلانية الفعل” ويحكم ذهنيتهم منطق العلم ومبادئه وعلى رأسها مبدأ “مرجعية الواقع” لا “مرجعية النص”. والمرجعية الأخيرة، “مرجعية النص”، هى تلك التى يتبناها تيار الإسلام السياسى بشتى طوائفه. وطبقا لهذه المرجعية تُقيَم الأفكار والأفعال بقدر موافقتها لتفسيرات وتخريجات الفقهاء لما جاءت به النصوص المقدسة لاطبقا لآثارها على الواقع الحى المعاش ومواءمتها له. ومن ناحية أخرى تتوقف صحة أى فكرة، طبقا لمبدأ “مرجعية الواقع”، على قدرتها على تفسير ما يدور فى الواقع من أحداث، وعلى قدرتها على تغيير هذا الواقع لصالح الإنسان. وإنطلاقا من هذا المبدأ فإن الحكم على صلاحية أى عقيدة، سياسية كانت أو غير سياسية، يقوم على قدر إسهامها فى تعزيز رفاه الإنسان. لهذا كله رأينا القوم، فى ديار الكفر …!، يتجاوزون تعريف المعاجم لمفهوم “الرفاه” ويسعون لصياغة تعريف دقيق له يتيح لهم “قياس” مستوى الرفاه لأى مجتمع. وهو التعريف الذى يُمَكِنهم من الحكم على مدى نجاح النظام السياسى الذى يحكم هذا المجتمع بطريقة موضوعية مبرأة من الأهواء.

وهكذا شهد العقد الأخير ظهور العديد من تعريفات الرفاه التى تيسر من عملية قياسه مثل “المؤشر الكندى للرفاه” Canadian Index of Wellbeing، و”مؤشر الوحدة الأسترالية للرفاه”The Australian Unity Wellbeing Index، و”مؤشر حياة أفضل” Better Life Index الذى تبنته “منظمة التعاون الإقتصادى والتنمية” (OECD) التى تضم 34 دولة أغلبها من الدول المتقدمة. وعلى الرغم من إختلاف العناصر المكونة لكل من هذه المؤشرات إلا أنها تتفق جميعا على أن قياس رفاه أى مجتمع لابد أن يأخذ فى إعتباره كلا من مقوماته المادية (أو الإقتصادية) ومقوماته المعنوية (أو غير المادية). فعلى سبيل المثال يتطلب تقدير مستوى “الرفاه الإنسانى” لمجتمع ما، طبقا لـ “مؤشر حياة أفضل”، الأخذ فى الإعتبار كلا من “المقومات المادية للمعيشة (أو الرفاه المادى)” Material Living Conditions و”جودة الحياة” Quality of Life (OECD, 2011). ويشمل المكون الأول، “الرفاه المادى”، ثلاثة عناصر هى “دخول وثروات” أفراد المجتمع، “الوظائف والأجور” و”السكن”. 

ويهتم أول عناصر “الرفاه المادى”، “الدخول والثروات”، بالموارد المالية المتاحة لدى أفراد المجتمع والتى تمكنهم من إشباع حوائجهم المادية كالمأكل والملبس. كما يتيح توفر هذه الموارد فوائد غير مادية من قبيل الحصول على خدمات صحية وتعليمية متميزة. أما ثانى عناصر “الرفاه المادى”، “الوظائف والأجور”، فيعنى بمدى توفر الوظائف المناسبة لأفراد المجتمع طبقا لتعليمهم وخبراتهم، ومستوى الأجور المدفوعة لهم مقابل عملهم. وتعود أهمية هذا العنصر إلى ما توفره الوظيفة لشاغلها من مزايا. فهى تتيح لشاغلها، بالإضافة إلى عائدها المادى المتمثل فى الأجر المدفوع، الفرصة لتحقيق الذات ولإكتساب مهارات وخبرات جديدة. ويهتم آخر عناصر “الرفاه المادى”، “السكن”، بواحد من أهم حاجات الإنسان المادية وهى حاجته للمأوى الملائم. إذ تتجاوز آثار السكن السيئ أثاره السيئة على الصحة البدنية والنفسية لتشمل ما يسببه من أضرار على العلاقات العائلية والإجتماعية. 

أما المكون الثانى، “جودة الحياة”، فيتضمن ثمانية عناصر هى: “الحالة الصحية” لأفراد المجتمع، و”التوازن بين العمل والحياة الخاصة” و”التعليم والمهارات” و”الإنخراط فى الأنشطة المدنية” و”الصلات الإجتماعية” و”الجودة البيئية” و”الأمن الشخصى” و”الرفاه الذاتى”. وهى العناصر التى يستحق كل منها نظرة متأنية.

وتأتى “الحالة الصحية” لأفراد المجتمع فى مقدمة العناصر المؤثرة على جودة حياتهم. فهى تؤثر على قدرتهم على التوظف وعلى التعلم وعلى الإسهام فى الأنشطة الإجتماعية على سبيل المثال. ويعنى العنصر الثانى، “التوازن بين العمل والحياة الخاصة”، بكيفية التوزيع العادل للزمن المتاح لأفراد المجتمع بين ما يقتضيه العمل وما تتطلبه الحياة الخاصة. ويتعلق ثالث هذه العناصر، “التعليم والمهارات”، بمستوى التعليم الذى يحوزه الفرد وبطبيعة المهارات التى إكتسبها. إذ يتمتع الأفراد ذوى التعليم الجيد، أو من ذوى المهارات الخاصة، بفرص أفضل للحصول على وظائف مرتفعة الأجر. ورابع العناصر، “الإنخراط فى الأنشطة المدنية”، يتعلق بقدر حرية القول وحرية الفعل المتاحة لأفراد المجتمع. وهو الأمر الذى يمكن تقديره بمدى مشاركة أفراد المجتمع فى الأنشطة السياسية وفى أنشطة منظمات المجتمع المدنى. والعنصر الخامس “العلاقات الإجتماعية” ينطلق من كون الإنسان بالضرورة كائن إجتماعى توفر له علاقاته الإجتماعية دعما ماديا ودعما معنويا لاغنى عنهما. لذا يعتبر تواتر هذه العلاقات ونوعيتها عنصر هام من العناصر التى تسهم فى جودة حياة أفراد المجتمع. ويأخذ العنصر السادس، “الجودة البيئية”، فى الإعتبار الآثار السلبية الناشئة عن التلوث البيئى بشتى صوره. ولايمكن الحديث عن “جودة الحياة”، سواء كانت على مستوى الفرد أو المجتمع، دون التطرق لـ “الأمن الشخصى” سابع العناصر المكونة لها. إذ لاتقتصر آثار إرتفاع مستوى الجريمة فى المجتمع على ما تسببه الجرائم من أضرار مادية مباشرة بل تمتد أيضا لآثارها المعنوية. وهى الآثار التى تبدأ من إفتقاد الإحساس بالطمأنينة على مستوى الأفراد لتنتهى بما تسببه من إرباك لأنشطة المجتمع ككل. وأخيرا يهتم العنصر الثامن، “الرفاه الذاتى”، بمدى رضا أفراد المجتمع عن حياتهم، أو تقيمهم الشخصى لأحوالهم الخاصة.

وهكذا يتيح لنا تبنى مبدأ “مرجعية الواقع” آلية للحكم على صلاحية وفعالية ما يطبق من سياسات أيا كانت مرجعيتها. آلية صاغها المصريون فى واحد من أمثالهم الشعبية وهو “الميّة تكدب الغطاس”.
—————-
المراجع
OECD. 2011. Compendium of OECD Well-Being Indicators: OECD.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , . Bookmark the permalink.