الذكري الـ 38 لاستشهاد عمي

باهر رضا

في يوم 20 سبتمبر 1942 أتي طفل إلي الدنيا في قرية صغيرة …………وتربي في وسط عائلة من المزارعين وملاك الأراضي ………..وكان جده وأبو جده عمدة البلدة لمدة تراوحت في حدود ال40 عاماً تقريباً ………….ويسمع من خلال أحاديث من يعملون مع عائلته حكاية غريبة وقديمة حيث يحكي أحدهم أن جده عندما استلم جواب التكليف بالعمودية خلفاً لوالده من حكومة النحاس باشا وفي الأيام الأولي لتوليه هذا المنصب حدث أن أتي إليه أحد العمال شاكياً من ان ابنه قد ضربه ………..فإذ بالرجل يأمر بالقبض علي ابنه وحجزه …………ليومين ……….وليخرج في اليوم الثالث علي رؤوس الأشهاد ليعاقبه أمام الجميع ويقول لهم أن ابني عندما أخطأ عوقب مثل أي شخص لذلك فالكل إمام القانون متساوون ……..كانت هذه الحكاية وأخواتها من القصص ما يسمعها هنا أو هناك وهي ما رسبت في أعماقه إيمان بتلك المثل من العدالة والكرامة والشجاعة ………..وتدرج بمراحل التعليم المختلفة حتى التحق بكلية الهندسة ………واتاحت له الحياة والتنقل بين كليته بأسيوط والتواصل مع باقي العائلة بالقاهرة فرصة للتواصل وصقل مهارات شخصيته فهو ابن القرية والفلاح بكل ما تعنيه أخلاق القرية من شهامة وشجاعة وطيبة أيضاً ….

وهو الكائن بالقاهرة العامرة التي لا تنام بكل صخبها وضجيجها ……………وتشاء الظروف أن يكون بطل روايتنا له خال في نفس عمره ويتدرجا معاً في كلية الهندسة ………وينهيا معاً فترة الدراسة بأسيوط بكلية الهندسة ……..وليذهب بعدها بطل روايتنا إلي المشاركة في حلم مصر آنذاك وحلم الرئيس عبد الناصر ببناء السد العالي ومثل جميع المهندسين الذين خرجوا ارتالاً لخدمة الوطن واظهروا قدرتهم الفائقة في الأعمال الهندسية الخاصة بالسد وتفجير الجبال وتحويل مجري نهر النيل حتى اكتمال تنفيذ السد العالي وإتمام الحلم  ………خرج المهندسون المصريون يتبارون في خدمة الوطن محتملين قيظ شمس صحراء أسوان القاتلة ومشقة العمل في ظروف غير مهيئة تماماً وبمعدات بسيطة وغير حديثة ولكنهم أتموا عملهم علي أكمل وجه ليتحقق لمصر حلمها ولينتشر المهندسون المصريون بما اكتسبوه من خبرة في بقاع المحروسة ليكملوا مسيرة البناء ويعود بطل روايتنا لقريته الصغيرة بقنا ………..كمهندساً للري ………..ولم يكن هنالك مقر للري في قريته وكل ما هنالك كان مقر بالنيل عبارة عن عوامة متهالكة كمقر إداري ليبدأ به عمله ولكنه لم يكتفي بما وفرته له هندسة الري فقدم لهم طلب بالتبرع بالأرض من التي يمتلكها من أجل إنشاء هندسة للري بقريته وبعد اكتمال البناء كانت مصر قد دخلت في هزيمة أصابت الوطن في مقتل واحتلت إسرائيل سيناء بالكامل وكانت تلك النكسة سبباً في ألم وإحساس عام بالهزيمة وسط جموع المصريين …………

 …………وبدأ الجيش في تجديد دماؤه علي اساس علمي سليم بعد هزيمة 67 وبدأ في تجهيز الفرد المقاتل وأجراء التحصينات والتدريبات اللازمة لرفع المستوي القتالي للفرد استعداداً ليوم يزأر فيه المصريون لكرامتهم ووطنهم ………وبدأ الجيش في تجنيد ذوي المؤهلات العليا من حاملي الشهادات للاستفادة بخبراتهم وبدأ بتجنيد غالبية المهندسين ليستفيد بخبراتهم في إنشاء الدُشم والتحصينات …….تم استدعائه مع خاله للتجنيد ……………وبدأ كمجند للعمل وتم توزيعه بأحد المطارات العسكرية بالصعيد وعندها بدأت رحلته مع حياة الجندية ………..عندما بدأ العمل كان هذا المطار في احتياج شديد إلي تحصينات لكي يتم إخفاء ما تبقي من طائرات من أجل الحفاظ عليها وعمل تحصينات وهمية حتى يختلط الأمر في حالة حدوث أي هجوم  وكان بطلنا المشرف علي هذا العمل ………………….وقضي هناك فترة طويلة بالموقع حتى صدر قرار من القائد الأعلى للقوات المسلحة بترقية الجنود ذوي المؤهلات العليا وأصحاب التخصصات إلي رتبة ملازم بعد اجتيازهم التدريبات اللازمة بكلية الضباط الاحتياط وهكذا انتقل بطل قصتنا من موقعه إلي كلية الضباط الاحتياط لينتقل بعدها إلي خط الجبهة وينضم تحديداً إلي قوات المشاة  ويلتحق بوحدات المهندسين العسكريين ويتخصص في مجال فتح الثغرات وتطهير الألغام وليترقى بعد فترة إلي رتبة ملازم أول  ………..وكان وقتها قد بدأت التدريبات علي فكرة المقدم مهندس / باقي زكي يوسف وهي استخدام فكرة مدافع المياه لإزاحة الرمال وفتح ثغرات تسمح بعبور القوات والمعدات الثقيلة ……وهي الفكرة التي استوحاها المقدم / باقي زكي من فترة انتدابه للعمل بالسد العالي وكان بطل قصتنا يعمل أيضاً في هذا الموقع مع باقي مجموعات المهندسين ……وكانت التدريبات تجري علي قدم وساق علي نماذج مثل خط بارليف وكيفية العبور ……….وفي احدي أجازاته  سأله أحد أقاربه بعدما دبّ الشك في هل مصر ستحارب ؟؟؟  فقال له ……….نعم كل الشواهد تقول ذلك حتي وإن ظنّ الناس أن لا شيء سيحدث بل أقول لك أنني مكلف بأحدي النقاط الحصينة علي الضفة الأخرى من القناة وأشعر أن اسمي مكتوب علي هذا الموقع ……………….وعندما سمع قريبه هذا الكلام وكان عضواً سابقاً بالإتحاد الاشتراكي وتربطه علاقات ببعض القادة فقال له سأحاول نقلك من هناك …….ورفض صاحبنا هذا الكلام تماماً وقال له إن فعلت ذلك فمن هذا اليوم فلا تربطني بك صلة قرابة ولن أترك مكاني ولا مهمتي مهما حدث ….. 

 وحدث في صيف أكتوبر 1973 وإثناء وجود بطل قصتنا مع خاله _ الذي كان قد التحق بالمهندسين العسكريين أيضا ولكن ضمن المشاة ميكانيكا _ وكانا في استراحة المهندسين بالقناطر وكانت ليلة ينعكس فيها ضوء القمر علي صفحة الماء مُبدداً ظلام الليل الدامس وكان هناك حديث وسمر دار بين صاحبنا وخاله الذي بادره قائلاً ” تخيل يا فتحي حاجة غريبة إحنا مولودين في نفس السنة ودخلنا مع بعض نفس المدرسة ودخلنا كلية الهندسة سوياً حتي الجيش دخلنا مع بعض ……..ايه الصدفة العجيبة دي ……….” وضحكا سوياً وتذكرا أيام الصبا وجو قريتهم وأيام الجامعة بكل صداقاتها ومواقفها وطرائفها…………………………

وفي صيف أكتوبر 1973 وكان بطلنا قد بلغ من العمر 31 عاماً وكان من عادة العائلة كأغلب العائلات بالصعيد النسب من داخل العائلة ………..فتم الاتفاق علي الخطوبة من ابنة عمه ……………….وتم الاتفاق علي تحديد ميعاد الخطوبة في شهر أكتوبر وتحديداً في 5 أكتوبر حيث أن هذا الميعاد مناسب لأجازته من الجيش ………ومرت الأيام سريعاً ليعود في أواخر شهر سبتمبر بأجازة طويلة من أجل إتمام خطبته من ابنة عمه …….وكانت الأفراح والموائد تجري استعداداً للخطبة ……….ولكن في صباح يوم 4 أكتوبر وصل تلغراف ..يطالبه بالعودة فوراً لوحدته بالجيش الثالث علي وجه السرعة ………وهنا تمسكت والدته بعدم سفره مهما حصل ولأنها غير مطمئنة علي ما يحدث وطلبت منه أن يكمل خطبته وبعدها بعدة أيام يذهب إلي وحدته ولكنه رفض وقبلها وقال لها ” لا تقلقي يا أمي دي مجرد تدريبات عادية وعندما سأعود ستفرحين ” وذهب وودع خطيبته وأهله وأصدقائه بالبلدة ………….وذهب إلي وحدته ووصل متأخراً ليلة 5 أكتوبر ………وكان كل شيء بوحدته بمنطقة عوبيد لا يوحي  بأي شيء غير معتاد …………….أشرقت شمس السادس من أكتوبر الموافق العاشر من شهر رمضان المبارك حارقة كعادتها في مثل هذا الميعاد ولكن مع مرور الوقت بدأت تدب حركة نشاط غير معتادة بالوحدة ……….حتي طلب القائد الاجتماع بقادة الفصائل والضباط ثم حدث أمراً غريباً إذ أن القائد وضع إفطاراً أمامه ومد يده وأمسك بقطعة عيش جافة وأفطر وقال ” أمامنا أيام طويلة يعلم الله وحده ما سيحدث بها ولكني افطر إمامكم لأرفع الحرج عن أي صائم إذا أراد الإفطار لأننا مقبلون علي تاريخ جديد سنكتبه بأيدينا وبدمائنا وسنمحى كل العار والهزيمة التي لحقت بنا في 67 …….لم نهزم ……….لأننا لم نحارب أصلاً  ”  وبدأ في فتح الخرائط ومراجعة التفاصيل الخاصة بكل مجموعة والتي كانت تتدرب عليها سابقاً ………ثم طلب من الضباط تشجيع جنودهم وحثهم ………لأن هذه الساعة هي ساعة ان يثبت الجندي المصري قوته الحقيقية ويحطم غطرسة قوة غاشمة ظنت إنها لن تهزم ……….وبدأ الضباط في تنفيذ مهامهم علي وجه السرعة وبدأت موجات الطائرات تعبر في منظر مُهيب ………..ثم بدأت المدفعية وموجات القوارب المطاطية تعبر محملة بالجنود وكانت في مقدمة تلك القوارب الخاصة بسلاح المهندسين وكان صاحبنا بإحداها ويصف أحد أصدقائه هذا اليوم وكأنه يوم القيامة حيث أن صوت عبور الطائرات وقصف المدفعية كانا يزلزلان الأرض ……….وبدأ صاحبنا في تنفيذ مهمته مع فصيلته بالهجوم علي احدي النقط الحصينة المكلف بها وانهي مهمته بنجاح وبدأ في التعامل مع الألغام المزروعة لكي يفتح الطريق لعبور الدبابات وحاملات الجند التي بدأت في التحرك فوق الكوبري الذي تم إنشاؤه في فترة اقتحامه للنقطة الحصينة …………..وبعدما أنهي الملازم أول / فتحي فخري يونان مهمته وكان عليه التقدم إلي نقطة التجمع التي يبدأ فيها تجميع القوة ………فوجيء بهجوم من النقطة الحصينة المكلف بها أحد زملاؤه والذي يبدو أنه أصيب ………فأنتقل بفصيلته للهجوم علي النقطة المجاورة ومحاولة إخلاء زميله المصاب ………………..ولكن تحت أطلاق نار عنيف من فوق النقطة الحصينة تستقر مجموعة من الطلقات في صدره لتخرج روحه إلي بارئها مع زميله الضابط المصاب في مغرب يوم 6 أكتوبر ……..وفي اليوم التالي يتم اكتشاف جثامينهم الطاهرة بعدما وجدوا المعدات الخاصة بفتح الثغرات من الأنابيب المستخدمة لإزالة الألغام ………ولعل هنا يبرز معني الوحدة الوطنية الحقيقي بعيداً عن الشعارات الفارغة …واختلطت دماء الشهداء لتروي عطش رمل سيناء لتنبت لنا زهر الحرية لم يفرق رصاص العدو بين هذا وذاك  …………….ويتم دفنهم في أماكنهم بوجود قائد اللواء والكتيبة في اليوم التالي ……….وتم استدعاء خال الشهيد الذي تم نقله من خطوط المواجهة إلي خطوط الإمداد الخلفية ويتم إعلامه بعدها بعدة أيام …………………………………………

 ………………………………………..رحم الله شهداء النصر ………….رحم الله شهدائنا 

 تمر اليوم 38 عاماً علي استشهادك عمي العزيز ……………………ليرحمك الله وكل شبابنا من شهداء مصر في كل مكان وزمان …………………………………

 دماؤكم أيها الشهداء في رقابنا ………….وارض سيناء وكل حبة رمل هناك في رقابنا ………..لم ولن نفرط في ذرة من ترابنا ……ولن نتاجر بدماؤكم ……….فأرواحكم هناك شاهدة علينا ……..وعلي ما بذلتموه لكي ننعم أحراراً في وطننا

Print Friendly
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس and tagged . Bookmark the permalink.