تبرير الحريه الفكريه

سلامه موسى – 1927 

لا يبرر الحريه الفكريه سوى منفعتها.

ولا يبرر تدخل الحكومه ومنعها للناس من حرية التفكير سوى حقها فى الدفاع عن النفس وحماية الجمهور من أذى مباشر. أما إذا كان الأذى مقدراً فى المستقبل البعيد فليس يصح للحكومه أن تتدخل، فليس للحكومه مثلاً أن تمنع خطيباً يتكلم عن فوائد الشيوعيه وأفضليتها للنظم الحاضره ونحو ذلك ولا يمكنها أن تعتمد فى منعه، على أن لهذا الكلام أثراً فى أذهان السامعين قد يدعوهم للهياج فى يوماً ما. ولكن لها أن تتدخل إذا وقف هذا الخطيب ودعا الناس إلى الثورة على الأغنياء وطردهم والاستيلاء على أملاكهم.

لأنه فى الحاله الأولى يشرح نظاماً ويقابله بالنظام الراهن ويقول بأفضليته عليه ولكنه لا يحض الجمهور على التسلح ومفاجأة الناس بالثورة. وإذا كانوا هم قد أقتنعوا بصحة النظام الجديد الذى شرحه لهم وفساد نظامهم فلهم من برلمانهم باب لتحقيق هذا النظام، ولا يمكن أن يحمل الخطيب تبعة هياجهم. أما فى الحاله الثانيه فالدعوه إلى الهياج صريحه والجمهور ينقاد إلى الخطيب المهيج ويستأنس بألفاظه العاليه كما يستأنس القاتل بسيفه. فهو هنا مسئول عن الهياج والحكومه مطالبه بمنعه.

ويشق علينا أن بين الحالات التى يؤدى فيها التفكير الحر إلى الهياج المباشر الصحيح وبين تلك الحالات الأخرى التى لايؤدى فيها إلى ذلك. ولنضرب عدة أمثله:

فهناك مثلاً خطيبان يترشحان للنيابه عن دائره انتخابيه فى البرلمان. أحدهما له كثره ساحقه فمهما خطب وأسرف وطغى فى خطابته لا يجد من يناقضه. ولكن منافسه له قله صغيره جداً فإذا نطق بكلمه عدت كفراً وأثارت حوله ضجه وهياجاً. ففى هذه الحاله نجد أنه وإن كانت كلمات هذا الخطيب تحدث هياجاً إلا أننا نرى الحكومه مطالبه بحمايته هو، ومنع الهائجين من هياجهم لأنه أنما يتكلم عن قله، ولهذه القله الحق فى شرح آرائها والذود عنها وأن كان فى هذا إغضاب عظيم للكثره.

وهناك مثلاً دراما تمثل على المسرح يشرح أحد أشخاصها مساوئ نظام الزواج الراهن أو حجاب المرأه أو نحو ذلك. وقد يستثير بمناظره هياجاً بين النظاره. ولكن الحكومه مطالبه مع ذلك بمنع الهائجين وإلزامهم السكوت وليست مطالبه بمنع التمثيل.

ففى كلتا الحالتين نجد هياجاً مباشراً أساسه خطبة المترشح للنيابه وأقوال الممثلين. ولكن هذا الهياج غير قائم على أساس صحيح لأن الجمهور الهائج ناقص التربيه. يجب تأديبه وإلزامه السكوت حتى لا تستبد الكثرة بالقله. ويمكن أن يقال لذلك الجاهل الذى لا يستطيع ضبط نفسه إذا سمع خطبه منافيه لآرائه أو رأى دراما تمثل لا توافق هوى نفسه: خفف عنك ورفه ولا تتمن بالذهاب إلى دار التمثيل أو إلى حيث تسمع تلك الخطبه التى تكرهها.

وليس ينكر أن للحرية الفكرية مضاراً ولكن ليس شئ فى العالم تجنى منه فائده دون أن يكون له ضرر. وضررها هذا لا يمنع الناس من الانتفاع بها. فقد يقف خطيب مفتون مهووس يعتقد أن الوحى قد نزل عليه وأن قيام الساعة قد أزف فيحمل الناس على ترك أعمالهم بل على الانتحار تعجلاً للساعة. وقد يطيعه بعض المفتونيين فى ذلك وقد فعل المهدى السودانى شيئاً شبيهاً بهذا. وجعل من السودان جحيماً أكثر من عشر سنوات. ولكن هذه حالات شاذه إذا تفاقمت ورأت الخاصه فى الأمه أن الأذى واضح لجأت عاده إلى ما تلجأ إليه عند غارة أحد الأمراض الوافده كالكوليرا بوقف الشرائع وإعلان الأحكام العسكريه.

وإنما أستقر المفكرون على ضرورة الحرية الفكريه وعلى ضرورة التسامح فى ما يحدث منها من الأضرار ما دامت هذه الأضرار غيرفادحه لأنه ثبت أن هناك آراء منع الناس من القول بها كانت صحيحه، وكان المانعون أنفسهم هم المخطئين. وهذا هو المعقول لأن السلطه التى تمنع الناس من البحث فى رأى ما مؤلفه من أشخاص معرضين للخطأ ليس أحد منهم معصوماً منه. وثبت ايضاً أن العلوم والفنون التى تملصت من قيود الحريه تقدمت وأثمرت كما نرى الآن فى الكيمياء والطبيعه والطب والميكانيكات.

فإن تقدم الصناعه أنما يعزى إلى تقدم هذه العلوم كما أن رقى الحضارة نفسها يرجع إليها. وقد يكون هناك مجال للشكوى من سرعة تقدم هذه العلوم لا من تأخرها ولمن العلوم العمرانيه والأخلاقيه والشرعية والدينيه كلها لا تزال متأخره، لأن الناس ليسوا أحراراً فى الكلام عنها ومناقشتها. فنحن إذا أقبلنا على الكيمياء اليوم بما كان عليه أيام سليمان الحكيم لوجدنا فرقاً هائلاً يكاد يكون كالفرق بين الطفل الذى يلعب بالنار وبين معارف مهندس يدير قاطره. ولكن الفرق بيننا وبين سليمان الحكيم فى الآراء الدينيه أو الأخلاقيه أو حتى العمرانيه لا يزال صغيراً جدا أو قد لا يكون هناك فرق أصلاً.

تحرير: داليا وصفي

Print Friendly
This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة, Secular Essays مقالات علمانية, سلامة موسى and tagged , . Bookmark the permalink.