الديموقراطية والحياة الاجتماعية

طه حسين – 1945 

إذا سألتهم عن العدل الاجتماعي رفعوا أكتافهم وهزوا رؤوسهم وارتسمت على ثغورهم ابتسامات ساخرة في بعضها اليأس المهلك وفى بعضها هذا الأمل الغامض الذي يفكر في الحياة الآخرة حيث اعد الله للصابرين أحسن الجزاء وأعظم الثواب.

سيدي صاحب المعالي، أيها السادة:

من أخص ما تمتاز به الحياة الاجتماعية في كل أمة من الأمم أن الحقائق التى تحيط معرضه لخطأ كثير، فلابد قبل أن أتحدث أليكم في الموضوع الذي دعيت إلى أن أتحدث فيه من أن نتفق على بعض الحقائق الأولى ولست أدرى عن أي الأمرين أعبر عن سروري وغبطتي بتشريف معالى وزير الشيءون الاجتماعية هذا الحديث عن الحياة الاجتماعية، أم عن إشفاقي من حضور ممثل للسلطة التنفيذية التى يخاف أو يجب أن يخاف منها دائماً، ولاسيما أن الحديث عن الحياة الاجتماعية في مصر مهما يكن المتحدث حسن النية، ومهما يكن راغباً في الخير متجنباً للشر فهذا الحديث معرض دائماً لنقد أعمال السلطة التنفيذية في كثير من الأشياء ومعالى وزير الشيءون الاجتماعية يسمع النقد في كل يوم متى ذهب إلى مجلس النواب أو مجلس الشيوخ فكنت أتمنى أن يكون محضره بعيداً عن أسنة النقد لوزارة الشيءون الاجتماعية أو لتصرفات الدولة حكومة وبرلمان.

فإذا سمع شيء من النقد يوجه إلى السلطة التنفيذية التى هو متضامن معها، فأنى أسأله ألا يغضب وألا يأمر بنوع خاص بأن أوجه بعد خروجي إلى السجن بدلاً من أن أوجه إلى البيت.

 وأول حقيقة أريد أن نتفق عليها منذ الآن تتصل بمعنى كلمة الديموقراطية، فالناس في هذا العصر الحديث ينظرون إلى الديموقراطية على أنها مظهر من مظاهر الحياة السياسية وعلى أنها لون من ألوان الحكم، أو نوع من أنواع النظم التى يقوم عليها الحكم في أي بلد من البلاد، وهم بعد ذلك يقولون أو يحاولون أن يقولوا: أن الديموقراطية قد أخذت في هذا العصر الحديث تتطور وتتسع وتمرن شيء فشيء بحيث تجاوزت السياسة واتصلت بالشيءون الاقتصادية، ثم اتصلت بالشيءون الاجتماعية ونشأ عن هذا التطور ما نشأ من المذاهب التى تتصل بتنظيم الحياة في ما يجاوز شيءون الحكم، فهذا النوع من التفكير ليس نفسه صحيحاً، ولاسيما عندما ننظر إلى نشأة الديموقراطية عبر تاريخها القديم، فالديموقراطية في تاريخها القديم كانت نظاماً اجتماعياً اقتصاديا قبل أن تكون نظاماً سياسياً والواقع أن اليونان الذين هم أول من أهدى النظام الديموقراطي إلى العالم، والواقع أن اليونان عندما فكروا في النظام الذي أنشأوه لم يريدوا به إصلاح نظم الحكم وحدها، ولكنهم أرادوا أن يصلحوا به قبل كل شيء نظم الحياة الاجتماعية والحياة الاقتصاديه، واتخذوا السياسة كما ينبغي أن تتخذ دائماً على أنها وسيله لا غاية واتخذوا نظام الحكم على أنه الآداه لإصلاح بعض الأغلاط أو بعض السوء الذي كان يفسد الحياة الاقتصادية في ذلك الوقت.

فمن أهم أسباب الثورة في أثينا التى مكنت لسولون، من أن يضع أول نظام ديموقراطي عرفه اليونان، من أهم هذه الأسباب فساد الحياة الاجتماعية: تحكم الأرستقراطية في الشعب، تحكم الأغنياء في الفقراء تحكم القوى في الضعيف هذه الأشياء التى كانت مصدر شقاء لجمهرة الأثينيين هي التى دعت إلى أن تثور الجماعة الأثينيه وإلى أن يوكل إلى سولون وضع أول نظام ديموقراطي، والعلاج الذي أقترحه لإصلاح الحال كان علاجاً يتصل أكثر بالحياة الاجتماعية والاقتصادية، إلا في الطور الأخير من أطواره، فسولون ألغى الديون وسولون حرر الأرض كما كان يقول في بعض شعره ثم هو في الوقت نفسه منع بيع المدين في سبيل أداء الدين، كما قيض نظام حبس المدين في سبيل أداء الدين.

ومن هذا كله تلاحظون أن الإصلاح الذي أحدثه سولون أنما كان إصلاحاً يتصل بالناحية الاجتماعية، وبالعلاقات بين الطبقات من جهة، ويتصل بالنظام الاقتصادي من جهة أخرى، لم تكن السياسة إلا أداه لتحقيق هذا الإصلاح، وتطورت الديموقراطية التى نشأت في العصر القديم بعد سولون حتى انتهت إلى التطرف وإلى ما يعرفه الناس، هذه كانت تتصل بشيءون الحياة الاجتماعية، بشيءون الحياة الاقتصادية كما تتصل بالحياة السياسية. فالذين يقولون: أن الديموقراطية نظام سياسي قبل كل شيء وأن النظام السياسي هو الذي أناح التفكير في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، إذن يسرفون على أنفسهم ويسرفون على التاريخ وإذن فليس هناك شيء يدعو إلى العيب عندما نتحدث عن الديموقراطية والحياة الاجتماعية. فالديموقراطية قبل كل شيء تتصل بالحياة الاجتماعية، بالعلاقات بين الأفراد والعلاقات بين الطبقات بالنظام الاجتماعي بوجه عام وبالنظام الاقتصادي أيضا وتتصل بالسياسة من حيث أن السياسة هي التى توجد حكومة تمكن من إنصاف الضعيف والفقير والغني وتحقق العلاقات التى تقوم على العدل بين الأفراد وبين الجماعات وبين الطبقات. هذه حقيقة يجب أن نؤكد عليها قبل البدأ في الحديث عن الحياة الاجتماعية من حيث ما يكون بينها وبين النظام الديموقراطي.

إذا كانت الديموقراطية شيئاًً يتصل بالحياة الاجتماعية قبل أن تتصل بشيءون السياسة فما عسى أن تكون الحياة الاجتماعية التى تلاءم هذا النظام الديموقراطي، أو التى تهم الذين فكروا فى النظام الديموقراطي على اختلاف العصور، وعلى اختلاف الأطوار التى مرت بهذا النظام، الواقع أن كل نظام من النظم يتصل بحياة الجماعة لا قيمه ولا خير، إذا لم يكن الغرض الذي يرمى إليه هو تحقيق العدل أو محاولة تحقيق العدل سواء تحقيق العدل شيئاً واقعياً بالفعل، أم غرضا يرمى إليه الذين يضعون النظم ويدعو إلى الإصلاح، فكل ما يتصل بالحياة الاجتماعية بين الأفراد لا خير فيه إلا إذا كان الغرض هو تحقيق العدل بين الأفراد.

وإذن فالمثل الأعلى للنظام تقوم عليه الحياة الاجتماعية فى أي بلد من البلاد وفى ظل نظام من النظم أنما هو العدل الاجتماعي الذي ينصف الفرد من نظيره وينصف الجماعة من الجماعات الأخرى التى تنافسها، يحقق شيئاً من التوازن المعقول بين الذين يعيشون فى وطن واحد ويخضعون لقانون أو لقوانين متشابهة، يخضعون بوجه عام لنظام واحد. إذا كانت الديموقراطية تمتاز عن النظم المختلفة بشيء فهو أن الديموقراطية هي النظام الذي يظن أصحابه أنه أدنى إلى تحقيق الأنصاف فى كل ما يكون، من حيث أن النظام الديموقراطي يقوم قبل كل شيء على أساس لا معنى للمناقشة فيه، ومع ذلك فالناس يناقشون كثيراً جداً فى المساواة، ومنهم من ينكر أن تكون شيئاً ممكناً.

فهم يقولون أن الناس يختلفون فى المواهب، فمنهم الذكي ومنهم ذو الذكاء المتواضع، منهم النابغة ومنهم الغبي، ومنهم القادر على النشاط البارع فى هذا النشاط ومنهم الخامل الذي لا يستطيع أن ينشط ولا يستطيع أن ينتج، كما يختلفون فى تكوين أجسامهم، فمنهم الطويل والمتوسط والضخم والنحيف. فكما أن المساواة لا يكمن تحقيقها فى المواهب ولا يمكن أن تتحقق فى الأجسام فليس من المعقول أن نطالب بتحقيق المساواة فى الحياة الاجتماعية وفيما يكون من العلاقات بين الأفراد والجماعات ما دامت المساواة شيئاً يحلم به الناس دون أن تقبله الطبيعة.

هذا كلام قيل وسيقال دائماً، وربما كانت الديموقراطية من الأسباب التى تدعو إلى أن يقال هذا الكلام وإلى أن يقال كثيراً بسبب بسيط وهو أن الديموقراطية تدعو إلى الحرية وتبيح أن يقول كل واحد ما يخطر بباله، ولكن إذا كانت المساواة فى المواهب ليست من الحقائق الواقعة، وإذا كانت المساواة فى تكوين الأجسام ليست من الحقائق، فإن هناك مساواة لا أظن أن أحداً يستطيع أن يجادل فيها.

وما دامت توجد المساواة، فلابد من أن يحسب حسابها، فالناس مهما تختلف طبقاتهم ومهما تختلف مواهبهم ومهما تختلف حظوظهم وحظوظ أسرهم فى الحياة يتساوون فى دخولهم فى هذه الحياة فهم جميعاً يولدون بطريقه واحده، وهم يتساوون فى الأشياء الأساسية فى هذه الحياة فهم جميعاً يحيون بالتنفس وبالغذاء وهم جميعاً ينمون نمواً متشابهاً وهم جميعاً فى حاجه إلى أن يتنفسوا ليعيشوا، وإلى أن يأكلوا ويشربوا لينموا وليعيشوا في أخر الأمر، ثم هم يتساوون فى الموت فهم جميعاً يموتون على طريقة واحدة، وإذن فهم قد سوي بينهم فى دخول الحياة، وسوي بينهم فى الخروج من الحياة وسوي بينهم فيما يمكنهم من احتمال هذه الحياة أو الاستمتاع بها، وإذا فهناك اختلاف بين الناس من جهة وهناك تساو واتفاق بين الناس من جهة أخرى.

فالذين ينكرون أن تكون المساواة حقيقية واقعه لأنهم يخدعون بعض الأشياء التى يختلف الناس فيها، ينبغي أن يلاحظوا هذه الأشياء الأساسية التى يتساوى الناس فيها وما دمنا جميعاً ندخل الحياة على طريقة واحده، ونخرج من الحياة على طريقة واحده ونتحمل الحياة على طريقه فأظن أننا معذورون إذا طلبنا أن نتساوى فيما يكون من هذه الأشياء الإضافية التى تعرض لنا فى الحياة، وهى التى تمكننا من أن يؤدى كل منا واجبه، ومن أن ينتج كل واحد ما يستطيع إنتاجه بناء على نظام يقوم على التقريب وعلى التوفيق وعلى التضامن وعلى المساواة فى الحقوق وعلى المساواة فى الواجبات ومع ذلك ففكرة المساواة هذه لم تقم عليها الديموقراطية القديمة من جميع الوجوه فالذين يذكرون الديموقراطية اليونانية أو الديموقراطية عند الرومان يجب عليهم أن يلاحظون أن هذه الديموقراطية كانت أبعد الأشياء عن الديموقراطية كما نتصورها نحن فى هذا العصر الحديث، ذلك أن الديموقراطية التى كانت تحقق المساواة بين المواطنين فى مدينه يونانية كأثينا كانت تقوم على أن هؤلاء المواطنين جماعه محصورة وتسجل أسماء أعضائها سجلات الدولة وهذه الجماعة كانت قله ضئيلة جداً بالقياس إلى الذين كانوا يسكنون أثينا أو من يسكنون إقليم أتيكا الذي كان عاصمة مدينة أثينا. فالذين يستمتعوا بالحقوق الوطنية وتوجد بينهم المساواة التامة فى الحقوق والواجبات كانوا قله وكانت كثرة الشعب التى تخضع لهذه الأقلية هذه الكثرة كانت تتألف من الرقيق ومن الأجانب الذين لم يكونوا يستمتعون بالنظم السياسية الدبلوماسية المعروفة الآن ومن الغرباء الذين لم يكونوا ينتمون إلى وطن بعينه وإذن ففي مدينه كمدينه أثينا إذا بلغ الشعب الأثينى المستمتع بالحقوق السياسية الوطنية والمستمتع بالمساواة 20 ألفاً فقد كان هناك أكثر من 100 ألف يسكنون مدينة أثينا وليس لهم أي حق سياسي ولا يستمتعون بأي حق وأي نصيب من هذه المساواة، فالديموقراطية الأثينيه أو القديمة فى التاريخ القديم كانت تقوم على مساواة ضيقه جداً على مساواة محصورة فى طبقه بعينها من الناس كانت نوعاً من الأرستقراطية.غاية الأمر أن هذه الأرستقراطية كانت ضيقه فى العصور الأولى ثم أخذت تتسع حتى انتهت إلى ما انتهت إليه فى القرن الرابع قبل المسيح ولكنها الديموقراطية بالمعنى الذي نفهمه نحن الآن.

بل فى نفس العصر الحديث نفس الديموقراطية التى انتشرت فى أوروبا ووصلت لنا آخر الأمر لم تقم على المساواة بمعناها الدقيق، فالذين كانوا يستمتعون بالحقوق الوطنية والذين كانوا يشاركون فى الحقوق وتقوم الأمور بينهم على المساواة كانوا محدودين فى أول الأمر، فكانت الأمور تحصر فى الذين يؤدون إلى الدولة مثلاً نوعاً بعينه من الضرائب. ثم أخذت هذه الطبقة تتسع شيئاً فشيئاً حتى انتهت فى بعض البلاد على الأقل إلى تحقيق المساواة بين جميع طبقات الشعب وإلى إزالة الفروق التى تنشأ عن الثروة أو تنشأ عما يملكه الأفراد وما لا يملكونه. ومع ذلك ففي بعض البلاد الديموقراطية ونحن من هذه البلاد، يوجد نوع من الديموقراطية لا تتحقق فيه المساواة بمعناها الصحيح. فالنوع الإنساني يتألف من الرجال والنساء والمساواة فى الحقوق السياسية ليست موجودة وليست متحققه فى مصر ولا فى كثير من البلاد التى تتمتع بالنظام الديموقراطي وإنما الحقوق كلها محصورة فى نصف النوع والنصف الأخر حرم هذه الحقوق، فإذا وجدت بلاد تحققت فيها المساواة تحققاً تاماً، فهناك بلاد أخرى لم توجد أو لم تتحقق فيها المساواة السياسية تحققاً تاماً وهى البلاد التى لا تستمتع المرأه فيها بحقوقها السياسية. 

أكثر من هذا وهو الشيء الذي يعنينا فى حديثا عن الديموقراطية وعن النظام الاجتماعي أو الحياة الاجتماعية، ففي البلاد الديمقراطية حتى التى تستمتع بالمساواة بمعناها الصحيح كما ينبغى؟ الواقع أن حقائق الأشياء تجيبنا بالنفى.

ذلك لأن التساوي فى الحقوق وفى الواجبات يحب أن يفهم على معناه الواسع، فالتساوي فى الحقوق والواجبات ليس معناه أن يتساوى الناس جميعاً فى أداء الخدمة العسكرية عندما تطلب إليهم أن يتساوى الناس جميعاً فى التصويت فى الانتخابات لمجلس النواب أو لمجلس الشيوخ وأن يتساوى الناس جميعاً أمام القانون، أمام القضاء، ولكن هناك نوعاً أخر من المساواة لعله أن يكون أهم من هذه الأنواع التى ذكرتها للمساواة، ألا وهو المساواة فى القدرة على الاستمتاع بالحياة، المساواة فى القدرة على تحمل الشقاء، المساواة فى أن نشقى جميعاً إذا لم يكن بد من أن نشقى، وأن ننعم جميعاً إذ لابد الناس أن ينعموا وألا ينظر بعضنا إلى بعض هذه النظرة التى فيها الخوف، وفيها الحقد أحيانا وفيها الاستعداد لاقتراف الجرائم أحياناً أخرى.

هذه المساواة تأتى عندما يكون العدل الاجتماعي محققاً بأدق ما يمكن أن يتحقق العدل الاجتماعي، فلا يجوع إنسان ليشبع إنسان أخر، أو ليشبع إنسان ليجوع إنسان، ولا يتاح لأبى العلاء أن يقول غنى زيد يكون بفقر عمر، وهذا النوع من المساواة يتحقق ولم تصل الديموقراطية يوماً إلى ما يمكن تحقيقه ولا أشك فى أن المثل الأعلى فى العيش فى المثل الأعلى للحياة الاجتماعية الصالحة يقضى أن يتساوى الناس هذا النوع من المساواة وألا يوجد بين الناس من ينعم على حين يشقى قوم آخرون أو من يشقى على حين ينعم قوم آخرون، وإذن فالديمقراطية ليست شيئاً مجتمعياً يمكن أن نتصور ونقول إن تحقق بالفعل فيمكننا أن نقضى عليه بأنه حسن أو ردئ، وإنما الديموقراطية قبل كل شيء طموح إلى المثل العليا يسعى الناس فى سبيلها ما وسعهم السعي يحققون منها ولكنهم لا يصلون إلى أن يحققوها كاملة إلا إذا كان قد قدر للإنسان أن يحقق مثله العليا كاملة فإذا تفاوتت الأوطان والأمم فى حظوظها من الديموقراطية، فلا غرابه فى هذا وإذا تفاوتت الطبقات فى بلد من البلاد فى شعورها بالعدل الاجتماعي ومن تصورها للديموقراطية وتحقيقها لهذه الديموقراطية فليس فى ذلك شيء من الغرابة أيضاً ذلك لأن الديموقراطية من أخص ما تمتاز به أنها شيء قابل للنمو قابل للتطور المستمر لا يمكن أن ينتهي ولا أن يصل إلى نوع من الرقى عظيم جدا فى تحقيق العدل الاجتماعي فيجب أن نثق منذ الآن بأن هذا البلد لن يطمئن ولن يعتقد أنه قد وصل إلى غايته ولن يعتقد بأنه قد أرضى حاجته إلى العدل الاجتماعي ذلك لسبب بسيط هو أن حاجة من عاش لا تنقضي وأن المثل العليا تسبقنا دائماً وتجرى أمامنا ومهما نسرع فى طلبها فلن نبلغها، فنحن إذن فى سعى متصل فى سبيل هذه المثل ونحن إذن فى سعى متصل فى سبيل تحقيق العدل الاجتماعي ونحن قد نحقق من هذا العدل الاجتماعي الشيء الكثير ولكنا لا نبلغ منه طوراً إلا طمعنا فى طور أرقى منه ولن نصل إلى منزله أرقى منها وإذن فليس علينا بأس من أن نلاحظ ملاحظتين. 

الملاحظة الأولى:

أننا فى مصر بنوع خاص قد حققنا رقياً ليس به بأس فى حياتنا الاجتماعية وفى حياتنا السياسية وفى حياتنا الاقتصادية، ولكن ليس علينا بأس من أن نلاحظ

الملاحظة الثانية:

 وهى أن هذا الرقى الذي حققناه ليس شيئاً وأنه مع تسجيله ومع الاغتباط به ليس فى حقيقة الأمر رقياً ولكنه شيء ذو حدين نشعر به فنغتبط ثم نشعر به فنحس بأننا مازلنا بعيدين كل البعد عن أن نحقق حظنا الطبيعي من العدل الاجتماعي ذلك لأن من أخص ما يمتاز به الرقى الاجتماعي الصحيح هو أن يشعر الناس بأنفسهم وإذا شعروا هم بأنفسهم شعروا بحقوقهم وواجباتهم.

فنحن ارتقينا فى حياتنا الاجتماعية ولكن لأننا ارتقينا فى حياتنا السياسية والاجتماعية أخذنا نلوم حكوماتنا ونلوم الدولة ونطالبها بتحقيق ما نطمع فيه وما نطمح إليه، وأيسر نظره فى حياتنا القريبة تقيم لكم الدليل هذا فى أول هذا القرن (الـ 20) لم نكن نطالب الحكومة بكثير لأننا لم نكن نعرف أنها فى حاجه إلى كثير من الأشياء التى لا نستطيع أن نستغني عنها ذلك لأننا لم نكن فى القرن قد وصلنا إلى الطور الذي وصلنا إليه من الرقى وكنا نجهل فائدة انتشار التعليم وكنا نجهل حق المواطن فى أن يكون موضعاً للعناية بصحته من الماء الذي يشربه، من المسكن الذي يسكنه، كنا نجهل هذه الأشياء، فلما أنتشر التعليم أخذ فريق يشعرون بأنفسهم ويشعرون بحقوقهم وحقوق الشعب يطالبون الحكومة بأشياء لم يطالبوهم من قبل، ونحن الآن نطالب الحكومة بأشياء ما كنا نحلم فى أول القرن بأنها من حق الشعب وبأن الشعب مكلف أن يطالب بها والحكومة مكلفه أن تحققها وإلا لا معنى لوجودها.

وكذلك كلما ارتقينا وكلما تقدمنا فى سبيل مثلنا العليا ازداد إلحاح الإصلاح ازدادت مطالبتنا للدولة وازدادت التكاليف التى نفرضها على الدولة. كان الذين ينهضون بأمور الحكم فى مصر يعتقدون أنهم سيرضون الشعب يوماً، وسيظفرون بالرضا الكامل عنهم والثناء المطلق عليهم فإني أبشرهم منذ الآن بأنهم لن ييأسوا من هذا كله يأساً تاماً ويجب أن يعتقدوا أنهم سيظلون دائماً معرضين للذل معرضين للمطالبة، معرضين للوم لأنهم لن يحققوا للشعب ما يطلبه. ذلك الشعب كلما أرتقي ازدادت حاجته وكلما ارتقى ازدادت مطالبه، والدليل على أن الشعب حاجته تزداد وأن مطالبه تزداد وأن إلحاحه على الدولة وعلى الحكم يزداد ويشتد بين يوم ويوم وإذا وجدتم شعباً لا ينتقد حكومته ولا يلومها ولا يؤنبها مقصرة فى هذه الناحية أو تلك فثقوا بأن هذا الشعب لا يزال خامداً بعيدا عن الحياة والرقى وثقوا بأن هذا الشعب فى حاجه إلى من يوقظه من نومه العميق.

وبعد هذا كله يمكن أن نتساءل عن ديموقراطيتنا المصرية وعن صلتها بالحياة الاجتماعية، فأخذت ديموقراطيتنا المصرية حقيقة تنهض بواجباتها الأولى فى العناية بالشعب؟

أما أنا فعلى القاعدة التى عرضتها عليكم الآن أعتقد بكل بساطه أن الديموقراطية المصرية بعيده عن أن تكون قد قامت بأبسط ما يجب أن تقوم به من أداء حقوق الشعب لسبب بسيط وهو أن كثرة الشعب والكثرة الساحقة التى تعتمد عليها الديموقراطية، والكثرة الساحقة التى ترسل أعضاء البرلمان إلى البرلمان والتى يمثلها البرلمانيون والكثرة الساحقة التى ترسل الحكومة إلى مجلس الوزراء والتي تعتمد عليها الحكومة الديموقراطية هذه الكثرة الساحقة آسف أشد الأسف لأني مضطر إلى أن أقول أن هذه الكثرة التى تستقر فيها سلطة الشعب والتي تستقر فيها قوة الدستور، هذه الكثرة مظلومة ظلماً شنيعاً مظلومة من نفسها أولاً لأنها لم تصل بعد إلى أن تعرف حقوقها، والويل كل الويل لمصر إذا وصلت هذه الكثرة إلى أن تعرف حقوقها، ثم نظرت فرأت هذه الحقوق لم تؤد إليها، هذه الكثرة مظلومة ظلماً شنيعاً بالضبط لأنها تجهل نفسها، وهى تجهل نفسها لأن الدولة لم تأخذ حقها من التعليم، هذه الكثرة مظلومة ظلماً شنيعاً لأن صحتها معرضه فى كل لحظه لألوان من الخطر لا تحصى، فهي تشرب ماء يحمل إليها المرض، وربما حمل إليها الموت، وهى تقيم فى بيوت أقل ما توصف به أنها لا تلاءم كرامة الإنسان، وهى معرضه لألوان من الفقر والبؤس والشقاء تمسها فى كل لحظه، وهى معرضه لهذا كله لأن الدولة لم تؤد إليها بعد حقها من العناية بصحتها، ومن تدبير ما ينبغي أن تسكنه من المنازل وما ينبغي أن تشربه من الماء النقي، إلى هذه الأشياء التى نطالب بها كل يوم والتي تطالب بها الحكومات نفسها كل يوم، إذن فليس من الصحيح أن ديموقراطيتنا المصرية قد أخذت تنهض بواجباتها على وجه معقول، أو على وجه قريب من المعقول، وإنما الذي حصل إلى الآن هو أنه قيل لهذه الكثرة، كثرة الشعب، أن لها حقوقاً فى أن تكون أمه عزيزة مستقلة ذات سيادة، وأن مظاهر هذا الاستقلال، وهذه القوه، وهذه السيادة هو الانتخاب والبرلمان، وهذا النوع من نظم الحكم، ونسى الذين قالوا للشعب هذا، نسوا شيئاً بسيطاً جداً، وهو أن الدستور والبرلمان ونظام الحكم على النحو الذي نعرفه ليس فى نفسه غاية وإنما وسيله، وأؤكد لكم أنه لا يعنيني مطلقاً أن يوجد برلمان ولا حكومة برلمانيه بقدر ما يعنيني أن أستمتع بالحياة كما ينبغي أن أستمتع بالحياة الهانئة، التى أجنب فيها الشقاء بمقدار ما يستطيع الناس أن يتجنبوا الشقاء، فإذا لم يصل البرلمان تصل الحكومة البرلمانية، وبعبارة أصح: إذا لم تستطيع الديموقراطية أن تمكنني من الحرية العزيزة فلست فى حاجه إلى البرلمان ولا إلى الحكومة البرلمانية.

والذي حصل فى مصر هو شيء بسيط يلاحظ الفلسفة عاده، وهو أن تحولت الوسيلة وأصبحت غاية وأن الغاية نسيت نسياناً تاماً، الأصل وهو عندما نلبس الثياب نريد أن نتقى بهذه الثياب التى نلبسها الحر فى الصيف والبرد فى الشتاء، ثم يظهر أن الخير أن تكون هذه الثياب أنيقة فيها حظ من الظرف، حسنة التنسيق، ولكن يوجد من الناس من ينسون نسياناً تاماً أن الغرض الأساسي من الثياب هو اتقاء الحر والبرد ويعتقدون اعتقادا قوياً جداً أن الغرض هو أن تكون أنيقة، هذا ما وصلنا إليه بالضبط نظامنا الاجتماعي والسياسي. قيل للشعب أن الحياة الجديدة، الحياة الحديثة التى تقتضى أن يكون لمصر دستور وان يكون لها مجلس نواب، ومجلس شيوخ، ومجلس وزراء، وأن تجرى الأمور على النحو الذي تجرى عليه الأمور فى بريطانيا العظمى وفى فرنسا وفى أمريكا وفى أي بلد ديموقراطي، وإننا إذا لم نفعل هذا كنا مترفين فى المحافظة أو منحطين مغرقين فى الانحطاط، فلابد من أن نعيش كغيرنا كما أن كل واحد من الطبقة الوسطي يستطيع أن ينسق صالونه على النحو الذي يفعله غيره من الأغنياء.

قيل لنا هذا ووجد مجلس النواب، ومجلس الشعب والنظام الذي عرف فى أوروبا، ولكن خيل إلينا أخر الأمر أننا انتخبنا، ومتى جلس النواب فى مجالسهم الهائلة من نوفمبر إلى مايو أو يونيه، ومتى ألح البرلمانيون على الورق فى الأسئلة والاستجوابات، وأحسن الوزراء فى أن يجيبوا فى البرلمان، فقد تحققت أغراض من الحياة، والواقع أننا شغلنا بالوسيلة وجعلنا الوسيلة غاية واعتقدنا أننا قد وصلنا كل شيء، على حين أننا لم نصل إلى شيء ما. وإذن فإني أسمح لنفسي بأن أتساءل: أوجدت الديموقراطية المصرية أم لم توجد؟ أما ما يتعلق بالحقوق المسجلة فوجدت من غير شك، فهناك دستور يتعلق بالحقوق المسجلة فوجدت من غير شك، فهناك دستور، وهذا الدستور يكفل لها حقوقها، ومعنى هذا أن حقوق الأمة مسجله قد اعترف بها فى داخل البلاد وخارجها فحقوق الديموقراطية شيء لا غبار عليه، ولكن من الناحية العملية شيء مشكوك فيه كل الشك، مشكوك فيه كل الشك لأسباب مختلفة.

فالديموقراطية الحقيقية:

يجب أن تكون خلقاً وخلقاً شائعاً بين الناس جميعاً، بين المواطنين جميعاً، بمعنى أن كل مواطن يجب أن يكون مؤمناً فيما بينه وبين نفسه إذا خلا إلى نفسه ولم يشعر بأن أحداً يراقبه، يجب أن يكون مؤمناً بأنه مساو لمواطنه فى حقوقه ووجباته، وبأنه لا ينبغي أن يستأثر من دون مواطنيه، وبأنه لا ينبغي أن يكذب على مواطنيه، وإذا تحدث إليهم فيزعم أنه مؤمن بالمساواة، فإذا خلا إلى نفسه أو إلى شياطينه سخر بالمساواة وبالمواطنين جميعاً.

هذا الخلق الديموقراطي الذي هو الشرط الأساسي للديموقراطية الصحيحة أوجد فى مصر أو لم يوجد بعد؟ أظن أن الذين يستطيعون أن يقولوا إن هذا الخلق قد وجد يمكن أن يعدوا على أصابع اليد الواحدة، فالخلق الديموقراطي لم يوجد بعد.

وليس أدل على هذا هذه الأيام التي نعيش فيها، والتي نشعر فيها فى كل لحظه بأن من المصريين قوماً ينعمون إلى أقصى غايات النعيم، وقوماً آخرين يشقون إلى أقصى غايات الشقاء، وأولئك يعيشون مع شقائهم حتى ينتهي بهم إلى الموت، وهؤلاء يعيشون مع نعيمهم حتى ينتهي بهم إلى الموت أيضاً، وتتحقق هذه المساواة فى الموت مادامت لم تستطع أن تتحقق فى الحياة، والمسألة التى يجب أن نتساءل عنها عندما نريد أن نجيب عن السؤال، أوجد الخلق الديموقراطي أم لم يوجد، يجب أن نعنى بالشعب، وأن نصلح من أمره، وأن نجعله حسن الصحة قوياً متيناً قادراً على النشاط، وقادراً على الجهاد، إلى هذا الكلام الذي تقرؤه كل يوم فى كل صحيفة من الصحف.

ولكن هنا نوعان من العناية بالشعب. هناك العناية بالشعب التى هي أشبه بعناية المالك بما يملكه فصاحب البقر والجاموس يعنى ببقره وجاموسه عناية هائلة، ويعنيه من العناية أن تكون صحة ماشيته جيده جداً، وإذا مرضت ماشيته ضاق بهذا وشقي شقاء شديداً، ذلك لأنه يستغل هذه الماشية، ولأن حياته موقوفة على أن تكون الحيوانات جيدة الصحة قادرة على أن تؤدى له ما يطلب إليها مهما يكن هذا الذي يطلبه.

وهناك عناية أخرى بالشعب. هناك العناية التى تأتى من أن الذين يطلبون العناية بالشعب لا يريدون استغلاله ولا يعنون به ليؤدى إليهم ما يطلبونه، وإنما يعنون به لأن العناية حق للشعب ولأنهم وجدوا ليوأدوا هذه العناية، فإذا لم يوأدوا له هذا الحق لم يكونوا آثمين أمام ضمائرهم وأمام أخلاقهم وأمام الله فحسب، ولكنهم يكونوا آثمين أمام الشعب أيضا وأصبح من حقه أن يعاقبهم ويسألهم لماذا لم يوأدوا إليه هذا الحق.

من المؤكد أن الماشية لا تستطيع أن تعاقب صاحبها إذا لم يعن بها، ولكن من الحق أن الشعب الحر يعاقب الدولة إذا لم تؤد حقه من العناية، فأي النوعين من العناية يقدم لشعبنا الآن؟

نقدم العناية التى ينبغي أن تقدم إليه لأنها حقه؟ أم نقدم إليه هذه العناية لأننا فى حاجه إلى من يخدمنا؟ أما الحكومة والبرلمان، من حيث هما حكومة ومن حيث هما برلمان، فيؤديان العناية إلى الشعب لأن الشعب يستحق هذه العناية لأن هذا حق الشعب على الحكومة وعلى البرلمان، ولكنني كما قلت لكم أول الحديث، إن الديموقراطية ليست محصورة فى مكاتب الوزراء ولا فى مجلسي البرلمان، وإنما الديموقراطية خلق من الأخلاق، فكل واحد يستطيع أن يتصل بالشعب اتصال الشرف من قريب أو من بعيد، أيعنى بالشعب لأن الشعب يستحق هذه العناية؟ أم يؤديها لأنه محتاج إلى الشعب؟ صاحب الأرض الزراعية الواسعة إذا عنى الفلاح، أيعنى بالفلاح أن الفلاح يستحق هذه العناية؟ أم يعنى به! أن يكون حسن الصحة، فإن أرضه معرضه للخطر، وزراعته معرضه للضياع وتجارته معرضه للكساد.

هذه هى المسألة التى ينبغي أن يفكر فيها كل واحد، وهى أن ما ينبغي أن يقدم إلى الشعب من العناية حق للشعب، لا ينبغي أن يقدم إليه من حيث أن فلاناً وفلاناً أو أن هذه الطبقة فى حاجه إلى الشعب، بل تقدم إليه لأنها حق له، وإذا لم تقدم إليه كان هناك إثم يجب أن يعاقب الذين ارتكبوه.

وإذا كان الأمر كذلك فما هي العناية التى تقدمها الديموقراطية الصحيحة إلى الشعب؟ فى غاية البساطة، كل واحد منا يعرفها، وقد أختصرها أحد وزراء فرنسا المسجونون الآن ليون بلوم فى بعض النشرات التى قدمها فى بعض المعارك الانتخابية، وهى أن الديموقراطية يجب أن تكفل للشعب ثلاثة أشياء: الحرية. والقوت. والسلم (الأمن).

يجب أن تكفل الديموقراطية للشعب المصري أن يكون حراً، فلا يضار فى أي عمل يأتيه أو أي قول يقوله ما دام لا يخالف القوانين ولا يتعرض لقانون الجنايات.

ويجب أن تكفل الديموقراطية المصرية للشعب القوت، وهذه مشكله من المشكلات يظهر إلى الآن أن الديموقراطية المصرية لم تشعر بأن من الحق عليها أن تكفل للمصريين القوت، وليس أدل على هذا من أن الديموقراطية المصرية إلى الآن لا تزال تعتقد بأن من الطبيعي أن يوجد المحسنون والمتصدقون، وأنه إذا لم يوجد المحسنون والمتصدقون، فمن الجائز أن يموت بعض الناس جوعاً.

إذا كانت الديموقراطية المصرية موجودة بالفعل، وإذا كانت صحيحة بالفعل، فيجب ألا يتعرض أحد من المصريين للجوع، فضلاً عن أن يتعرض أحد المصريين للمرض أو للعلة أو الموت بسبب الجوع، لتبذل الجوع، لتبذل الديموقراطية ما تستطيع، لتفعل ما تشاء أن تفعل لتسلك فى سبيل الغاية ما تستطيع أن تسلكه من السبل، فالديموقراطية التى يمثلها أمامنا البرلمان والحكومة، هذه الديموقراطية مكلفه ألا ينام مصري وهو يحس ألم الجوع، وكل وسيله فى سبيل هذه الغاية مباحة للديموقراطية المصرية، فرض الضرائب، إكراه الأغنياء على أن ينزلوا عن بعض أموالهم ومصادرة الأموال عمل أي شيء ليضمن لأبناء الشعب ألا يحسوا الجوع، هذا حق لا توجد الديموقراطية بدونه.

ثم الأمن سواء أكان هذا الأمن داخلياً أم خارجياً من حق الشعب الديموقراطي أن تعصمه من أن يكون معرضاً لأن يطغى بعض أبناء الشعب على بعض، ويوم تصل الحكومة، أو تصل الديموقراطية إلى أن تضمن للمصريين حريتهم كاملة، ويوم تصل الديموقراطية إلى أن تضمن لهم قوتهم، وإلى أن تعصمهم من الجوع أو التعرض له، وإلى أن تعصمهم من اعتداء بعضهم على بعض، وتعصمهم من الاعتداء من الداخل ومن الخارج، يوم تصل إلى هذا نقول: إن الديموقراطية المصرية قد أخذت تنهض بواجبها، ولكنها كما قلت عندما تحقق هذا كله لا تكون قد نهضت بواجباتها كلها، ولكنها تكون قد أخذت تنهض وأباحت للشعب أن يطالبها بواجبات أخرى، ذلك أن طبيعة الحياة الإنسانية الطموح والرغبة فى الرقى، فكلما وصلنا إلى طور طمحنا إلى طور آخر، فيجب أن تضمن لنا الديموقراطية هذا الطور الأدنى الذي نأمن فيه على حريتنا، وعلى أقواتنا، وعلى أمتنا، ثم يكون بيننا وبين ديموقراطيتنا المصرية حساب آخر، ذلك بأننا سنطالب بأن تمكننا من أن يستطيع الفقير أن يصل إلى ما يصل إليه الغنى فى هذا الطور أو ذاك من أطوار حياته.

ينبغى أن تمكننا من أن نطمح إلى الكمال، وأن نطمح فى تحسي أحوالنا، وأن يستريح العامل وقتاً ما فى العام وهو ضامن أجره، ويطمح الفلاح إلى أن يستريح وقتاً وهو ضامن أنه لن يشقى…إلخ، هذه الأشياء.

وكذلك تلاحظون أيها السادة أننا عندما نتكلم عن الديموقراطية والحياة الاجتماعية فى مصر لسنا فى حقيقة الأمر إلا فى أولى المراحل، فديموقراطيتنا قد وجدت كما قلت لكم وجوداً نظرياً، وأخذت تحاول أن توجد وجوداً عملياً، ولكن نتائج هذا الوجود العملي لم تظهر بعد.

وأظن أن السبيل إلى أن نتائج الوجود العملي للديموقراطية المصرية ليست عسيرة ولا صعبه، فأخص ما تمتاز به الديموقراطية أنها تمنح أصحابها الحق فى أن يطالبوا، وفى أن يلحوا، وفى أن يثقلوا فى المطالبة والإلحاح، فإذا كنا نريد أن توجد ديموقراطيتنا المصرية وجوداً فعلياً، وجوداً منتجاً، وإذا كنا نريد أن نلمس بأيدينا النتائج الأولى لوجود هذه الديموقراطية، فليس أمامنا إلا أن نطالب وأن نلح، وإلا أن نبدأ فنوجه مطالباتنا وإلحاحنا إلى معالي وزير الشؤون الاجتماعية الذي شرفنا، نطالبه بأن تنهض وزارة الشؤون الاجتماعية بما ينبغي أن تنهض به فى بلد ديموقراطى فتتخذ الوسائل، وتسلك السبل إلى أن تضمن للمصريين حريتهم، وقوتهم، وأمنهم، وعلى أن يمكن المصريين من أن يفكروا فى أن الحياة ليست شقاء فحسب، ولكن الحياة أن تكون مصدراً للنعيم، ومصدراً للابتسام.

تحرير: داليا وصفي

This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة, Secular Essays مقالات علمانية and tagged , . Bookmark the permalink.