ما أشبه الليلة بالبارحة.. بين مارس 54 ونوفمبر 2012 وتبادل المواقع

د. رياض محرم

بعد قبام ثورة يوليو 1952 بأقل من سنتين حدث ما يعرف بأزمة مارس 54 حيث وقع الصدام الكبير بين العسكر والداعين لعودة الجيش الى ثكناته واقامة اسس دولة مدنية ديموقراطية وعودة البرلمان ووضع دستورمدنى دائم ، وكان المفجرالرئيسى لتلك الأزمة هو إقالة مجلس قيادة الثورة للواء محمد نجيب بعد صراع قصير ومتفجر بين الطرفين وامتناع رئيس المجلس نجيب عن حضور جلسات المجلس بعد سلسلة من التجاهل والإهمال ومحاولات التهميش.

اعلن نجيب استقالته فى 24 فبراير 1954 وفى اليوم التالى قررالمجلس تعيين جمال عبد الناصر رئيسا للوزراء، وتلا ذلك أن رفض سلاح الفرسان بقيادة خالد محيى الدين القرار وهدد ضباطه بالصدام إذا لم يعد نجيب وينسحب الجيش من الحياة السياسية، فطلب عبد الناصر الاجتماع بهم لبحث مطالبهم وعندما اكتشف خلال ذلك الاجتماع تمسكهم بموقفهم واصرارهم عليه اقترح عليهم ( بعد ان استشار المجلس) ان يتم تشكيل الوزارة برئاسة خالد محي الدين لفترة انتقالية مدتها 6 اشهر يتم خلالها انتخاب جمعية تشريعية تضع دستورا دائما مع الموافقة على حل مجلس قيادة الثورة وعودة نجيب رئيسا للجمهورية، وكانت تلك خطة مدبرة من عبد الناصر (الذى كان يكره الديموقراطية ولكنه يعلن عكس ذلك) لتأليب باقى الأسلحة والضباط الأحرار ضد قيادة سلاح الفرسان وإتهام خالد محيى الدين بأن منظمته الشيوعية تحركه، وفعلا تحرك سلاح المدفعية وحاصر سلاح الفرسان بالدبابات رفضا للقرار، وعاد نجيب رئيسا للجمهورية بعد سلسلة من المظاهرات الحاشدة فى الشارع قادها الإخوان المسلمين والوفد والشيوعيين وقوى سياسية أخرى، وفى الأيام التالية وفى محاولة من النظام الجديد للسيطرة على الوضع تم القبض على عشرات من قادة هذه المظاهرات، وفى محاولة لعبد الناصر لتهدئة الوضع والإلتفاف على القوى الوطنية أصدر قرارا فى 5 مارس بإقرار البدء فى إنتخاب جمعية تأسيسية تجتمع فى نوفمبر لوضع دستور دائم والغاء الرقابة على الصحف وانهاء الاحكام العرفية قبل الإنتخابات، وفى إطار ذلك الصراع حاول نجيب تأكيد شعبيته بين الجماهير من خلال سلسلة من المؤتمرات واللقاءات الشعبية والجولات الميدانية فى مختلف انحاء الجمهورية، و سرعان ما تجدد الصراع مرة أخرى واصدر المجلس فى 25 مارس بيانا يؤكد تمسكه بقراراته السابقة وانسحاب العسكر من الحياة السياسية بمجرد انتهاء الانتخابات وتم الإفراج عن المسجونين السياسيين وعلى رأسهم الإخوان والتقى عبد الناصر بالمرشد حسن الهضيبى واعيدت للجماعة كل مقارهم وسمح لهم بمعاودة نشاطهم العلنى، ولكن عبد الناصر من جهة أخرى كان يدبر للإستئثار بالسلطة فاوعز لقيادات الصف الثانى من الضباط الاحرار بالتحرك مع القيادات العمالية الموالية للتظاهر ضد قرارات مجلس قيادة الثورة والهتاف ضد الديموقراطية والحريات وعودة البرلمان، وقرر الصاغ ابراهيم الطحاوى سكرتير هيئة التحرير بالتعاون مع صاوى محمد صاوى سكرتير عام اتحاد النقل العام بالتواطؤ مع مجلس قيادة الثورة لتدبيرمظاهرات حاشدة دفاعا عن الثورة وضد البرلمان والأحزاب وذلك فى 28 مارس وقد اشتركت فيها قوات الحرس الوطنى واعضاء هيئة التحرير وحتى جنود البوليس الحربى فى ملابس مدنية وتم الزج بعمال مديرية التحرير التى يرؤسها الرائد مجدى حسنين فى أتون تلك المظاهرات التى تم خلالها الاعتداء على المستشار عبد الرزاق السنهورى رئيس مجلس الدولة، بينما سيّرت القوى الوطنية والمدنية ممثلة فى نقابات الصحفيين والمحامين وطلاب جامعة القاهرة وقطاع واسع من الحركة العمالية مظاهرات ضخمة مؤيدة للديموقراطية وعودة الحياة البرلمانية، وتم اعلان الجبهة الوطنية من الاخوان والوفد والشيوعيين والحزب الاشتراكى، ولكن استطاع عبد الناصرفى النهاية ومن خلال الترهيب واستغلال ادوات الدولة فى تعميم الاضراب بالقوة وتم حسم المعركة لصالح جناح عبد الناصر وحلت نقابة الصحفيين ووجه النظام ضربة قاسية للأحزاب والقوى المدنية.

وإذا قفزنا فى التاريخ الى الأمام وبعد حوالى 60 عاما من تلك الأحداث نجد أن النظام الذى يحكمنا رئيسه باسم الإسلام السياسى وبإسم جماعة الإخوان المسلمين يحاول لعب دور الديكتاتور على غرار المثل الشهير ” القط يحب خنّاقه” أو كما يقول إبن خلدون “المهزوم يقلد غالبه”، فكما ألغى عبد الناصر دستور 1923 فى 10 ديسمبر 1952 أصدر محمد مرسى ما أسماه إعلانا دستوريا مكملا يعطى نفسه فيه حقوق لم يوجد لها مثيل فى اى قانون أو دستور فى العالم وتحصين اعلاناته وقراراته من الطعن عليها أمام المحاكم وتعدى الامر الى سحب جميع القضايا المعروضة على المحاكم بخصوص الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى.

أن الموجة الجديدة من ثورة 25 يناير تقوم فى مواجهة الإخوان المسلمين وحزبهم بعد الموجة الأولى للثورة التى أسقطت نظام مبارك وزمرته الفاسدة والموجة الثانية للثورة التى اطاحت بحكم العسكر والمجلس الأعلى ونحن الآن من خلال الموجة الثالثة نواجه ديكاتورية حكم الإسلام السياسى الفاشية وهى مواجهة صعبة ووطويلة ويتوقع ان تتخللها دماء كثيرة، فهذه التيارات لها تاريخ من العنف الدموى وتعتبر معارضتها رفضا للدين وتتهم خصومها بالإلحاد والزندقة، وتتجمع الآن فى الافق موجة ثورية قادمة بعد هذه الموجة تتحول فيها الحركة الجماهيرية الى ثورة إجتماعية لتقويض سيطرة رأس المال على الحكم وبناء المرحلة الأولى للإشتراكية من خلال مجالس العمال والتعاونيات الزراعية.

إن الدرس الأساسى الذى يجب علينا تعلمه من أزمة مارس 54 هو التوحد معا على أرضية مدنية الدولة وصياغة دستور ديموقراطى توافقى لكل المصريين بعيدا عن الزّج بفقرات دينية فيه، فالدستور فى مضمونه الأساسى ليس تشريعا فقهيا بل بناء حضارى متناسق يراعى العرف الدستورى فى البلدان التى انتهجت النظام الديموقراطى والمدنى، كما يجب ان لا تخدعنا بعض التنازلات الجزئية مثل تعديل أو حتى إلغاء الإعلان الدستورى الديكتاتورى المشئوم، فالقبول بمثل هكذا أطروحات ستعطى الفرصة لتيار الإسلام السياسى للإنقضاض على قوى الثورة وتصفيتها، إن الوقوف فى منتصف الطريق وقبول المفاوضات والتسويات لا تحقق هدفا بل تهدد كل ما أنجزته الثورة وتعطى للعدو الفرصة لإعادة ترتيب صفوفه والإنقضاض مرّة أخرى، فما عرفناه عن هذا التيارأنهم معادين للعدالة الإجتماعية بمفهومها الثورى وللحريات بشكلها الحديث والوطنية بمعناها الجغرافى والتاريخى والنضالى.

إن الثورة هى عملية ديناميكية مستمرة، وخلال مسارها قد تواجه بعض الإخفاقات والهزائم الجزئية، ولكنها لا يمكن أن تتوقف فى منتصف الطريق والاّ سوف تتحول الى ذكرى ومذكرات، فلا تراجع ولا تهاون حتى تكتمل أهداف الثورة فى العيش والحرية والعدالة الإجتماعية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.