المعتزلة محاولة للقراءة و الفهم 1

احمد سعد زايد   

تبدو أهمية موضوع الفكر الاعتزالي و ظهوره في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية قليلة أو معدومة ,و أنه موضوع للترف الفكري نتناوله حتى نضيع بعض الوقت و نهرب من الواقع المختلط و الملتبس الذي نعيشه لاسيما و المشهور أن الفكر الاعتزالي قد مات موتة لا رجعة بعدها ولا نشور

فهل يا ترى الأمر كذلك؟

 قبل أن نجيب لابد من أن نستعرض سريعا من هم المعتزلة و ماهو الاعتزال 

  لقد بدأ مع نهايات القرن الأول للهجرة ظهور لفظة الاعتزال و المعتزلة كعلم على طائفة من طوائف أمتنا الإسلامية الكثيرة و ما لبث القرن الثاني أن انتصف إلا و هم قد أصبحوا ملء السمع والبصر حتى إذا جاءت خلافة المأمون فعلى كعبهم و قويت شوكتهم و وصارت عقيدتهم و تصوراتهم الدينية هي المعتمدة لدى دولة الخلافة و بلغ من إيمانهم الجازم بها أن حملوا الناس عليها بالإكراه خصوصا علماء الدين من فقهاء و محدثين

 رغم تعدد الروايات عن من لقبهم بهذا الاسم سواء كان الحسن البصري أو أختاروه هم لأنفسهم إلا أنهم قبلوا التسمية و التلقيب بالاعتزال  حيث كان مصدر التسمية و منبعها ما ذكره القرآن عن قصة النبي  إبراهيم وجداله و نزاعه مع أبيه حتى قال له و لقومه وَأَعتزِلكم وما تَدعونَ مِن دون اللَّهِ وَأَدعو ربِي )سورة مريم 48)

 مؤسسي المذهب والفكر الاعتزالي

 كأي فكر ديني لابد أن يرجع في تأسيسه إلى العصر الأول لنشأة الدين و يرى ذلك الفكر أو ذاك أن قراءة فرقتهم هي القراءة الصحيحة المتوازنة للدين و أنهم ليسو فرقة دينية جديدة أو فصيل متطور من الدين الأصلي و لكنهم اﻷمتداد الطبيعي لخير سلف في جيل التأسيس للدين فكان الرسول الكريم هو المؤسس الطبيعي للإعتزال وكان الخلفاء الأربعة  اﻷوائل الراشدون الطليعة اﻷولى لإعتزال كما ذكر الشريف المرتضى في طبقات المعتزلة و عد جمعا كبير من صدر اﻷمة اﻷسلامية في طبقات المعتزلة الحافلة بأولي العقل الراجح والفكر الثاقب من أذكياء و نوابغ الحضارة العربية الإسلامية مثل النظام و العلاف والجاحظ و بشر بن المعتمر و المردار الملقب براهب المعتزلة وأحمد بن أبي دؤاد و الرماني و الخياط والنيسابوري و الزمخشري و عبد الجبار و غيرهم كثير

أما النشأة الحقيقة و التكوين الأساسي للمذهب و المصطلح فكان على يد كل من واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد بالبصرة في أواسط القرن الثاني للهجرة بعد زوال دولة بني أمية و بواكير دولة بني العباس

 مروجي المذهب والفكر الاعتزالي

بينما كان للبصريين فضل التأسيس و النشأة و طرح إجابات أساسية دار حولها جدل كبير داخل البيت اﻹعتزالي و خارجه إلا أنه قام بالنصيب الأوفر في نشر المذهب اﻹعتزالي و الترويج له مدرسة اﻹعتزال التي نشأت ببغداد فكان للبغداديين الدور اﻷساسي ليس في  نشر مذهب اﻹعتزال و الترويج له فحسب بل و فرضه و جعله مذهبا رسميا للدولة في عهد الخليفة المأمون  و وزيره أحمد بن أبي دؤاد و تطورت المدرسة اﻹعتزالية من كونها مجرد  فرقة إسلامية تحمل نزعة عقلية دينية  مخصوصة لقراءة الدين اﻹسلامي وهي في ذلك مدرسة من مدارس عديدة تطورت مدرستهم مع المأمون إلى كونها الدين الحق و التفسير الوحيد الصحيح للدين للإسلام   

 لماذا ظهرت حركة اﻹعتزال

كعادة اﻷمر في المذاهب الدينية و المدارس الفلسفية فهي لا تنشأ في فراغ مجرد أو  تقوم بتجاوز محض للتاريخ وصيرورته وهي دوما مقيدة بقيود الزمان والمكان ولا تخرج البته عن لحظتها التاريخية وسياقاتها السياسية واﻹجتماعية واﻹقتصادية ومن القراءة الجيدة للحظة التأسيس ينكشف لنا الكثير عن المذهب و نستطيع أن نتفهم

أكثر مقولاته والإشكالات والتحديات والأسئلة التي حاول المعتزلة اﻷول الإجابة عنها

فقد كان هناك عدة عوامل بل إن شئت قل تحديات واجهت عقل واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد فولدت المذهب الذي ساد العالم الإسلامي حينا من الدهر بل ما زالت النزعة اﻹعتزالية مبثوثة في كل المدارس الإسلامية بدرجات متفاوتة تقل أحيانا وتعظم أخرى

و كانت إشكالات الحياة السياسة وأزمة الفتنة الكبرى و خلاف بل قتال الصحابة و تحويل معاوية الخلافة من شكلها الذي إعتاده الجيل اﻷول إلى نظام الحكم المستقر في ملكيات العالم من حوله من روم و فرس و الغى نظام الراشدين إلغاء ظل حيا لقرون طويلة بعده ولم تكن آثار الفتنة الكبرى سياسية فحسب بل طبعت الوجدان والعقل المسلم طبعا لا إنفكاك منه فقد طبعته طبعا عميقا تشربه العقل المسلم بتجلياته المختلفة في كافة المدارس والفرق التي تشكلت عبر حركة التاريخ و كانت كافة المسائل و المستجدات الخاصة بأحكام مرتكبي الكبيرة و القدر و نظام الحكم اﻷمثل مدارها و منشأها اﻷساس هو أحداث تلك الحقبة 

و من ناحية أخرى كانت الفتوحات للبلدان العريقة في الحضارة و العميقة في الفكر و ذات اﻷديان غير الإبراهيمية مولدا رئيسيا ﻷسئلة لم يتطرق إليها العقل العربي اﻷول الذي شهد تنزيل القرآن منجما على محمد بن عبدالله (ص) و كانت اليد الطولى في ذلك للفرس ودينهم و ما ورائهم من أديان  بلاد الهند أصحاب التأويلات المختلفة لطبيعة الذات الإلهية التي تختلف كليا عن تصورات الساميين اﻹبراهيمين للذات المقدسة

و من إجابات أسلاف المعتزلة عن كل تلك اﻷسئلة و اﻹشكالات كان مذهبهم الذي خالفوا فيه غيرهم من أطياف المجتمع المسلم الناشئ و من تلك الإجابات دار جدل نجد تأثير ذلك الجدل في سائر  أطياف المجتمع المسلم الفتي

سمات الفكر الاعتزالي

كانت العقلانية ومحاولة التفسير العقلاني للظواهر و المعاني  الدينية هو السمة العامة في الفكر الاعتزالي وكانت إشكالات عصر النشأة والجدل الديني السائد وقتئذ كان له الدور اﻷكبر في تشكيل الوعي اﻹعتزالي ليس في طور النشأة فحسب بل و بعد ذلك

وكذلك عن تفسيراتهم لمفاهيم اﻹسلام و القرآن  كانت إجابة عن الجدل السياسي و الديني السائد في عصر النشأة

فكانت إشكالات عصر النشأة هي  الصبغة التي حُملها الإعتزال من بدايته و حتى إندثاره

و كانت الأصول الخمسة هي الركائز اﻷساسية لمظلة اﻹعتزال  التي جمعت المعتزلة تحتها و كانت لهم بمثابة مظلة واسعة فضفاضة   أختلف المعتزلة كل تحتها اﻹختلاف إختلافا أدى بهم أن يكفر بعضهم بعضا و يخرج بعضه بعضا من مظلة اﻹعتزال الحق بل والدين الحق كذلك.

واﻷصول الخمسة بإختصار العدل و التوحيد و المنزلة بين المنزلتين و الوعد والوعيد و اﻷمر بالمعروف و النهي عن المنكر

فكانت الركائز  اﻷولى إجابات   على أزمة الفتنة الكبرى و ما تولد عنها من إشكالات عقدية و دينية فيما سوى التوحيد كليا و العدل نوعا ما فكانت صلتها أكبر بالثقافات اﻷجنبية خصوصا الفارسي و الهندي منها و بعد حينا من الدهر  الثقافة اليونانية متمثلة في فلسفاتها العديدة خصوصا  ارسطو و شراحه التي تحول بفضلهم المذهب الاعتزالي من مذهب كلامي بسيط إلى مذهب فلسفي معقد

و نعرض بإيجاز تلك اﻷصول الخمسة للإعتزال :

و العدل يعبر عن رؤية المعتزلة لعلم الله و تفسيرهم للقدر

و التوحيد يعبر عن رؤيتهم للذات اﻵلهية و ماهيتها و طبيعتها و كيف تفسر وتؤول نصوص القرآن و ما قبلوه من الأحاديث المتعلقة بوصف الذات العليا و كذلك كون القرآن مخلوق و إستحالة كونه غير ذلك بنظرهم و هذه المسألة محور هذا الباب و ذروة سنام التوحيد التي أمتحنوا الناس بها و حملوا العلماء على القول بها و أما المنزلة بين المنزلتين و الوعد و الوعيد فمختصان بحكم المسلم الفاسق الخارج عن أحكام الشريعة المرتكب للكبائر ما هو حكمه في الدنيا و اﻵخرة و كيف يتعامل معه

 و كانت الركيزة اﻷخيرة و هي أصل اﻷمر بالمعروف و النهي عن المنكر تحمل تصور المعتزلة للدولة المثلى الفاضلة و كيفية الحفاظ على نظام حكم عادل غاب عن حياة المسلمين منذ عصر الشيخان كما يرى غالبية المعتزلة اﻷوائل

 وبقيت مسائل أذكرها لاحقا قريبا

يتبع

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, Philosophy & Religions فلسفة واديان, احمد سعد زايد and tagged . Bookmark the permalink.