فى التربيه السياسيه

طه حسين – 1946  

لست أدرى إلى أى حد يستطيع هذا الجيل من المصريين المثقفين، ومن المصريين الذين يتداولون أمور الحكم فيما بينهم ويتداولون أمور التمثيل البرلمانى فيما بينهم ايضاً، أن يرضى عن نفسه وعن بلاءه فى أول واجب كان من الحق عليه أن ينهض به وهو التربيه السياسيه للشعب، فما أكثر ما نتحدث عن الديموقراطيه المصريه، وما أكثر مانقول إن الأمه مصدر السلطات، وما أقل ما عملت وما نعمل لتحقيق هذه الديموقراطيه المصريه من جهه، ولتعليم الشعب مباشرة سلطته الدستوريه وتحقيق سيادته على نفسه وعلى وطنه من جهه أخرى.

ونحن حين يتحدث بعضنا إلى بعض، وحين نكتب عن نقد الحياه الديموقراطيه فى مصر، نعتقد أننا نتعمق الأمر حين نقرر أن الديموقراطيه لا تتحقق على وجهها الصحيح إلا إذا حوربت الأميه وأنتشر التعليم وتثقف الشعب وعرف ما عليه من الواجبات وما له من الحقوق، ثم نلاحظ بعد ذلك أن التعليم لم ينتشر كما ينبغى وأن كثرة الشعب مازالت أميه جاهله، وأن الديموقراطيه المصريه مازالت من أجل ذلك لا أقول فى طور الصبا، بل أقول فى طور الطفوله!  ثم يمضى أصدقاء الديموقراطيه منا فى ملاحظاتهم فيلحون فى محاربة الجهل وتثقيف الشعب لتصبح الديموقراطيه حقيقة واقعه فى مصر وينتهز الذين تؤمن ألسنتهم بالديموقراطيه وتكفر بها قلوبهم هذه الفرصه ليقرروا أن الحق أن نرجئ الحياه الديموقراطيه فى مصر حتى نهيئ لها الشعب تهيئه صالحه. فإذا لم يكن هذا الإرجاء ممكناً فلا أقل من ألا نتحرج فى رعاية الديموقراطيه ونزاهة ما تحتاج إليه من الاجراءات وألا نتشدد فى حسن العنايه بالدستور والدقه فى تنفيذه، فكل هذه أشياء لا ينبغى أن نطالب بها إلا حين نستوثق من أن الشعب حريص عليها حقاً، يؤثرها على كل شئ ويذود عنها ما وجد إلى الذياد سبيلاً.

وما أشك فى أن أنتشار التعليم وسيله من أقوم الوسائل وأقواها لتحقيق الديموقراطيه الصالحه ولإعداد الشعب لمباشرة حقوقه السياسيه كما ينبغى أن يباشرها. وما أشك فى أن من واجب المصريين بل من أخطر الواجبات على المصريين أن يبذلوا أعنف الجهد ليعلموا الشعب ويثقفوه فى أقصر وقت ممكن، وعلى أحسن وجه ممكن.

ولكننى لا أشك ايضاً فى أن التعليم ليس وحده الوسيله القويمه لتحقيق الديموقراطيه وإيصالها إلى قلوب الشعب وإجرائها فى عروقه.  بل أعتقد أن هناك وسائل أخرى ليست أقل من التعليم أثراً فى تربيه الشعب، ولعلها تكون أقوى منه أثراً وأعظم خطراً، لأنها لا تتصل بالحياه النظريه، وإنما تتصل بالحياه العمليه اليوميه التى يباشرها الناس حين يصبحون وحين يمسون.

وأنت لا تعلم الطفل أن يأكل ويشرب ويحبو ويمشى ويتكلم من طريق القراءه والكتابه والحساب، ولا من طريق النحو والجغرافيا والتاريخ، وإنما تدفعه غرائزه إلى هذه الأنواع من النشاط. وتكمل التربيه عمل الغرائز لأنها ترشدها وتقومها: تدفعها أن وقفت، وتردها إلى الاعتدال إن جمحت أو أسرفت.

ومن أسخف السخف أن تلقى على الطفل فى السنه الأولى أو الثانيه من عمره درساً نظرياً تعلمه به كيف يستقل على قدميه وكيف يمشى بهاتين القدمين! وأكبر الظن أن الصبى يتعلم من الحياه العمليه الواقعه أشياء لا يمكن أن تقاس إلى ما يتعلم فى المدرسه أو الكتاب.

فإذا أفترضنا أن الديموقراطيه المصريه مازالت فى طور الطفوله فقد يكون من الحق علينا أن نربيها كما يربى الطفل، نعتمد على الحياه العمليه أولاً، ثم على الدروس النظريه بعد ذلك.

وهذه الحياة العملية شئ مخالف كل المخالفه لما ألفناه منذ عرفت عندنا الحياه الديموقراطيه. فنحن مثلاً نعتقد أننا نمرن الشعب على الحياه السياسيه الحديثه حين الدعوه إلى الانتخاب بين وقت ووقت، وحين ندعوه إلى شهود جلسات البرلمان وننشر له فى الصحف ما يدور فى هذه الجلسات من جدال. وقد يكون هذا كله مفيداً بل هو مفيد من غير شك، ولكن هناك أشياء أخرى أدنى إلى النفع وأقرب إلى الفائده وأشمل لأفراد الشعب. فليس المصريون جميعاً قادرين على أن يشهدوا على جلسات البرلمان أو أن يقرأوا ما نشر عنها، وليس أختلافهم إلى صناديق الانتخاب مره كل خمسة أعوام كما يريد الدستور، أو كل عامين كما تريد التقاليد المصريه منذ صدر الدستور، ليس هذا شيئاً كافياً ليعلم الشعب ممارسة سلطانه الدستورى، وإنما السبيل إلى ذلك، السبيل التى لم نكد نفكر فيها أو نحفل بها أو نصل بينها وبين حياتنا الديموقراطيه، هى أن تكون فى كل قريه من القرى المصرية مدرسه مستقره يتعلم فيها أهل القريه أو أهل المدينه كيف يمارسون هذه الحقوق والواجبات! وما ينبغى أن يرتاع القارئ ولا أن يفزع وزير المعارف، فهذه المدرسه يسيره كل اليسر ليس من شأنها أن تخيف أحداً ولكن من شأنها أن تحقق التربيه السياسيه للشعب على أحسن وجه وأكمله.

من الخير أن يستمتع كل مصرى بلغ الرشد السياسى بحقوقه الوطنيه فينتخب النواب والشيوخ، ويرشح نفسه ليكون نائباً أو شيخاً، ولكن هناك مجالس أخرى أقرب إلى الشعب وأدنى إلى حياته اليوميه وأمس بمصالحه المباشره الفرديه، وهى هذه المجالس التى تشرف على أمور القريه وعلى أمور المدينه إشرافاً يومياً متصلاً وتنعقد إنعقاداً منظماً فى جميع فصول السنه، ويتعلم الشعب حين ينتخبها كيف يكون الانتخاب، وفيم يكون الانتخاب، ويتعلم الشعب حين يراقبها كيف تكون مراقبة الرأى العام لخدام الرأى العام، وإلى أى حد يمكن أن يستمتع ممثل الشعب بثقة الشعب، وإلى أى حد يمكن أن يشعر هؤلاء الممثلون بأنهم ليسوا سادة الشعب يأمرونه ليطيع، وأنما هم خدام الشعب يأتمرون بأمره وينفذون إرادته، فإن قصروا فى شئ من ذلك فقدوا ثقته وصرفوا عن خدمته أو صرفت عنهم خدمته!

ويكفى أن يتصور القارئ أهل قريه صغيره ينتخبون بكل عام أو عامين مجلسهم الخاص الذى يدبر أمورهم بأعينهم، لا يفلت من مراقبتهم الدقيقه فى هذه الحدود الضيقه حدود القريه، بل لا يفلت من نقدهم حين يجتمعون ليتحدثوا آخر النهار أو ليسروا آخر الليل. يكفى أن يتصور القارئ هذا ليقدر تأثيره فى التربيه السياسيه لأهل القريه، وفى تعليمهم معنى الحق والواجب ومعنى النيابه عن الشعب ومعنى انتخاب الشعب

لنوابه وإشرافه على هؤلاء النواب، ومعنى مراقبة النواب لتصرفات الحكومه فليس من شك فى أن نواب القرية سيراقبون تصرف العمده الذى سينتخب كما ينتخبون وسيكون صله بين القريه وبين السلطه الإداريه العامه.

ومن المحقق أننا قد أضعنا وقتاً لا سبيل إلى تقدير قيمته فلو أن القانون المنشئ لهذا النظام صدر مع الدستور أو صدر بمجرد انعقاد البرلمان المصرى لأول مره، ولو أنه نفذ منذ ذلك الوقت، لاستطاع الشعب المصرى فى عشرين عاماً أن يذوق الحق السياسى والواجب السياسى، وأن يعرف قيمة الديموقراطيه كأحسن ما يمكن أن تعرف هذه القيمه، وأن يباشر بعد ذلك سلطته العليا فى انتخاب البرلمان ومراقبة البرلمان، بل توجيه البرلمان، كما يجرى ذلك فى البلاد المتحضره. ولكننا أقمنا حياتنا الديموقراطيه على غير أساس: بنينا الطابق الأخير من الدار فظل معلقاً فى الهواء يعصف به أيسر الريح!

إن الذين يسألون عن مصدر هذا الشقاء الذى يثقل الحياه المصريه ويحول بينها وبين الأستقرار، ويجعل حياتها النيابيه شيئاً يشبه أن يكون عبثاً ألا يتكلفوا كثيراً من البحث. فمصدر هذا الشقاء قريب جداً هو أننا لم نغرس شجرة الديموقراطيه الصحيحه فى كل قرية من قرى مصر، وفى كل مدينه من مدن مصر.  ولو قد فعلنا منذ عشرين سنه لكانت لنا حال غير هذه الحال، ولكان من العسير جداً أن تتعرض مصر لما تتعرض له الآن من هذا الأضطراب السياسى الذى تدفعنا إليه الأهواء والشهوات!

لو قد فعلنا ذلك منذ عشرين سنه لعرف كل مواطن مصرى معرفه واضحه مباشره ملموسه باليد، أن له حقاً يجب أن يؤدى إليه، وأن عليه واجباً ينبغى أن يؤديه، وإن الشئون العامه التى ينهض بها البرلمان هى خلاصة الشئون الخاصه التى تنهض بها مجالس القرى، وأن حق الشعب على البرلمان وعلى الوزراء كحق أهل القرية على مجلس القريه وعلى العمده.

وحدثنى بعد ذلك، إن شئت عن حل مجلس النواب فلن يكون لحل مجلس النواب هذه الآثار الخطيره التى نراها الآن، والتى تنقل أمور الشعب فجأه من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، أو من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والتى تتيح للحكومات صنع المجالس النيابيه كما تصنع أصناف الطعام! فلو قد أنشأنا هذا النظام الديموقراطى الأساسى فى المدن والقرى لأصبح حل مجالس النواب أداه غير ذات موضوع، كما يقول الأستاذ لطفى السيد باشا، لأن الشعب إن كان واثقاً بالمجلس المنحل أعاد أنتخابه ولم يقبل تزويراً أو تزييفاً، وإن كان غير واثق بهذا المجلس انتخب مجلساً آخر وكان استفتاء الشعب صحيحاً حقاً ملائماً لإرادته حقاً.

ويقول المثل الفرنسى: رب عمل متأخر خير من لا شئ، وقد أضعنا أكثر من عشرين سنه، فهل من سبيل إلى أن نستدرك ما فات، ونبدأ الطريق من حيث ينبغى أن نبدأ، ونشرع القانون الذى يجعل مجالس القرى نظاماً أساسياً من نظم الديموقراطيه المصريه، والذى يجعل سلطان الشعب وسيادته حقيقية واقعه لا كلاماً تمضى به الريح؟!

تحرير: داليا وصفي

This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة, Secular Essays مقالات علمانية and tagged , . Bookmark the permalink.