زين الهاربين بن مرسي

 نضال نعيسة 

نتفهم، تماماً، أن يهرب ويفر ويقفز من مراكب الأنظمة الغارقة والساقطة والمتساقطة أو تلك الآيلة للسقوط، كل تلك الحثالات التاريخية الشهيرة والمعروفة، والتي جثت على رقاب هذه الشعوب المنكوبة لعقود من الزمان، فهذه هي طبيعة وحركة التاريخ السائرة بقوة إلى الأمام، والصاعدة إلى الأعلى والأسمى والأرقى، وأن تلك “الغربلات” المجتمعية التاريخية الدورية الكبرى، ما هي إلا عملية اصطفاء طبيعي أخرى Natural Selection ، التي تحدث عنها داروين، لكنها تتخذ طابعاً اجتماعياً وسياسياً، هذه المرة، تقوم بها المجتمعات البشرية على شكل ثورات اجتماعية وسياسية كي تنفض عن كاهلها كل تلك النفايات البشرية التي لوثتها ونغصت حياتها كي تعود لحالتها البشرية الطبيعية من الأمن والأمان والوئام الاجتماعي، فحيث يسود اللصوص والقتلة والطواغيت وقطاع الطرق والمجانين والموتورون والمسعورون والمتعصبون دينياً وإثنياً وإيديولوجياً وعرقياً لن يكون هناك سوى الصراعات والحروب والدمار الشامل، نقول نفهم ونتفهم أن يسقط هؤلاء في لحظة ما، ويترجلوا إما دهساً، أو سحلاً، أو دعساً، أو شنقاً كما حصل مع صدام حسين، أو فراراً مذلاً ومهيناً كما حدث مع زين العابدين بن علي الذي فرّ على جناح السرعة على متن طائرة رئاسية خاصة جابت أجواء المنطقة، ولم تجد مكاناً يستقبله، لكنها ألقته في النهاية في المملكة العربية السعودية .

 وقد ثارت في حينه ضجة إعلامية وسياسية هائلة واكبت عملية الهرب والفرار، مع حملة من التهكم والسخرية طالت جنرال البوليس الحديدي، الذي روّع شعب تونس الصابر الأبي لربع قرن، وأمعن في استبداده وغيـّه ولصوصيته وفساده، لكن لا يمكن لنا أن نستوعب، بالوقت ذاته، معنى أن يفر أحد رموز ما يسمى بـ”الربيع العربي” الكبار، الذين رسمت حولهم هالات من الملائكية، والطهرانية والنقاء الأسطوري، وبأنهم محررو الشعوب من الطواغيت والاضطهاد، وهو رموز ثوري “ما صار له في القصر إلا من مبارح العاصر”.

 وكيف أن زعيماً “ثورياً” لا يشق له غبار مثل محمد مرسي العياط (وهذا بالمناسبة هو لقبه العائلي)، هلل له الإعلام كثيراً وأسطره وأقنمه كثيراً، يفر تحت جنح الظلام، بتلك الصورة المهينة، ليصبح أول الفارين في حقبة “الربيع الثوري”، التي استبدلت مستبداً بمستبد، وطاغية بطاغية، وديكتاتور بديكتاتور. فما إن حل “الثوريون” الجدد في القصور الجمهورية، أو “قصور الشعب” (رجاء ممنوع السخرية والضحك) والتي لا يسمح له بالاقتراب منها، وكانت أوكاراً للمافيات واللصوص والقتلة ومصاصي دماء الشعوب، وصارت بذلك رموزاً مرعبة للاستبداد والطغيان والجبروت واستعباد الشعوب واضطهادها والتنكيل بها والنيل من كراماتها، حتى بزوا أسلافهم “الطواغيت المساكين” السابقين، وتفوقوا عليهم في المعاصي السياسة والفجور والانحلال والتبعية والارتماء في أحضان الغرب، والارتهان للقوى الخارجية ودوائر الاستخبارات ولوبيات البترودولار هنا وهناك.

 ويشكـّل الإعلان الدستوري الذي أطلقه الرئيس المصري “الثوري” مانيفستو حقيقي لولادة ومأسسة الديكتاتورية والاستبداد الشامل ليس إلا، يستجمع الرئيس، من خلالها، كل تلك السلطات التي عجز المستبدون السابقون عن جمعها، ويحيـّد، وبالقانون، السلطة القضائية ويجعلها تحت وصايته وولايته، وكان هذا، أيضاً، بمثابة إعلان صك جديد من صكوك العبودية والاستعباد للشعب المصري الذي أنهكته حقب من الاستعباد السياسي، فانتفض هذه المرة في وجه “الطاغية الثوري” الجديد، فحاصر قصره وعرشه “الثوري” الذي حملته رياح ما يسمى بالربيع العربي، وأقعدته على العرش الجمهوري، في جمهورية مرسي الأولى، وأجبرته على الفرار، والركض خوفاً على رأسه من جموع الشعب المصري الثائرة.

 لقد تنكـّر الإعلان الدستوري الشهير لكل نضالات المصريين، وازدرى تضحياتهم، وتجاهل كل معاناتهم التاريخية مع الاستبداد العسكري الناصري، والساداتي، والمباركي، وأعاد إنتاج كل ذلك الإرث الأسود متسلحاً بشرعية “ثورات الربيع العربي”، التي ظن بأنها تعطيه الحق في التطاول على، والتجاوز على حق الشعب المصري في حياة حرة وكريمة يستحقها، وتسودها قيم العدالة الاجتماعية والمساواة والمواطنة الكاملة وغير المنقوصة.

 يشكـّل هروب محمد مرسي (العياط)، بهذا الشكل المهين، وأمام عدسات التلفزيون، صفعة قوية لما سمي بـ”الثورات والربيع العربي”، ليسقط شرعيتها، مستدعياً مراجعة فورية ونقدية شاملة لكل ما حصل في المنطقة تحت يافطات التغيير والثورات، إذ لا يعيد بفراره هذا، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت، سوى مشاهد فرار طاغوت آخر في حقبة الاستبداد العربي، وبهذا الإخراج السيء والرديء والمؤلم في ذات الوقت، لا تليق، البتة برسل “الربيع”، من حـَمـِلـِة مشاعل “الثورات”، و”الثوّار” على الاستبداد والطغيان.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة and tagged . Bookmark the permalink.