الحرية ومذاهب الحكم

أحمد لطفى السيد- 1913 

تناوبت الأمه فى أزمان التاريخ حكومات مختلفه متنوعة المقاصد، متباينة المظاهر والنتائج، كان من أختلافها إيجاد المذاهب السياسيه، لكل مذهب فريق من الكتاب يؤيده، وطائفه من الناس له، كل يتعصب لمذهبه، ويرى فى تحقيقه نفع الكافه.

أما نحن فإننا نرى من بين مذاهب الحكم، أن المذهب الحقيق بالاتباع فى العالم العربى فى الظروف التى نحن فيها، هو مذهب الحريه، وإن كان فى المدنيه أقدم عهداً من مذاهب الاشتراكيه، التى يختلف تطبيقها باختلاف البلاد.

ولا ننكر أننا لا نعرف إلى الآن أمة أستأثر بها مذهب واحد وصارت حكومتها على قواعد، من غير أن تضيف إليه قواعد أخرى من مذهب آخر حتى لنرى الحكومه الواحده توفق فى برنامجها بين قواعد مذهب الحريه وقواعد مذهب الاشتراكيه، كما تفعل الآن حكومة الأحرار فى إنجلترا. وما يكون تلقيب الحكومه بلقب حكومة الحريين، أو حكومة الملكيين، أو الاشتراكيين إلا تلقيباً بالتغلب. وأن هذا النظر لتؤيده طبائع العمران ويؤيده العقل ايضاً. فقد يكون من التعسف سوق كل الجزيئات مساقاً واحداً تحت قاعده واحده.

بل علمنا الاستقراء فى الحوادث، طبيعيه كانت أم اجتماعيه، أن الأستثناء فى القواعد العامه محلاً من الوجود لا تصح الاستهانه به. حتى أن قاعدة النيابه فى البلاد الديموقراطيه، وهى، قاعدة الأكثريه، أخذت هى ايضاً تنقص من بعض أطرافها. فإن بعض الأمم الديموقراطيه، جعل يدخل على هذه القاعده أستثناء جديداً هو تمثيل الأقليات بقدر المستطاع.

نقول ذلك مقدمه للتصريح بأن قاعدة كل مذهب من مذاهب الحكم هى المنفعه. فكل مبدأ من المبادئ إنما يدور مع منفعة الأمه، دور العله مع المعلول.

ولو أننا حكمنا المنفعه فى أختيار المذهب الذى نراه أولى بالاتباع فى تشريعنا المصرى، لما ترددنا لحظه واحده فى أن المذهب الذى تأمر باتباعه هو مذهب الحريه.

مذهب الحريه، أو مذهب الحريين، يقضى فى أصله بألا يسمح للمجموع، فى البلاد الحره أو للحكومه فى “أى بلد عربى” أن تضحى حرية الأفراد ومنافعهم لحرية المجموع أو الحكومه فى التصرف فى الشئون العامه. هذا المذهب يقضى فى أصل وضعه بألا يكون للحكومه سلطان إلا على ما دلتها الضروره أياه، وهو ثلاث ولايات. ولاية البوليس، وولاية القضاء، وولاية الدفاع عن الوطن. وفيما عدا ذلك من المرافق والمنافع، فالولايه فيه للأفراد والمجاميع الحره.

الحكومه بأصل نظامها، مهما كان شكلها، ليس لوجودها علله إلا الضروره، فيجب أن يقف سلطانها داخل حدود الضروره. ولا يتعداه إلى غيره من سلطة الأفراد فى دائرة أعمالهم. لأن كل حق تضيفه الحكومه إلى ذاتها، إنما تأخذه من حقوق الأفراد، وكل سلطه تسندها إليها، ضغط على حرية الأفراد.

ليس ما نقول من هذا القول، وما نقرر من هذا المذهب، نظريات مجرده، لا دليل عليها إلا بالفروض المنطقيه.

كلا، أن الحس قد أثبت بالأمثله اليوميه، أن الحكومه فى كل أمه، ما وليت عملاً خارجاً عن دائرة الولايات الثلاث التى ذكرناها، إلا وأساءت فيها تصرفاً، وفشلت نتيجه، وعندنا مثلاً فى مصر نصبت الحكومه نفسها مزارعاً كبيراً، فوضعت يدها على الأرض وتصدت لاستغلالها، وجاءت لنا بالبذور وبالماشيه وآلات الزراعه لنزرع على حسابها مرابعين، ففشلت فى مقصدها وساءت زراعتها، ولم تؤتها الأرض من أكلها شيئاً مذكوراً.

فأدركت بعد ذلك خطأها الفاحش، فتركت الزراعه وتنازلت زمناً طويلاً عن أن تنصب نفسها مزارعاً، لأن الزراعه من عمل الأفراد، ومن عمل المجاميع ، لا من عمل الحكومه. خذ مثلاً أخر مصلحة الدومين أو الأراضى الميريه، قدر ميزانيتها وإيرادها ومصاريفها، تجد من غير عناء أن ريع الفدان كان فيها دائماً أقل من ريع الفدان فى زراعة الأفراد والشركات الحره، مع أن مصلحة الدومين كان لها من الأمتياز فى الرى والصرف، ومراعاة الخاطر والخروج من مضايق لوائح المناوبات، ما كان من شأنه أن يجعل حاصلات أرضها أوفر من حاصلات أرض الفلاحين.

كذلك الحكومه إذا أتجرت فى الملح بالذات أو فى غيره من أصناف التجاره، لا تستطيع أن تكون تاجراً محمود العمل ولا مفيد النتيجه. وهى إذا أشتغلت صانعاً فأسوأ ماتكون صناعتها، وأخس ما يكون كسبها منها فإذا أشتغلت الحكومه معلماً بالذات، فلن تعرف من نتيجة تعليمها إلا محاولة التسويه بين العقول، التى جعل الله بينها من الفروق أكثر مما نراه فى الأجسام. ولم يقل أحد إلى الآن أن للحكومه أختصاصاً فى العلم، فإننا قد وجدنا العلماء الأحرار والمعلمين الأحرار، يستنبطون كل يوم قاعده جديده، فى العلوم المختلفه، ويضيفون إلى المخترعات الإنسانيه مخترعاً جديداً، وما عرفنا أن حكومه من الحكومات قررت قاعده علميه أضيفت إلى قواعد علم الحساب أو علم الفلك، ولا زادت قاعده من قواعد الأخلاق والسلوك فى الحياه، فإن لم تكن الحكومه عالمه ولا مربيه، ولم يك ذلك من اختصاصها، فمن المعقول أن تكون مزاولتها للتعليم العام بالذات، لا تسد أطماع الأمه من التعليم، ولكننا مع ذلك يجب علينا أن نعترف بأن للحكومه الحق الكامل فى مراقبة التعليم، حتى لا يكون فيه ما يخل بالآداب العامه، التى من حق البوليس أن يحافظ عليها.

هب أن حكومة الاشتراكيه، أو الحكومه التى تتدخل فى غير الولايات الثلاث التى ذكرناها، حكومه نافعه ومفيده فى البلاد الديموقراطيه، أى البلاد المحكومه بسلطة الأمه، فهل تكون مداخلة الحكومه فى غير ما لها من الحدود، مفيده فى غير تلك البلاد؟

البداهه تشهد أننا لا مصلحه لنا فى أن نأخذ حق الفرد لنعطيه للحكومه، التى ليس لنا من أمرها نصيب، وليس لنا عليها أى سلطان!

على أن كل ما نحن فيه من سوء الحال، أخلاقيه كانت أم اقتصاديه أم سياسيه، إنما سببه الأصيل نقص الحريه فى نفوسنا نقصاً فاحشاً، جره علينا الأستعباد القديم أو الاشتراكيه المعكوسه، التى كنا فيها الازمان الطوال.

لو كان لأى بلد حاجه من تسليم حقوق الفرد إلى المجموع أو تحكيم المجموع”الحكومه” فى غير الولايات التى.. ولتها إياها الضروره، فنحن الآن أحوج ما نكون لتوسيع ميدان العمل لحرية الفرد، حتى يسترجع ما فقد من الصفات الضروريه للرقى المدنى، والمزاحمه فى معترك الحياه، وحتى ننبذ نهائياً اتكالنا على الحكومه فى الشئون الجليله والدقيقه. ولنخرج من هذا الإحساس الذى كأنه عام فى الشرق، إحساس أن الأمه رعيه والحاكم راع، يتصرف فى رعيته على ما يشتهيه. إن هذا الإحساس الذى أتخذناه قاعده لسياستنا، بل طريق لسلوكنا فى حياتنا القوميه، الذى أبعدنا عن سرعة الأخذ بمبادئ التمدن الحديث، وفرق كلمتنا، وأثقل فى طريق المجد خطانا. إن هذا الإحساس من شأنه أن يقلل الاعتماد على النفس، بل يؤدى بهذه الفضيله التى هى أساس النجاح فى أعمال الأفراد والأمم.

نوابنا المحترمون- أنتم أعلم بحاجة قومكم وقد أنابتكم الأمه عنها فى تقرير مصالحها، فأنتم أحرار فى اختيار أصلح المذاهب التى تتخذونها القاعده الغالبه فى تشريعكم.

ولكن ذلك لا يمنع من أنظاركم إلى أن للتشريع دخلاً لا يستهان بأثره فى أخلاق الأمه وعاداتها ومشاعرها.

فإذا كانت قاعده التشريع هى حريه الأفراد، انبعث ضوء هذه الحريه فى قلوب الشعب، وظهرت آثاره على أعماله. والحريه أساس المسئوليه، وطريق النجاح فى الحياه.

لئن تساءل بعضهم، ما شأنى فى تقرير هذه الملاحظات، ولست نائباً عن الشعب، ولا عضواً فى الجمعيه التشريعيه، فإنى منتحل جواب ذلك الكاتب الكبير الذى قال: “لو أنى شارع لما أضعت الوقت فى الكتابه، ولكنت أستعضت عنها بالعمل”. كل منا يعمل ما يقدر عليه. علينا تبين الحق من الباطل، وثوابنا لهم أن يستمعوا القول ويتبعوا أحسنه.

نوابنا المحترمون- نعلم أن الظروف التى فيها بلادنا وحكومتنا قد تقوم حاجزاً دون تحقيق كل رغباتكم الشريفه، التى تسعى بكم إلى تحقيق ما يتمناه المخلصون لهذه الأمه الكريمه. ولكن تصويركم لمذهب الحريه، أو لمذهب الحريين، تصويراً بارزاً تراه عيون الشعب، وتلمسه أياديه، مفيد فى تربيتنا السياسيه، ذو أثر واضح فى مصالحنا القوميه.

إننا لا نجد تنافياً بين السير على نهج الحريين فى الدائره الضيقه التى تحد اختصاص نوابنا فى الجمعيه التشريعيه، وبين شكل حكومتنا الحاضر. وقد نظن أن حكومتنا لو أنصفت لكان كل ما يهمها حفظ الأمن واستقلال القضاء. والرجوع إلى تأييد حرية الأفراد، وحرية الفكر والكتابه، وحرية الاجتماع والخطابه، وحرية العمل فى داخل منطقة القانون العام. لنا أن نطلب منها ذلك، ولنا أن نطلب إليها ايضاً أن تكون شديده، قوية الشكيمه فيما وليت من الأعمال التى ولتها إياها الضروره. فإننا لا نألم للشدة فى الحق والمصلحه، ولكننا لا نقبل الاعتداء على حقوق الأفراد مهما كسى ثوباً من التسامح والرفق.

تحرير داليا وصفى

Print Friendly
This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة, Secular Essays مقالات علمانية and tagged , , . Bookmark the permalink.