فِي مِصْرَ: سَقَطَ الدِّكْتَاتُوْر وَلَمْ تَسْقُطْ الفَوْضَى

د. بليغ حمدي إسماعيلبليغ

إن ذكَّرتُ المواطن بحادثة العبارة المصرية وربطها بحادثة أتوبيس الملائكة أكون قد عقدت تشبيهاً بلاغيا مكتمل الأركان في المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه بين حال وطن قبل وبعد ثورة مفاجئة بغير حسابات، أم أكون قد شبهت عصر مبارك بأيام الرئيس مرسي المضطربة والمتسارعة وحكومته الفارغة من الاستراتيجية والفكر المستقبلي والتخطيط اللهم سوى إجراءات مقترحة حول تجويع الشعب وحرمانه من نسيم الربيع العربي الذي صنعه بيده. وهل حينما أصطاد السمك في المياه الآسنة بأننا غضبنا وتفجرنا عيون غضب في وجه مبارك حينما سقطت عبارة الموت في قاع البحر رغم أنه لم يكن ربان هذه السفينة فاقدة الأهلية للإبحار، وأعقد مقارنة بين الحادثة وحادثة موت الأطفال الأبرياء بواسطة قطار تابع لهيئة سكك حديد مصر وأن التهمة تقع على كاهل الرئيس الشرعي الشعبي .

ولا ينبغي أن ننسى أن الحكم الذي وقع على مبارك بشأن قتل الثوار يقع في باب الولاية وليس الاشتراك أو التنفيذ المباشر للقتل ، ورغم ذلك ربما سألقي وغيري التهمة على حكومة الدكتور قنديل التي يواكبها الفشل في التعليم والصحة والأمن والاقتصاد والصناعة ، باختصار أنها جاءت لتقوض مقدرات ومطامح وآمال مصر وأهلها.

 ولن أدخل في تفاصيل كوارث سكك حديد مصر التي تذاع ليل نهار في جميع الإذاعات والقنوات الفضائية والمواقع الإليكترونية المحترمة والمشبوهة أيضا ومنها الحادثة الأخيرة التي إن لم تبك الأعين فإنها أدمت القلوب التي لا تزال نائحة على أرواح أبناء الوطن منذ الخامس والعشرين من يناير وحتى لحظة الكتابة، لأن مصر قدرها أن تكون محط أنظار ، وبؤرة اهتمام ، وبوصلة للشرق الأوسط، وهي الدولة الوحيدة على رأي جدتي التي يقف القطار عندها، لكنها أخطأت في التقدير لأن القطار لم يعد يتوقف بل راح يصدم أبرياء كما تصدم الحكومة والنظام السياسي الرأي العام بقرارات عجيبة وغريبة وفريدة.

لكن الأمر الذي يسترعي انتباهي هو التصريحات الثابتة والمستدامة  للسيد المتحدث الرسمي باسم سكك حديد مصر وقت حدوث أية كارثة  مباشرة، ولأنني حسن الظن بالآخرين ، بالتأكيد الرجل يتحدث من غرفة مكتبه أو بساحة محطة مصر، وليس كما يدعي البعض كذباً وزوراً أنه يتكلم مع المذيع من منزله. وعندما يسأله المذيع عن معلوماته وبياناته حول الكارثة (أقصد أية حادثة للقطارات الحديثة على حد وصفه ) لأنه المنوط بالحديث عن الهيئة يفاجأنا جميعا أو كما في الخطابات البريدية الحكومية إلى من يهمه الأمر، بأنه لا يزال ينتظر وصول التقرير إلى مكتبه ليسرع بإجراء التحقيق ، ولم يذكر لنا عدد الحالات المصابة أو عدد الوفيات بخلاف قناة الجزيرة التي رصدت الحدث بتفاصيله وعدد المصابين والقتلى وأسمائهم ، لأنه مثلنا حسب حسن ظني يتابع الكارثة عبر المحمول أو شاشات الفضائيات، لكن كل الذي اهتم به هو وصول التقرير عن الكارثة لإجراء تحقيق إداري.

 والمضحك في ملابسات حوادث القطارات ما أذكره عن كارثة قطار منفلوط التي أنتمي إليها من ناحية الأم ، أن الكارثة ستصب حتماً في ناحية أصغر عامل في هيئة سكك حديد مصر .والآن أتساءل هل هكذا تدار الأمور في دولة تدعي أنها دولة مؤسسات كما كان يدعي ذلك حسني مبارك ليل نهار، والعمل المؤسسي كما رأيته بالخارج أثناء عملي بإحدى الجامعات الخليجية عمل منظم ومخطط وخاضع للتقييم الشامل وفق معايير الجودة والاعتماد، وهو عمل غير قابل لوقوع الخطأ فيه لا لعصمة العاملين من الوقوع في الزلل، ،بل لأن كل منهم يؤدي دوره بمراقبة الله وحده لا شريك له، كما أنه يطمح في تجويد عمله لا ليبقى فيه أطول مدة، بل ليشعر نفسه أنه يحقق شيئاً ذا قيمة، ويعطي لحياته معنى أفضل.

 هذه طبيعة العمل المؤسسي كما رأيته وعايشته، أما مسئول رسمي أو وزير يكتفي بتقديم استقالة فورية بدلاً من أن يكلف نفسه عناء السفر إلى مكان الحادثة ويخلع ملابسه لينتزع الأشلاء من بين عجلات القطار ثم يقدم استقالته أو يذهب إلى مارينا أو يغادر حياتنا من الأساس،  ومتحدث حكومي لا يعي ما يقوله ، ولم يعبأ بعشرات الضحايا ومئات الأسر المنكوبة ومصالح الناس التي توقفت الحياة بها نظراً للحزن إلا البعض من الذين هتفوا الأهلي حديد يوم الحداد. ويكتفي بأنه سيتم معاقبة المقصرين التي ستؤول في النهاية إلى حبس السائق، ومساعده، وإقالة عمدة القرية، وحبس بعض المتظاهرين والمنددين بالكارثة، ويمكن صاحب هذا المقال لأنه تناول الرئيس والحكومة وأكيد الجماعة والألتراس الذين نسوا دماء أصدقائهم وهللوا وهتفوا الأهلي حديد يوم السكة الحديد.

 ولكن استناداً إلى قول الله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فالله أدعو ألا يحملنا أوزار غيرنا ، وقصور أهلنا، وإهمال ذوينا، وبطش إخواننا، فتكفيني ذنوبي التي أحاول جاهداً تكفيرها ومحوها بإذن الله من غيبة ونميمة وشجار وربما مداهنة هذا ومجاملة ذاك، لكن ما يفعله الآخرون فيا رب ارحمني فأنا فقير وضعيف جداً .

 والقضية ليست فقط في إهمال هيئة سكك حديد مصر ، القضية هي مصر الآن: رئيس يعاني الغضب والرفض من بعض طوائف الشعب سوى الجماعة التي كانت محظورة وستظل كذلك في نظر الكثيرين من الناس الوحشين وهم الفلول والليبراليين والعلمانيين والأقباط وأي واحد تسول له نفسه ويتطاول على الجماعة التاريخية.القضية هي حكومة فاشلة فاشلة بدءاً من إهمالها في محاسبة الذين سرقوا الملايين بصندوق تطوير التعليم التابع لمجلس الوزراء ومسلسل إهدار المال والجهد بمدارس النيل التابعة لقنديل مباشرة، وحتى الانفلات الأمني الرخو ، وسياسات الجماعة التي تنذر بثورة جديدة في مصر، مرورا بقرارات مضحكة كهربائية انتهاء بالقطار. والقضية هي دستور فاشل وسيفشل بالقطعية لا الظن .

 وأخيراً ، هل بعد تلك الكوارث البشرية البعيدة عن الفيضانات والزلازل والاحتباس الحراري وأنفلونزا الخنازير والطيور، يمكننا وصف مصر الآن بأنها السفينة التي غرقت بالفعل .لكنني أفضل الجملة التاريخية للعبقري أحمد زكي في فيلم المخرج الرائع عاطف الطيب ضد الحكومة : أغيثونا .. أغيثونا.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل. Bookmark the permalink.