أزمة التطبيع مع إسرائيل

د. مراد وهبة

إذا كانت الأزمة تنطوى على تناقض فأين يكمن التناقض فى التطبيع مع إسرائيل؟

للجواب عن هذا السؤال أستعين بخبرين أحدهما منشور بجريدة «الأهرام» بتاريخ ٩/٩/٢٠١٢ على النحو الآتى:

«قال العقيد أركان حرب أحمد محمد على المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة إن تحريك القوات المسلحة واستخدامها فى كامل أرض سيناء يأتى فى إطار حرية القرار الوطنى المصرى مؤكداً أن مصر لم تنتهك معاهدة السلام مع إسرائيل، هناك تنسيق كامل معها حول العمليات العسكرية». أما الخبر الثانى فمنشور بجريدة «الحياة» بتاريخ ١١ سبتمبر ٢٠١٢ وهو على النحو الآتى:

«شاركت جماعة الإخوان المسلمين بوفد من حزبها المسمى (الحرية والعدالة) فى جلسات مع إسرائيليين فى مؤتمر دولى نظمته جامعة أمريكية ووزارات خارجية أوروبية فى العاصمة التشيكية براغ، واشترط الوفد عدم الجلوس على منضدة واحدة مع أى شخصية إسرائيلية، وعدم إجراء أى حوار معها. وفى رأى الوفد أن هذا الشرط لا يتناقض مع التزام مصر بمعاهدة السلام لأن هذا الالتزام لا يعنى الالتزام بالتطبيع مع إسرائيل».

والسؤال إذن: ما مغزى الخبرين؟

المغزى أن التطبيع العسكرى ممكن أما التطبيع الثقافى فأمر محال. والتناقض هنا قائم بين الممكن والمحال فى أمر التطبيع.

والسؤال إذن: هل فى الإمكان رفع التناقض القائم بين قبول التطبيع العسكرى ورفض التطبيع الثقافى؟

أستعين فى الإجابة عن هذا السؤال بما قاله المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة وما قاله الوفد الإخوانى من أن مصر ملتزمة بمعاهدة السلام مع إسرائيل.

والسؤال إذن: ماذا تقول المعاهدة؟

فى البند «٣» من المادة الثالثة هذا النص «يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التى ستقام بينهما ستضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. واستناداً إلى ما ورد فى هذه المادة يمكن القول بأن التطبيع يعنى إحداث تغيير فى شىء ما بحيث يعود إلى حالته الطبيعية، فإذا أضفنا صفة «الثقافى» إلى التطبيع يكون معنى ذلك أن الحالة الثقافية بين الشعبين المصرى واليهودى حالة مَرضية والمطلوب عودتها إلى الحالة الطبيعية أى الصحية، إلا أن هذه الحالة الصحية لن تعود إلا بفضل الأطباء، والأطباء هنا هم المثقفون. بيد أن المثقفين ممتنعون عن أن يكونوا هم الأطباء.

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن ثمة أزمة وهى على النحو الآتى: تطبيع عسكرى بلا تطبيع ثقافى، ومعنى ذلك أن العسكرى نقيض الثقافى، ومع ذلك يذهب وفد من الإخوان المسلمين إلى مؤتمر دولى يشترك فيه إسرائيليون فيشترط الوفد الإخوانى أن يكون على مسافة مكانية لا تسمح بالتلوث بميكروب الثقافة الإسرائيلية مع أن هذا الميكروب ليس محدداً بمكان، إذ هو منتشر دولياً، ومع ذلك فهذا الشرط الذى وضعه وفد الإخوان المسلمين يشى بأن لديه ذهنية بدائية.

والسؤال إذن: ما معنى الذهنية البدائية؟

فى عام ١٩٢٢ أصدر عالم الاجتماع الفرنسى ليفى بريل كتاباً عنوانه «الذهنية البدائية» جاء فيه أن الإنسان البدائى يفكر بألفاظ يتوهم أنها حاصلة على قوى خفية تستطيع إحداث التأثير المطلوب. وهذا الوهم هو الذى دفعه إلى رسم حيوانات بلا رؤوس على جدار الكهف عندما يعجز عن اقتناصها. ورفض التطبيع الثقافى وما يلازمه من رفض الحوار مع الوفد الإسرائيلى فى المؤتمر المنعقد بإحدى الجامعات الأمريكية هو شىء من هذا القبيل.

 

Print Friendly
This entry was posted in د. مراد وهبة. Bookmark the permalink.