الإنجازات الكارثية

د. وسيم السيسي

وصلتنى رسالة من دكتور مهندس طارق محمود ناصر تفسر لنا التغيرات التى حدثت للشعب المصرى، فهو يقول: لأول مرة فى تاريخ مصر القديم والحديث، تحدث عملية احتلال وغزو «داخلى – داخلى» من أبناء مصر أنفسهم، وللحقيقة هم أبناء مصر بالباسبور أو البطاقة، ولكن ليسوا من أبناء مصر بالثقافة أو العادات، وليس هذا التصور مقصوراً على الذين عاشوا فى الخليج فقط، ولكن على أبنائهم الذين ولدوا هناك، صعب أن نجد الهوية المصرية فيهم، ولإنهاء هذا الوضع الشائك، يرى أنه يجب أن يحدث توافق وطنى فى كتابة دستور مدنى يرضى عنه الجميع، وإلا فاحتمالات التقسيم أو انقلاب عسكرى، أو مواجهات حقيقية مع إسرائيل واردة، إلى هنا انتهى أهم ما جاء فى رسالة الدكتور طارق محمود.

أخذت أفكر، ترى ما الذى أدى بنا إلى هذا الوضع؟ إنه جمال عبدالناصر، صحيح أن له إنجازات قليلة، ولكن هناك انتكاسات قاتلة.. حتى الإنجازات القليلة نجدها عند التأمل.. قاتلة أيضاً، خذ مثلاً.. حين أراد السيطرة على الأزهر الشريف.. حوله إلى جامعة ومعاهد، فقسم البلد إلى اثنين: تعليم دينى، وتعليم مدنى، بدلاً من ترك مصر بتعليم موحد كما كانت. ملحوظة: بولندا التعليم فيها موحد حتى سن ١٢ سنة حتى يكون الشعب متجانساً. انظر إلى «إنجاز آخر».. قانون الإصلاح الزراعى.. أدى إلى تفتيت الأرض الزراعية.. فضلاً عن الخصومات والقضايا بين أصحاب الأرض الزراعية والمستأجرين! هو ذا «إنجاز آخر».. تخفيض إيجارات المساكن، أدى إلى توقف حركة البناء، وكانت النتيجة ما نراه الآن.. سكان المقابر ٤ ملايين، وسكان العشوائيات بالملايين..!

انظر وتأمل هذا الإنجاز الكارثى: تأميم قناة السويس.. كسر المواثيق والمعاهدات الدولية، وقد كانت القناة ستعود إلينا ١٩٦٨، أى ١٢ سنة فقط بعد ١٩٥٦، هذا التأميم أدى إلى حرب العدوان الثلاثى ١٩٥٦، ولم يخرجوا إلا باتفاقية سرية أهم بنودها: «حق» إسرائيل فى المرور من خليج العقبة.. بوابة النصر لأفريقيا التى ترتع فيها إسرائيل الآن، وحين أطلق ناصر لسانه فى كل الملوك والحكام العرب.. قال: الملك فيصل «رحمه الله» سوف ينتف ذقنه، ووالدة الملك حسين على علاقة بطبيبها الخاص، بورقيبة أبوخيبة… إلخ، أخذ هؤلاء الحكام يردون عليه بمرور إسرائيل من خليج العقبة..

فجن جنونه، وأراد أن يكحلها فعماها.. فأصدر أمراً بإغلاق خليج العقبة فى وجه إسرائيل، فكان هذا الأمر بمثابة إعلان حرب.. فكان الزلزال الهائل، والكارثة الكبرى.. حرب الـ٦ ساعات.. حرب ١٩٦٧، ضاعت الجولان، والضفة، والقدس، وسيناء.. صحيح أنها عادت إلينا بحرب ١٩٧٣ الرائعة، ولكنها عادت منزوعة الكرامة كما هى منزوعة السلاح، أضاع عبدالناصر مصر.. هرب أهلها منها، ومن عادوا منهم عادوا غزاة محتلين.. ولأول مرة فى تاريخ مصر يكون الغزو «داخلى – داخلى».. كما يقول الدكتور طارق محمود.

وأخيراً هذا الصنم المعبود.. «السد العالى».. القنبلة الموقوتة.. الذى لو حدث زلزال ٨ ريختر فى منطقة السد وانكسر.. لأغرق ٩٠ مليوناً من المصريين حتى من هم فى قبرص.. أضاع السد طمى النيل.. «مصر هبة طمى النيل» فضاعت الأرض الزراعية، والثروة السمكية، وكل ثروة حتى الثروة البشرية.. هرب الرواد.. وبقى الأوغاد.. إلا من قلة قليلة تموت فى تراب هذا الوطن، لماذا لا تقيم إسرائيل تمثالاً لناصر فى أعظم ميادينها.. فعصرها الذهبى.. ناصر.. ولو أن ناصر بحث عن صالح هذا الشعب المسكين.. بدلاً من البحث عن مجده الذاتى.. لأصبحت مصر فى مقدمة دول العالم.. هذا يحقق: الحكم العسكرى أو الدينى حتماً ينتهى بكارثة ويقولون إنجازات.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in وسيم السيسي. Bookmark the permalink.