الايدلوجيا والتكنولوجيا

عبد الله خليفة

قرأتُ في الفترة الأخيرة مقالات للباحث المصري مراد وهبة في جريدة الأهرام فدهشتُ ان الرجل لايزال يكتب في الصحافة، وهو أكاديمي متخصص ويبلغ من العمر ثمانية وثمانين عاما، وقد كانت بدايات كتاباته التي رأيتُها في مجلة (الطليعة) المصرية أيام الناصرية حيث كان يكتب كتابات مكثفة كلها أسئلة مختصرة غامضة، بحيث انك من الصعب أن تلم بفكره، ولهذا طُرد من الجامعة حيث انه يقلق الطلبة بأسئلته كما قال مدير الجامعة.

(ومراد وهبة بروفيسور وأستاذ الفلسفة في جامعة عين شمس وعضو في مجموعة من الأكاديميات والمنظمات الدولية المرموقة كما أنه المؤسس ورئيس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير عام 1994م)، موسوعة ويكيبيديا.

له بضعة كتب يتوجهُ بعضها لقراءة برغسون الفيلسوف الفرنسي الروحاني، أو لدراسة قضايا تجريدية كفكرة العقيدة المهيمنة على كل شيء.

وهو يكتب في الأهرام الآن ليعدد أحداث التاريخ المهمة من وجهة نظره وببساطة شديدة

ومن أحداث التاريخ المهمة التي يرويها انعقاد مؤتمرٍ فلسفي في فارنا ببلغاريا قبل عقود، يتناولُ العلاقةَ بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا، وقد لفت نظره في هذا المؤتمر (التاريخي) هجومٌ من قبل أحد الباحثين على ماركس وكونه سياسيا وليس صاحب فلسفة، فيما دافع باحث بلغاري عنه بوصفه منتج رؤية غيرت التاريخ.

والعلاقة بين الجانبين الفكري والتقني حسب رأي مراد وهبة، انها تكشف عن خاصية أساسية لدى الانسان وهي التزامه بضرورة تغيير الواقع إلى الأفضل، (والمفارقة هنا أن الواقع عندما يتغير فانه يتجاوز الايديولوجيا التي صنعته، الأمر الذي يلزم الايديولوجيا بأن تصبح مطلقة حتى تمنع الواقع المتغير من مجاوزتها، والخروج من هذا المأزق يستلزم نسف الايديولوجيا التي أصبحت مطلقة والبحث عن ايديولوجيا جديدة) من مقالته في الأهرام

مراد وهبة يعبرُ دائما عن ضرورة تجاوز الشموليات الدينية والسياسية ويتمحور فكره على الليبرالية، ويعتبر الصراع بين الليبرالية التحررية والأصولية الدينية هو جوهر الصراع السياسي في مصر، وإذا انتصرت الأصولية انتهى التحديث فيها كليا.

إنه يخلقُ تناقضاتٍ مطلقة بين التيارات الفكرية ويعلقها في فضاءٍ مجرد، ولا يدرس البُنى الاجتماعية التي أسست هذه التيارات المتضادة.

(يمكن القول ان ثمة توترا بين الفلسفة والعلم من جهة، والدين من جهة أخرى، أو بالأدق علم العقيدة، وهذا التوتر مردود إلى أن علم العقيدة يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، ومن ثم فإن نقده يستلزم تكفير الناقد، ويلزم من ذلك أن مقولة التكفير كامنة في علم العقيدة، وليس في الإمكان إزالة هذا التوتر إلا بإزالة مقولة التكفير، وليس في الإمكان إزالة مقولة التكفير إلا بإزالة علم العقيدة)، من كتابهِ مُلاك الحقيقةِ المطلقة.
ولكن ليس بالضرورة أن ينشأ هذا الالغاء المتبادل، أو التناقض الكلي، في عالم التعددية، فهذا ينطبق فقط على العقائد الشمولية
.

فالاشتراكية الديمقراطية هي كذلك بين فلسفة خلاقة وايديولوجيا محنطة، فهي فلسفةٌ حينما تكون حرة، وتغدو أدلجة سياسية مختنقة في التنظيمات والأنظمة الشمولية. هي طورت الفكرَ قبل الاتحاد السوفيتي وغيره، والآن تطور الفكرَ بعد ذهابه.

وهكذا هي الأديان والمذاهب والتيارات في الأنظمة الشمولية تجمدت وهي قابلة للحياة مع فك أسرها.
ومن هنا فإن الصراعَ في مصر وغيرها من الدول العربية هو بين التيارات الشمولية وبين التيارات الديمقراطية، بين قوى لديها برامجها النصوصية المُسبقة الخانقة للحريات وبين قوى مغايرة لذلك، وعلى مقاربة التيارات لحاجاتِ الأغلبيات الشعبية وتعبيرها عنها بشكلٍ مستمر ديمقراطي، قابلٍ للنقض والنقد والتجاوز، تتكونُ بأشكالٍ فكرية جديدة قابلة للحياة، ولهذا فإن كل قوى الحاضر السياسية في الأديان والمذاهب والتيارات والسلطات بحاجة الى الديمقراطية لكي تكتشفَ نفسَها مع الجماهير عبر صندوق الاقتراع، وحيث تتجه القوى الطليعية الى تغيير قوى الانتاج البشرية والمادية وليس فقط التكنولوجيا وهو تعبيرٌ تجريدي آخر، يغيبُ البناءَ الاجتماعي، فالجمهورُ يحدد القوى التي تحكم وتكون قيادات الانتاج والسلطات، عبر هذا الجدل مع التيارات الفكرية ومدى قدراتها على فهم حاجاته وفهم قوى الانتاج وضروراتها وشبكاتها العلمية
.

الصراع في مؤتمر فارنا الذي علقَ عليه مراد وهبة هو شكلٌ للصراع بين القوى البيروقراطية الرأسمالية في الشرق وقوى التحررية الرأسمالية الغربية المكتسحة لأسواق العالم، في عالم الحرب الباردة حيث تؤدلج تلك الصراعات الاجتماعية بشكلٍ فكري مجرد وتُلغى فلسفة الاشتراكية من جهة وتؤبد بشكلها الاستبدادي من جهةٍ أخرى.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية and tagged . Bookmark the permalink.