حرية التعليم

سليمان البستاني – 1908  

لئن أطلنا الشكوى من تأخر الصحافه فى العيد الماضى فإذا ذكر العلم والتعليم فلا يسعنا إلا أن نقول الحق فنعترف بأنهما رقيا فوق ما كان عليه درجات. وأن معظم العثمانيين أصبحوا ولهم نصيب من العلم، ولقد أربى عدد القارئين الكاتبين على عدد الأميين فى كثير من الولايات، ولكن المراقب الخبير يعلم أن هذا الترقى هو دون ما كان يجب أن يكون. لأن تيار العلم سيل جارف يبدد كل ما أعترض سبيله من عقبات الجهل والخمول، ولقد أحاط بنا هذا السيل من كل جوانبنا فما كان فى الوسع حده مهما بذل من الجهد، فكيف ومعظمها مستبشر لوفوده ولو تسهلت له السبل على ما يرام لكفته ثلاثون سنه لإزاحة كل نبت خبيث وجلمود معترض فى طريقه وجعل البلاد قاصيها ودانيها رياضاً للمعارف نضره يانعة الفروع دانية القطوف، ولكن الخطه التى جرت عليها الحكومه الغابره حولت بعض حسناته إلى سيئات وبعض منافعه إلى مضار أرادت أن تتخذ للتعليم فى البلاد خطه واحده، ويا حبذا الفكره لو حسن القصد واستقام الأسلوب.

وهى فكره قديمه يرجع أصلها إلى أيام السلطان سليم فلم يتسن له انفاذها بل كانت من أسباب قيام جهلة الانكشاريه عليه. فتلقاها السلطان ذووى الشأن حتى أنشئت المكاتب الاعداديه والرشيديه فى الولايات وبعد المدارس العاليه فى الاستانه فى زمن السلطان عبد العزيز، وزاد عليها جلالة السلطان الحالى”السلطان عبد الحميد الثانى، “حكم من 1876:1909” مدارس أخرى، ولكن طرق التعليم اختلت بشدة المراقبه، فأبعد منها كثيراً من المطالب المفيده إبعاد المنفيين إلى فزان، حتى لقد حرم على الطلبه درس المهم فى التاريخ ولو كان تاريخ بلادهم، وشوهت جرافية البلاد العثمانيه وخرائطها فحذف وبدل منها من الأسماء ما طالما أفتخر سلاطين آل عثمان بدخوله فى حيازتهم.

وحظر تعليم بل قراءة العلوم الفلسفيه والاجتماعيه ومنع الاساتذه من إلقاء أى شرح مفيد على الطلبه حتى حار المعلمون فى أمرهم وكانوا وهم يلقون حتى ولو مسأله نحويه أو حسابيه صرفاً يخشون أن توجس منهم إشاره إلى عدد يوافق أعداد سنى الظلم أو فتحة أو كسره تشيران إلى فتح الأعين أو كسر القيود، كل ذلك خشيه من أن ينبثق نور العلم فى أدمغة التلامذه فيعلمون أنهم من بنى الإنسان وأن لأمتهم حقوقاً تجيب المطالبه بها.

فإذا نال أولوا الأمر هذه البغيه بالنظر إلى صغار الطلبه فما كان ياترى ظنهم بطلاب مدارس الأستانه العاليه كالمكتب الملكى والمكتب السلطانى والمدرسه الحربيه والمكتب الطبى وجميعهم من الشبان الأذكياء. أو ماعسى أن يقول طلاب مدرسة الحقوق( وعلم الحقوق من العلوم الفلسفيه ) إذا أضطر أساتذتهم كل يوم إلى تغيير خطه وتبديل نهج وإلغاء درس الشرائع الرومانيه أو غير ذلك مما يزيد المنع عنه رغبة فيه.

أو ماذا يقول طلبة المدارس الحربيه إذا حظر عليهم أن يبحثوا فى أنواع الحكومه وتنصيب لهم النكده فيجمع بعض نظارهم نجباء أولئك الشبان المتقدمين نيره وذكاء فيسألهم عما يؤثرون من أنواع الحكومات فلا يقول بالحكومه الاستبداديه إلا أشدهم دهاء. وأما الباقون الذين يبيحون بما فى ضمائرهم فيقولون بالحكومه الدستوريه فيطردون ويساقون سوق الأنعام إلى حيث لا يعلم إلا الله. وأما ذلك الظالم الناشر تلك الأحبولة فيتخذها ذريعه للوشايه فتغدق عليه النعم ويصعد فى سلم الترقى درجات متواليات بأسرع ما صعد إسرائيل على سلم جبرائيل.

وما كان هذا العنف وذلك الضغط إلا ليغشوا على أبصار الشبان فينشئوهم آله صماء بين أيديهم. ويحجبوا عن أبصارهم ساطع النور فلا ينظرون إلى مساوئهم. أفجهلوا أن النور إذا أنبثق خرق الظلمات ونفذ إلى ما وراء حجب الغياهب. وأن شدة العنف تخرج حتى الجبانه فما عسى أن يكون فعلها بتلك الفتيه الباسله. وهل فاتهم أن دعاة الثورات والإصلاح فى أوروبا كان معظمهم ممن عني فى تربيته على خلاف ما نشأ عليه.

بقيت لنا كلمه فى المدارس الوطنيه والمدارس الأجنبيه، أما الأولى ونعنى بها تلك التى شادها أهل البلاد فهى قليله لم يكن يرجى منها النفع المقصود مع شدة اعتناء أصحابها لأن أكثرها تحت أحكام هذه المراقبه الجائزه. وأما المدارس الأجنبيه فهى التى كانت متمتعه بحريه حرمت على ما سواها ولقد تهافت عليها الطلاب من كل الملل والنحل تهافت الظمآن على الماء الزلال وبثت نور العرفان بين جمهور عظيم من فتياننا، ولكننا مع اعترافنا بجزيل ما ثقفت وأفادت لا يسعنا إلا القول جهاراً إن فيها ثلمه متسعه لا يمكن سدها إلا بتغيير الأحكام فمن من أرباب تلك المدارس على فضله يهتم ببث روح الوطنيه بين تلامذته. بل منهم وهم منتمون لأمم متناظره لا يسعى جهد طاقته فى استمالة تلامذته إلى أمته ودولته. وهكذا نشأ الطلاب على أختلاف فى الأفكار والمذاهب، وهكذا عمل الأجانب بطريق العلم على اقتسام عقولنا، وبطريق السياسه على اقتسام بلادنا.

ومما زاد فى البلوى أنه لم يكن يؤذن لخريجى المدارس المختلفه بإنشاء الأندية وعقد الاجتماعات لتبادل الآراء خوفاً من أمتزاج المشارب والأخلاق.

على أننا مع شدة هلعنا لعبوس الزمن والماضى لا يسعنا إلا استقبال ابتسام الزمن المقبل بملء البشر والسرور إذا توحد طرق التعليم فى مدارس الحكومه ويوسع المجال للمدارس الوطنيه ويباح تدريس علوم الفلسفه والاجتماع والآداب ويوجب تدريس التاريخ ولا سيما تاريخ البلاد العثمانيه وجغرافيتها وتسهل الطرق لطلبة جميع المدارس من أميريه ووطنيه وأجنبيه لفتح الأنديه وعقد الاجتماعات ليشبوا جميعا على حب التكاتف متعاضدين على العمل يداً واحده قياماً بخدمة حقه لهذه الأمم التى أصبحت منذ 24 يوليو، تموز، أمة واحده.

تحرير: داليا وصفي

سليمان البستاني أديب لبناني ولد في 22 مايو 1856 وتوفي في 1 يونيو 1925

This entry was posted in Education تربويات, Rare texts نصوص نادرة and tagged , . Bookmark the permalink.