حجاب الموناليزا: البيانو المحرّم

طوني صغبيني 

 بالإضافة إلى تحريم معظم الفنون في بداية الدولة الإسلامية، هنالك كمّ هائل من الأدبيات الدينية التي تعبّر عن عداء مفتوح تجاه الفنّ وخاصة الموسيقى، وبالكاد سيعثر الباحث على أي مرجع إسلامي يتكلّم بإيجابية عن أنواع الفنّ وخاصة التعبيريّة منها.

بعض أحاديث الرسول تعبّر عن عدائية شديدة تجاه الفنّ، وتحديداً الموسيقى والرسم والنحت. في أحد الأحاديث يقول محمّد ” كل مصور في النار[1].

حسناً، هذا الحديث يعني أن أهم الفنانّين على مرّ العصور مثل فان جوخ وليوناردو دافنشي وجبران خليل جبران يحترقون في هذه اللحظة في نار جهنّم. في الصورة، لوحة لجبران بعنوان “التناغم في الأعالي

في حديث آخر يقول: “سيكون في أمتي خسف وقذف، ومسخ”، قيل: يا رسول الله متى؟ قال: “إذا ظهرت المعازف، والقينات، واستحلت الخمرة [2].

وفي آخر يقول الرسول: “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف، و لينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة[3].

ويتّفق مؤسسي المذاهب الإسلامية الأربعة على منع الموسيقى. في الواقع، إن معظم الأئمة التاريخيين الذين عملوا على تفسير القرآن والسنّة يجمعون على ذلك، باستثناء ابن حزم الذي لا يمنع الغناء بالمطلق لكن يحرّم الآلات الموسيقية وغناء الإناث وكل المواضيع الفنيّة التي لا تدور حول الدين.

واليوم كذلك، نجد لدى طبقة رجال الدين في العالمين العربي والإسلامي عداء عام تجاه الفنّ، وتتراوح مواقفهم بين التحريم الكلّي كما في المملكة العربية السعودية، أو السماح بها في ظلّ مراعاة شروط صارمة كما في حالة رجال الدين الشيعة في لبنان.

ولعلّ الموقف الديني من الموسيقى هو نموذج الموقف الديني العام تجاه الفنون. ففي السعودية، الحكّام الوهابيين لا يكتفون فقط بتحريم الموسيقى بل هي جريمة يُعاقب عليها بالسجن والجلد في الساحات العامّة. قائد الثورة الإسلامية في إيران، آية الله روح الله الخميني، يشيطن بدوره الفّن الموسيقي بل يجعل من منع الموسيقى شرطاً لتحقيق الاستقلال الوطني. يقول الخميني في إحدى مقابلاته: “الموسيقى تفسد عقول شبابنا. لا يوجد فرق بين الموسيقى والأفيون. كلاهما يخدّران بطريقة مختلفة. إن كنت تريد لبلادك أن تكون مستقلّة، عليك منع الموسيقى. الموسيقى هي خيانة لأمّتنا وشبابنا[4].

حتى المراجع الدينية التي تسمح بالموسيقى تضع عليها قيود مستحيلة. هذه هي حالة الشيخ يوسف القرضاوي، الإمام المتشدّد الذي يبثّ برنامجه التلفزيوني الخاص لملايين المسلمين على قناة الجزيرة. في كتاب عنوانه “الإسلام والفنّ” يمكن الاطّلاع عليه على موقعه الالكتروني[5].

يقول قرضاوي أن الموسيقى ليست ممنوعة إن تمّ احترام الشروط الإسلامية فيها. هذه الشروط تعني أنه يمكن الاستعانة بالموسيقى فقط خلال المناسبات الرسميّة مثل الزواج، عودة أحد الأقارب من السفر والمناسبات الدينية والوطنية. الإمام المتشدّد يشترط أيضاً غياب الآلات الموسيقية، امتناع الموسيقى وكلمات أغانيها عن “إثارة الغرائز”، ويضيف أنه من المحرّم أن يكون هنالك مغنّيات إناث، من المحرّم أن يتم الاستماع إلى الموسيقى في أماكن “حيث ترتدي النساء الماكياج” وحيث هنالك اختلاط غير مشروط بين الجنسين، محرّم كذلك الاستماع للموسيقى أو تأديتها في الأمكنة التي تقدّم الكحول أو التي تحتوي أي أمر آخر متعارض مع الأحكام الإسلامية.

الموضوع الشرعي الوحيد للفنّ وفقاً لقرضاوي هو طبعاً المواضيع الدينية والوطنية فقط. وهو يحذّر خاصة من أغاني الحبّ التي “توقظ الرغبات النائمة وتغري القلوب المريضة”. الكلمات التي تتعارض مع التعاليم الإسلامية ممنوعة أيضاً، ومنها “الأغاني التي تتغزّل بصاحب العيون الجريئة[6]

نظرة القرضاوي للفنّ والموسيقى متناغمة إلى حدّ كبير مع نظرة بعض رجال الدين الشيعة وتحديداً اللبنانيين والإيرانيين منهم. العلّامة الشيخ محمد حسين فضل الله، صاحب الاحترام الواسع في لبنان، يقول: “”إن المحرم من الموسيقى هو ما يكون مثيراً للغرائز ومنفتحاً على الشهوات وهو الذي يعبر عنه الفقهاء بما يتناسب مع ألحان أهل الفسوق، وأما الموسيقى الهادئة التي تريح الأعصاب والتي تحمل فكراً وتحمل روحية معينة، أو الموسيقى الحماسية فجائزة[7].

الموقف الشيعي الأكثر تسامحاً تجاه الموسيقى سمح ببروز بعض التجارب الموسيقية الدينية المهمّة في إيران ولبنان. الموسيقى الحربية والوطنيّة كانت إحدى الأدوات التعبوية الرئيسية التي استعمتلها الثورة الإسلامية في إيران خلال الحرب مع العراق في الثمانينات، واليوم هذا النوع من الموسيقى هو إحدى الأدوات الأساسية في استراتيجية الإعلام والتعبئة للمقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله. فرق الإنشاد المرتبطة بالحزب أطلقت حتّى الآن عدّة ألبومات، لكن موسيقى حزب الله تُصنّف عادة ضمن خانة “الإنشاد”، الذي يؤدّى فقط بأصوات رجال مع أدوات موسيقية محدودة كالطبل أو من دون أدوات موسيقيى على الإطلاق، وحيث تتحدّث الكلمات فقط عن القضايا الوطنية والدينية. “الإنشاد” هو شرعي وفقاً للعديد من المراجع السنيّة أيضاً.

ينسحب الموقف الديني حول الموسيقى على معظم الفنون الأخرى، خاصة النحت والرسم حيث يوجد حولهما إجماع مطلق أنهّما محرّمان[8].

أمام هذه الوقائع، من السهل علينا فهم تواضع المساهمة الإسلامية والعربية في التراث الفنّي الإنساني إذا ما وضعنا الأدب والهندسة جانباً، فمن الصعب تخيّل أن مجتمعاً يحرّم الموسيقى ويعتبر الرسم والنحت خطيئة يمكن أن يكون قادراً أبداً على إنجاب واحتضان فان غوغ أو موزارت أو رامراندت محتمل من بين أفراده.

يمكن قياس تأثير ذلك على الميول الفنّية في المجتمع العربي من خلال جولة صغيرة على المنتديات الإسلامية. في أحد المنتديات، عبّرت تعليق لمعلّمة بيانو شابّة عن هذه القضية خير تعبير. أستاذة الموسيقى التي تعيش في الإمارات العربية المتّحدة صُدمت من الموقف الديني تجاه الموسيقى، وكتبت تعليقاً على مقال إسلامي تناول هذا الشأن:

المقال دمرني من داخلي لأني أعمل مدرّسة موسيقى وأريد ان تعطيني حل لما أنا فيه مع العلم اني اعلّم التلميذات أغاني دينية ووطنية ولكني استخدم الألآت الموسيقية. ومع العلم أيضا اني احفظ ابنتي القرآن وهي ما شاء الله عمرها 3 سنوات ونصف وتحفظ جزء من سورة البقرة، ولكن الآن الدنيا أظلمت بوجهي لإحساسي أن أموالي حرام. فماذا أفعل أفيدوني أفادكم الله فأنا متعبة جدا والله العالم”.

طبعاً ستكون متعبة، فقد أقنعها المتعصّبون الدينيون، ومعها ملايين المسلمين غيرها، أنها ستدخل إلى النار لمجرّد أنها تعلّم الأطفال التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم باستعمال أرقى وسيلة تعبير توصّل إليها البشر: الموسيقى.

لذلك السؤال الذي يبقى هو… لماذا يكره الله البيانو لهذه الدرجة؟

———————-

هوامش:

[1] رواه البخاري رقم 2225 ، ورواه مسلم رقم 2110

[2] السلسلة الصحيحة الألباني 2203

[3] “ ([3]رواه البخاري تعليقا برقم 5590، ووصله الطبراني والبيهقي، وراجع السلسلة الصحيحة للألباني 91).

[4] Quoted in Amir Taheri, The Spirit of Allah: Khomeini and the Islamic Revolution, (Adler & Adler 1986), p259.

من المهم أن نشير إلى أن الخميني اتّخذ موقفاً أكثر ليناً تجاه الموسيقى في وقت لاحق، لكنه وضع لها شروطاً كثيرة كما في حالة الشيخ يوسف القرضاوي الذي سنفصّل موقفه في المقاطع التالية.

[5] يوسف القرضاوي، الإسلام والفنّ.

[6] يرتكز القرضاوي في هذا الأمر على الآية: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم … وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن”، (النور: 30، 31). وعلى حديث للرسول يقول فيه: “لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة”.

[7] الشيخ محمد حسين فضل الله في حديث له حول الفنّ والموسيقى.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طوني صغبيني and tagged . Bookmark the permalink.