فى تشريك البنات مع الصبيان فى التعلم والتعليم وكسب العرفان

رفاعة رافع الطهطاوي – 1873  

ينبغى صرف الهمه فى تعليم البنات والصبيان معاً لحسن معاشرة الأزواج، فتعليم البنات القراءه والكتابه والحساب ونحو ذلك فإن ذلك مما يزيدهن أدباً وعقلاً ويجعلهن بالمعارف أهلاً ويصلحن به لمشاركة الرجال فى الكلام والرأى فيعظمن فى قلوبهن ويعظم مقامهن لزوال مافيهن من سخافة العقل والطيش مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لأمرأه مثلها.

 وليكن للمرأه عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة. فإن فراغ ايديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهم بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعمل يصون المرأه عما لا يليق ويقربها من الفضيله وإذا كانت البطاله مذمومه فى حق الرجال فهى مذمه عظيمه فى حق النساء فأن المرأه التى لا عمل لها تقضى الزمن خائضه فى حديث جيرانها وفيما يأكلون ويشربون ويلبسون ويفرشون وفيما عندهم وعندها وهكذا.

وأما القول بأنه لا ينبغى تعليم النساء الكتابه وأنها مكروهه فى حقهن ارتكاناً على النهى عن بعض ذلك فى بعض الآثار فينبغى ألا يكون ذلك على عمومه ولا نظر إلى قول من علل ذلك بأن من طبعهن المكر والدهاء والمداهنه ولا يعتمد على رأيهن لعدم كمال عقولهن. تعليم القراءه ربما جهلهن على الوسائل الغير مرضيه ككتابة رساله إلى زيد ورقعه إلى عمرو وبيت شعر إلى خالد ونحو ذلك وأن الله تعالى لو شاء أن يخلقهن كالرجال فى جودة العقل وصواب الرأى وحب الفضائل لفعل، فكان الله تعالى خلقهن لحفظ متاع البيت ووعاء لصون مادة النسل. فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات الذميمه ولا تنطبق على جميع النساء وكم من نهى وردت به الآثار كحب الدنيا ومقاربة السلاطين والملوك والتحذير عن الغنى، فقد حل على ما يعقبه شر وضر محقق.

وتعليم البنات لا يتحقق ضرره فكيف ذلك وقد كان من أزواجه صلى الله عليه وسلم من تكتب وتقرأ كحفصه بنت عمر وعائشه بنت أبى بكر رضى الله عنهم وغيرهما من نساء كل زمن من الأزمان. ولم يعهد أن عدداً كثيراً من الرجال أضلهم التوغل فى المعارف وترتب على علومهم ما لا يحصى من شبه الخروج والاعتزال. وليس مرجع التشديد فى حرمان البنات من الكتابه إلا التغالى فى الغيره عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ماً كانت فى ميدان الرجال تبعاً للعوائد المحليه المشوبه بحميه جاهليه ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت التجربة. فإننا لو فرضنا إنساناً أخذ بنتاً صغيرة السن مميزه وعلمها القراءه والكتابه والحساب وبعضاً مما يليق بالبنات يتعلمنه من الصنائع كالخياطه والتطريز ثم زوجها لإنسان حسن الأخلاق كامل التربيه مثلها فلا يصح أنها لا تصن العشره معه أو لا تكون له أمينة.

ومثل ذلك سائر البنات فإن تعليمهن فى نفس الأمر عباره عن تنوير عقولهن بمصباح المعارف المرشد لهن فلا شك أن حصول النساء على ملكة القراءه والكتابه وعلى التخلق بالأخلاق الحميده والأطلاع على المعارف المفيده هو أجمل صفات الكمال وهو أشوق للرجال المتربين من الجمال. فالأدب للمرأه يغنى عن الجمال ولكن الجمال لا يغنى عن الأدب لأنه عرض زائل وأيضاً آداب المرأه ومعارفها تؤثر كثيراً فى أخلاق أولادها إذ البنت الصغيره متى رأت أمها مقبله على مطالعه الكتب وضبط أمور البيت والاشتغال بتربية أولادها جذبتها الغيره إلى أن تكون مثل أمها بخلاف ما إذا رأت أمها مقبله على مجرد الزينه والتبرج وأضاعة الوقت بهدر الكلام والزيارات غير اللازمه حيث تتصور البنت من الصغر أن جميع النساء كذلك فتألف ذلك من صغرها، فشتان ما بين هذه وبين من تعتمد على معارفها وآدابها وتفعل ما فيه إرضاء بعلها وتربية أولادها إلا أنها شبت على ذلك كما قال البوصيرى رحمه الله.

والنفس كالطفل أن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم وقد قضت التجربه فى كثير من البلاد أن نفع تعليم البنات أكثر من شره بل إنه لا ضرر فيه أصلاً. فقد روى فى كتب الأحاديث روايات عن النساء كثيره وقد كان فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعلم الكتابه والقراءه من النساء للنساء، كالشفاء أم سليمان، فقد ورد أن رسول الله (ص) قال لها : علمى حفصه رقية النمله كما علمتها الكتاب أى الخط والهجاء. وخرج أبى الدرداء رضى الله عنه عن الشفاء بنت عبد الله قالت دخل على النبى (ص) وانا عند حفصه فقال ألا تعلمين هذه رقية النمله كما علمتها الكتاب، انتهت. والنمله بثور صغار مع ورم يسير ثم يتقرح فيتسع وتسميه الأطباء الذباب. وهذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابه جائز وأن أشتراكهن مع الرجال لا بأس به حيث اشتركن معهم فى أصل الطبائع والغرائز و ورود النهى عن تعليمهن ينبغى أن يكون ليس على إطلاقه بدليل ما يعارضه بإباحة التعليم.

فليتمسك كل من الفريقين الذكور والإناث بالأحاديث الوارده فى فضل التعلم والتعليم ويتشبثوا جميعاً بأذيال المدارس والمطالعه ليقطفا من أثمار العلم منافعه.

تحرير: داليا وصفي

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس, Rare texts نصوص نادرة and tagged , , . Bookmark the permalink.