عناية المصريين بتاريخ مصر

د. طه حسين

المقال الأول للعميد فى (الأهرام 7 فبراير 1921)

عظيم فضل مصر على قدماء اليونان لآنها حفظت آثارهم الأدبية والفلسفية من عبث الزمان وحالت بينها وبين الضياع.

وعظيم فضل مصر على الحديثين من أهل الغرب لأنها حفظت لهم هذه الآثار اليونانية فمهدت لهم سبيل البحث عن أصول ما لهم من حضارة ومدنية ومن أدب وعلم وفلسفة.

وقليل جدا اعتراف الناس لمصر بهذا الفضل والإقرار لها بهذا الجميل. إن الآثار اليونانية والرومانية تستكشف كل يوم فى أرض مصر وتستخرج كل يوم من أرض مصر فتنقل إلى أوروبا أصولها اوصورها وتترجم إلى لغاتها المختلفة من غير أن يكون لمصر نفسها نصيب من الانتفاع بهذه الآثار

ومن ذا الذى يستطيع أن يصدق أن أكثر ما يحفظ التاريخ الأدبى والفلسفى للأمة اليونانية من الآثار إنما استكشف أعظمه قدرا وأصحه أصلا فى أرض مصر. وأن المصريين يجهلون كل الجهل هذه الآثار الأدبية والفلسفية بل هم يجهلون أنها استكشفت فى مصر بل هم لا يعرفون عنها شيئا ما .

ذلك الشئ نسمعه فلا نكاد نصدقه ومع هذا فهوحق ليس فيه من شك ولا ريب. ولقد بلغ الازدراء بمصر وحقوقها أن تستكشف الآثار فتطبع وتترجم وتشرح وتفسر من غير أن يفرض لها المصرى وجودا حتى اذا نظر فى صحيفة سيارة اوفى كتاب من كتب العلم فرأى الإحالة على أثر من هذه الآثار وان هذا الأثر قد استكشف فى مصر وأنه محفوظ فى باريس اولوندرا اوبرلين اوفى القاهرة نفسها وقف موقف الدهش المبهوت لا يفقه ما يرى ولا يدرى كيف يمكن وقوعه

وأكثر من هذا ان الآثار المصرية الخالصة التى تمس تاريخ مصر فى عصر الفراعنة اوفى عصر اليونان والرومان بل فى عصر المسلمين تستكشف فى كل يوم بعد ان اشتغل فى استكشافها أناس استعانوا على عملهم بأموال مصر وبما تمهد لهم مصر من سبل مختلفة فى البحث والتنقيب

أقول إن هذه الآثار تستكشف بأموال مصر ومعونتها ثم ينتفع بها الأوربيون وحدهم ويظل المصريون لها جاهلين

يظلون لها جاهلين حتى إذا أراد أحدهم أن يدرى مسألة ما تمس تاريخ مصر فى عصر من هذه العصور اضطر الى ان يرجع الى ما كتب الألمان والفرنسيون والانجليز عن هذه الآثار المصرية

كل هذا شئ واقع ربما كان ترديده إطالة وإثقالا ثم نحن لا نستخزى ولا نستحى حين نتفاخر بما لنا من مجد قديم وبأن حضارتنا هى أسبق الحضارات إلى الوجود وبأن فلاسفة اليونان وعلماءهم انما هم تلاميذ كهنتنا وأحبارنا

وأعجب من هذا أننا نفاخر بكل هذه المآثر والمزايا معتمدين فى إثباتها على الأوروبيين. فلعمرك ما أثبت المصرى قط من طريقة علمية صحيحة أن مصر قد كانت أول مهد للحضارة اوأن فلاسفة اليونان قد زاروها وأخذوا من علمائها اوأن فلسفة اليونان قد جاءتها فتأثرت بما كان لها من أصول فلسفية اودينية وأخذت صيغة لم تكن لها من قبل

لعمرك ما أثبت مصرى شيئا من ذلك وإنما يدعيه وينتحله فإن طولب بالاستدلال عليه احتج بكاتب أوروبى ما.

ولقد أذكر أنى كنت أسمع لأستاذ من أساتذتى فى السوربون كان يدرس تاريخ مصر فى عصر اليونان فكان يملأنى الإعجاب بما كنت أسمع من تفصيل دقيق لنظم الحكم ولما كان بين الملك ورعيته اليونانية، المصرية من صلات مختلفة متباينة. كنت أعجب بذلك وبما كان يذكر لنا الأستاذ من مصادر البحث والاستدلال من غير ان ينالنى أسف اوحياء لأن هذه الأشياء مجهولة فى مصر.

وإنى لخارج ذات يوم من قاعة الدرس إذا إنسان قد وضع يده على كتفى فالتفت فإذا هوالأستاذ يحدثنى حديث الواثق الذى لا يشك فيما يقول

ما بالك تحضر هذه الدروس ما أشك فى أنك كنت تعلم كل ما أقول قبل أن تحضر إلى باريس

لا أصف لك ما أصابنى حينئذ من خجل واستخزاء ولا أخفى عليك أنى لم أشأ ان يقف الأستاذ منى على مكان هذا الخزى فأعلنت اليه هادئا مطمئنا انى لم أدرس من قبل الا تاريخ مصر فى عصر الإسلام

ربما يتنزل الباحثون فيتحدثون الى المصريين عما استكشفوا من أثر قديم ولكن ثق بأنهم لن يتحدثوا إليك عن ذلك إلا بعد إن يكونوا نشروه فى أوروبا وفصلوه لجامعتهم العلمية. ثق على الجملة أنك لن تعلم ذلك الا بعد أن تعلم أوروبا. ثم ثق أنهم لن يتحدثوا اليك فيه إلا بلغتهم الأجنبية فإن كنت قد ظفرت بإتقان هذه اللغة فربما وفقت إلى أن تفقه من حديثهم بعض الشيء وإلا فأنت على ما أنت فيه من جهل حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا

بل لست ادرى أأعبس أم أبتسم حين أذكر لك ان من المصريين من قدر له ان يعمل فى البحث عن هذه الآثار فإذا وصل به بحثه إلى نتيجة ما فأراد أن يعلنها إلى الناس اتخذ لهذا الإعلان اللغة الفرنسية كأن اللغة العربية التعسة لا تستطيع أن توصف ما وصل إليه من نتيجة علمية اوكأن المصريين الأشقياء الذين لا يعرفون اللغة الفرنسية ليسوا أهلا لأن يعرفوا من هذه النتيجة العلمية قليلا ولا كثيرا

ثم نحن بعد هذا كله نزعم أن لنا شخصية قوية وأنا نريد إثبات هذه الشخصية وأننا نريد أن يعترف الناس بها راضين اوكارهين، نزعم ذلك ونريد هذا ونرضى مع هذا وذاك ان نكون عيالا على الأجنبى فى كل شئ حتى فى تاريخنا

لنا مجمع علمى مصرى ولكن لا أدرى ماذا يعمل فإن عمل شيئا فإنما يعمل لمن أتيح له أن يفهم الفرنسية. لنا متحف مصرى عظيم الثروة من الآثار المصرية واليونانية والرومانية ولكن نفعه موقوف على الأوروبيين. لنا متحف عربى يشتمل على شئ غير قليل من الآثار ذات الخطر ولكن الأوروبيين وحدهم هم القادرون على ان ينتفعوا بما فيه ، لكن الأوروبيون وحدهم هم القادرون على أن يقرأوا النقوش العربية ويفهموها ويتخذوا لدرسها وقرائتها القواعد والأصول

لنا جماعة تاريخية أنشئت لدرس تاريخ مصر وإذاعته ولكنها اجتمعت مرة واحدة فانتخبت مجلس إدارة واجتمع هذا المجلس مرة واحدة فانتخب له رئيسا ووكيلين وناموسا وأمين صندوق. ثم لم تزد الجماعة ومجلس إدارتها على ذلك شيئا ولست أخفى عليك أنى أحد أعضاء هذه الجماعة بل أحد أعضاء مجلس الإدارة. ولكن يدا واحدة لا تستطيع التصفيق. وقد أفلح من صال بجناح اواستسلم فاراح

وقد حدثت أن الجماعة ومجلس إدارتها ينتظران الاستقلال للأخذ فيما يريدان العمل فيه. وأنا أعدك بأن الجماعة التى أنشئت فى ميلانومنذ أيام لدرس تاريخ مصر وإذاعته واستكشاف ما بينه وبين المدنية الحديثة من صلة ستبدأ فى عملها وستقطع منه شأوا بعيدا قبل أن تستيقظ جماعتنا المصرية من نومها اللذيذ.

سيقولون ثرثرة وإطالة وربما صدقوا فيما يقولون ولكنى بهذا النذير الذى أكرره وأردده كلما سمحت لى بذلك الفرصة أضع عن نفسى ثقل الشعور بالداء دون محاولة الطب له. ولوأن الذين يعنون بالتاريخ أصبحوا مثلى ثرثارين مثقلين لكان من الممكن أن ننتقل من القول إلى العمل ومن الثرثرة إلى الجد وأن نرى كتابا فى تاريخ مصر كتبه أحد المصريين.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة and tagged , , . Bookmark the permalink.