لماذا التحريض على «ثورة ثانية إسلامية»؟

العفيف الأخضر

في مشهد سياسي متفجر، تبدو فيه مقدمات الحرب الأهلية والحرب الإقليميتين أحد الاحتمالات الجدية، من الصعب توقع المسار الذي تتجه إليه تونس. لكن مؤشرات عدة تشير إلى أن السيناريوهات السيئة، ابتداء من فرض إرهاب المليشيات الدينية إلى الحرب الأهلية والصوملة، أعلى من احتمالية المسارات الجيدة التي تؤدي إلى تنظيم انتخابات شفّافة في 2013 تُتَوّج بتداول سلمي على الحكم بين كتلتين حزبيتين رئيسيتين يقودهما وسط اليمين أو وسط اليسار الإسلامي أو العلماني. تباشر فورا مهمتها الملحة: إعادة بناء ما هدّمته «الفوضى الخلاقة» للفوضى في السنوات 2011 و 2012 و ربما 2013، بحكومة مصالحة وطنية شاملة وفورية وعفو تشريعي عام . العامل المرجح لاحتمال على آخر هو طبيعة الفاعلين الاجتماعيين-السياسيين المواكبين لهذه المسارات المتناقضة لضبطها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، إن كانوا فاعلين عقلاء، أو توجيهها، إن كانوا من السّفَهاء، في اتجاه المغالبة والصدام باسم رؤية دينية قصوى ترى في إشراك النخب الليبيرالية والعلمانية – عبر التداول السلمي- في السلطة والثروة، شِركا بالله! لماذا يجب أن نأخذ قرار المغالبة والصدام مأخذ الجد؟ لأن الحكم الفردي يصنع فيه الحاكم الفرد، وبأكثر الأساليب هذيانا، قراره . مساعدوه يعرفون أن اعتراضهم على قراره، مهما كان هاذيا، هو مخاطرة قد تُكلّف الحرية أو الحياة أو- في أحس الحالات- فقدان المنصب والحظوة. للتذكير: خميني رفض سنة 1982، باسم نصيحة أسداها له الإمام الغائب في المنام، استراتيجيا الجيش التي عرضها عليه قائد الأركان ، أحمد مديني، والقائلة بملاحقة الجيش العراقي المنسحب إلى بغداد، لأن الحكم لايسقط إلا باحتلالها، آمِرًا قائد الجيش بمواصلة الحرب بقصف البصرة من داخل حدود إيران. لولا هذا القرار الهاذي، الذي حال دون إسقاط صدام في الثمانينات، ربما لما وقع ضم الكويت، وحرب تحريرها، وحرب العراق في 2003، والعواقب الوخيمة المترتبة عن كل ذلك؛ بدوره، صدام اعترف باعتزاز أمام قيادة أركان مخابراته بأنه اتخذ قرار ضم الكويت بسبب حلم رآهُ في المنام [المصدر: سعد البزاز: الجنرالات آخر من يعلم. ص: 101]. أقصى اليمين الإسلامي بما هو اكتئابي فهو انتحاري، وبما هو ذُهاني[= مجنون]، فهو مغامر، وبما هو متشبع بالفكر السحري فهو يطلب من الواقع إعطاءه نتائج مخالفة لقوانينه؛ وبما هو مصاب بالهذيان الديني، فهو يصنع قرارهُ متَّكلا على التدخل الرباني في التاريخ. لذلك فمن غير المستبعد أن يقرّر تفجير «ثورة ثانية» إسلامية هذه المرة، قبل تاريخ الاستحقاق الانتخابي، مارس 2013، ولقطع الطريق عليه إذا تأكَّد من هزيمته فيه. وهي ، إذا لم تُزَوَّر الانتخابات على نطاق واسع، إحتمال جدي. هذه المغامرة الدموية تتضافر عليها مؤشرات عدَّة أثبتُّها هنا. قطعا لانتظار القارئ حتى آخر الرسالة ليعرف قصدي من كتابتها، أبوح له بالسر: تنبيه الجميع، في الداخل والخارج، بأن يتوقعوا الأسوأ: «حمام دم» يحقق سيناريو« الطاولة الممسوحة» من كل معارضة تعرّض استمراره في الحكم للخطر. تماما على غرار حمام دم الثورة الإسلامية الإيرانية التي «رتّبت محاكمات وإعدامات وتصفيات للعهد البائد بأكمله(…)»، هذه الفكرة الثابتة سيلتقي بها القارئ، بتنويعات شتّى، في الاستشهادات التي سأسوقها في هذا العرض الوثائقي.

«انعدام الخيار في تونس ومصر»

تحت هذا العنوان كتب مالك التريكي: (…) إلا أن جديد الثورات العربية قد جعلها تقع خارج نطاق الديناميكية التاريخية المعهودة لاستكمال مسار الثورات، حيث لم يحدث في التاريخ الحديث أو المعاصر أن اندلعت ثورة بدون قيادة موجهة تكون هي من يتولى الحكم فور سقوط النظام القديم. ولو انسلكت الثورات العربية في نمط المعهود التاريخي، لكان الوضع في تونس ومصر اليوم شبيها بما حدث على سبيل المثال، في إيران إبان سقوط الشاه. أي أن القيادة الثورية تكون قد استولت على الحكم من لحظة سقوط الطاغية، وتكون قد رتبت محاكمات وإعدامات وتصفيات للعهد البائد بأكمله، ممثلا في معظم أفراد الفئة التي كانت حاكمة أو متنفذة أو مستفيدة. وبهذا لا يكون هناك من مجال لمضيعة الجهد والوقت في الحديث عن «الفلول» أو عن قوى« الثورة المضادة». لكن يبدو الآن، بوضوح مأساوي، أن المستفيد الأكبر من عفوية الثورات التي ينجزها الشباب بصدق البذل وجسيم التضحية إنما هي نخب الاحتراف السياسي أو ماكينات الحصاد الانتخابي التي لم يكن لها أي دور في الثورة. يتبين الآن أن عفوية الثورة، أي انعدام القيادة الموجهة والمؤطرة، هي السبب الأول لتخبط الأوضاع الحالية. أي أن ما كان يتصور فضيلة كبرى في بدء الثورة سرعان ما استحال تبعة ووزرا لأنه أنشأ فراغا لا يمكن أن تملأه إلا القوى السياسية الموجودة. إذ ينبغي التذكر بأن نتيجة المسار الانتخابي ليست، في آخر المطاف، محصلة طلب شعبي بقدر ما هي محصلة عرض حزبي(…) يتبين الآن بوضوح مأساوي أن انعدام القيادة أثناء الثورة هو السبب الأول لأزمة القيادة في ما بعد الثورة.(…) والعاقبة أن البلدين يقاسيان اليوم انتشار الخوف، ويواجهان انسداد الآفق بسبب انعدام الخيار.» (مالك التريكي. القدس العربي. 2/ 2012/3 أسماء جل -وربما كل – التعليقات مستعارة- أو بما هو أدق أسماء حرب- بالرغم من أن لها بيوغرافيا، وأحيانا صورة المعلق على الأنترنيت للتضليل طبعا. بإمكان من يهمه الأمر التأكد بوسائله الخاصة من الاسم الحقيقي. كرجع الصّدى لتعليق التريكي من تونس، يعلق «أ. د. علي الهيل»من «قطر»: «(…) مهما أبدت «إسرائيل» والغرب (وكلاهما وجهان لعملة واحدة) من طرف اللسان حلاوة لحكومة الثورة الشعبية المصرية فإن هذه الأطراف لا يمكن أن تسمح بأن تتغير قوة المجلس العسكري المصري قيدَ أنْملة، لأنه كان وما يزال حامي الإتفاقية والمدافع عن حصار غزة سواء بالصمت أو بالفعل. ولو سلمنا بأن عدم إشارة الرئيس (مرسي) للإتفاقية والحصار بأنه تكتيكي على فرضية عدم إغضاب المجلس العسكري، فإن ذلك يشي بإرهاصات صفقة مع المجلس . وإن صح ذلك فعلا وواقعا فإن الثورة قد تم الإنقلاب عليها. وليس من خيار أمام رواد الثورة غير خيار الثورة الشعبية الثانية على أثرياء وبرجوازيي المجلس العسكري وبالتالي العودة إلى ميدان التحرير. (…) على الثورة الجديدة أن ترفع شعار المطالبة بخلع المجلس العسكري ذي الهوى الإسرائيلي والغربي ومحاكمة أعضائه بتهمة نهب المال العام(…)» (المرجع :”إ.د. علي الهيل” ، القدس العربي، 17/ 7/ 2012 ).

«المعارضة التونسية تجني على الثورة»؟

تحت هذا العنوان كتب «علي الصالح مُولَى»: (…) «واختزالا للأحداث والوقائع نشير إلماعا إلى حكومة مشبوهة انقضّتْ على الفراغ انتسب إليها معارضون في عمليّة مُريبة ثمّ جيء بالسبسي زعيما من زمن سحيق ما هو قطعا زمن الثورة، جيء به مختلط الألوان إنْ أردتَه دستوريًّا كان، وإنْ أردتَه تجمّعيّا كان، وأحيط بجوقة من التُبَّع الذين لا يحيَون إلاّ في ظلال الأسيادِ وكانت انتخابات المجلس التأسيسيّ الشرعيَّة الشعبية الأولى للثورة وكانت حكومة الجبالي الشرعيّةَ السياسيّة الأولى في تاريخ تونس.(…) مَكْمَن المشكلة كما نرى في قطاع من العقل السياسيّ الذي يمارس اليوم دور المعارضة ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ طيفا واسعا من «معارضي» اليوم كانوا إلى عهد قريب إما جزءا من آلة الاستبداد وإمّا شهودَ زور لصالحه.(…).». هؤلاء المعارضون هم الذين تمنى«مالك التريكي»:« لو أن القيادة الثورية(…) قد رتبت محاكمات وإعدامات وتصفيات [لهم] وللعهد البائد بأكمله»! يمضي «د. علي الصالح مولى» قائلا:« أعتقد بأنّ طيفا من المعارضة التونسّية اليوم ينحدر انحدارا خطيرا لأنّ العقل الذي يفكر به عقلٌ غير ديمقراطيّ وغير مدنيّ.» يكفي أنْ نشاهدهم في التلفزات فنرى أنّهم إمّا يلتقون وحدَهم لِسَبِّ طرف قصدوا إلى تغييبه عمدا، وإنْ منّوا على مختلف عنهم في الرأي فأحضروه جاؤوا به فردا وتزاحموا على الهجوم عليه ويكفي أن تُلقيَ بالا إلى بعض التلفزات أو الإذاعات أو الجرائد فترى كمَّ الكراهية الذي يفوح منها للمختلف عنهم وتَلمسُ سعادة وغبطة وهم ينهشون لَحم طرفٍ سياسيٍّ تشويها وكذبا وتأليبا للناس عليه.» [هذا «الطرف» هو النهضة وذراعها المسلحة93 ألف «سلفي» كما اعترف شيخ سلفي لمراسلة الأسبوعية الفرنسية «لونوفيل أبسرفاتور».] يواصل علي الصالح:«المعارضة التي تُحَوِّل خسارتها في انتخابات المجلس التأسيسيّ إلى معاركَ ثأريَةٍ فتخرج من فضاءات الحوار والتشاور والمناظرة إلى عالم الانتقام والتشفّي والإرباك لا يمكن أنْ تكون سليلة عقل ديمقراطيّ والذين يصنعون نجوميّتهم بالتحريض على حكومة الثورة والترويج لفشلها والتبشير بسقوطها لا يمكن أن يكونوا في المستقبل رجال دولة، إن أي مجموعة حزبيّة تفهم الخسارة في الانتخابات اعتداءً عليها وتُشرّعُ لنفسها تجنيد مَنْ تقدر على تجنيده من المنهكين والمحطّمين بإثارتهم وإقحامهم في عمليّة سياسويّة قذرة للابتزاز والتعطيل لا يمكن قطعا أنْ تكون جزءا من مشروع الثورة وإنَّ أيَّ وسيلة إعلاميّة تنبسط أساريرها لخطاب يُبَثُّ منها ويلتقطه الألوف من التونسيّين فيه تيئيس، وتخويف وترويج للافتراءات لا يمكن أنْ يكون القائمون عليها مُقدّرين لمعنى الفشل ولا لوظيفة الإعلام الثوريِّ ولا للحرّية متى تكون صِنْوًا للأخلاق ومتى تكون مرتعا للفوضى . تُجّار خطاب الفشل من سياسيّين وإعلاميّين ونقابيّين وأكاديميّين بائسون يستحقُّون الشفقة؛ بائسون لأنّهم يعتقدون بأنّهم حين يُفشلون الحكومة تَفشَل «النهضة» في الانتخابات القادمة وبئْسَ العقلُ عقلا إنْ هو قاد زعماءَنا السياسيّين إلى حسابات كهذه وما أنْكدَ حظ الثورة التونسيّة لو انفسح فيها مجال لهؤلاء. لستُ نهضويّا ومع ذلك، فأنا أزعم أنّ هؤلاء يفكِّرون خارج زمن الثورة. دور المعارضة في زمن الثورة أنْ تسرع حين الخطأ أو التعثر إلى المساعدة ولذلك ما أحببتُ أن تخرج الأقلّيّة «الثوريّة» في أوّل تجربة لبناء وطن جديد إلى لعب دور المعارضة كنتُ أتمنّى أن تُشكّل أقلّيّةُ الثورة وأكثريّتُها معا معارضةً من نوع آخَر: معارضةً لكل متآمر على الثورة والمتآمرون كُثُرْ بمنطق نظريّة المؤامرة وبغير منطقها، ولذلك قلتُ أيضا إنّ عقل الأقليّة وقد اختار أن يكون معارضا للأغلبية سلك السبيل الخطأ.»(د.علي الصالح مولى، القدس العربي. 13/ 06 /2012) منطق «الثورة» يتطلب «أن تشكل الأقلية المعارضة والأغْلبية الحاكمة»، «معارضة من نوع آخر: معارضة لكل متآمر على الثورة، والمتآمرون كُثر»! وطالما لم تتمنطق المعارضة بمنطق الثورة فمصيرها«المحاكمات والإعدامات »! كما توعّدها «مالك التريكي»!

«إحياء الوهم البورقيبي ونداء الإنقلاب على الثورة»

تحت هذا العنوان كتب “د. محمد هنيدي”،« الأستاذ المحاضر بالسوربون مركّزا على أن «بورقيبة و بن علي عملا معا على استئصال الهوية الإسلامية» قائلا:« هذا المشروع الاستئصالي مازال قائما لأن «ثورة 14جانفي» أسقطت «واجهة النظام» فقط. والمطلوب اليوم هو إسقاط النظام« الاستئصالي» كله. أي إسقاط «إعلام العار الوطني» المعادي لـ«حكومة الثورة». باختصار :«إسقاط الثورة المضادة في الداخل والخارج وما بينهما». حكم بن علي جزء لا ينفصل عن البورقيبية بل تستحيل قراءته خارج سياقها لأنه جاء من رحمها تتويجا لها وإصلاحا لمسارها عندما اتخذ من شعار «التغيير» و«التحول المبارك» الكلمات المفاتيح لبرنامجه السياسي بعد أن هدت الشيخوخة كيان بورقيبة ودك العجز حصن البورقيبية. حافظ بن علي على العناصر البشرية المكونة للنسيج السياسي الحاكم في المرحلة الأولى التي أعقبت الانقلاب وحتى بعدها(…) فما بدأه بورقيبة أنهاه بن علي وذلك على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي حصارا للهوية وإمعانا في الاستئصال .استئصال الخلايا الحية في جسد الأمة أو تعديلها جينيا حتى تعود طيِّعة تقبل بصيغ زائفة ومزيّفة للحداثة ولحقوق الإنسان والحيوان على حد سواء. (…) بعد كل هذا يتجدد المشهد اليوم لكن بآليات جديدة وبألوان زاهية تبشر التونسيين بتغيير جديد عبر«نداء تونس»: عباءة جديدة للتجمعيين وعتاة الاستئصاليين ممن وُرِّثوا تونس مرتين وأفسدوها ألف مرة. لا يكاد يَخفى على التونسي العادي- من غير المثقفين والنخب الانتهازية -رجل الشارع(…) أن بقايا الاستبداد لن تنفك تدافع بكل شراسة عن مكاسبها ومكتسباتها غير المشروعة وعما نهبت إبان الوكالتين الأولى بزعامة «المجاهد الأكبر» والثانية بقيادة «رجل التغيير». لن تنفك عن ذلك ما لم تنجح تونس الجديدة – وريثة «تونس الشهيدة»(…)- في استئصال شروط إمكان الاستبداد وعودته وأن تطهر ثقافيا الوحدات السرطانية الثاوية التي نجحت في الاندساس خاصة داخل الجزء اللامرئي وظيفيا-المجال الفني والثقافي والجامعي خاصة- من جسد الأمة. (…) والاستفراد بما يسمى في تونس استحقاقا«بإعلام العار الوطني والخاص» ليست إلا الشكل التعبيري الأجلى عن حشرجة الثورة المضادة وأعوانها في الداخل والخارج وما بينهما.(…)» [معظم قادة أقصى اليمين الإسلامي ذووا شخصية نرجسيّة متفجرة تجعلهم مكتئبين وذُهانيين. لذلك هم شديدو الحساسية لكل نقد خاصة نقد «إعلام العار الوطني» الذي يصب الملح على جروحهم النرجسية. فهل سيكون الإعلام أول شهيد «للثورة الثانية الإسلامية» تليه مواكب لا تُحصى من الشهداء؟] يواصل «د. محمد هنيدي المحاضر في السوربون» تعليقه اللائق ببروفسور سوربوني قائلا: « إن الحدث[انتفاضة 14 يناير2011] كان جللا لكنه على ضخامته كان-من فضل الله علينا- يتيما صنعه مجهولون ومهمشون معطلون وناقمون(…). لكن النظام- بمعنى مجموع الشبكات الوظيفية العاملة – لم يسقط بَعدُ بل سقطت واجهته المرئية ممثلة بالنظام السياسي لتبقى باقي الأنظمة الإعلامية والثقافية والاجتماعية والمالية بنفسجية فاقعٌ لونها عاملة فعالة تسعى إلى هدفين إما استعادة النظام السياسي بواجهات جديدة- نداء تونس وبقية أحزاب التجمع مع كتائب اليسار واتحادات العمال – أو التلون مع الراهن السياسي بالتسلل داخل مراكز القوى الحاكمة واختراقها لإعاقة عملية الانتقال نحو مجتمع العدالة الاجتماعية مثَلُها في ذلك مثل الخلايا النائمة محكومة بسلوكها الجرثومي غريزيا. لكن الدرس الأعمق مما لم تدرك النخب إلى اليوم كنهه هو أنها جزء من هذا النظام وأنها حجر الزواية في جدار الخوف والصمت الذي أرسى دعائمه الإستبدادُ»(…) ( د. محمد هنيدي…إلخ، القدس العربي 18. 07. 2012) تفاديا للتكرار الممل، الذي يجلب الاسترخاء بدل الانتباه، لن أواصل استعراض باقي الاستشهادات. حسبي التذكير بأن ثقافة العنف تنزّ من فقراتها، وروح «المحاكمات والإعدامات»» تخيم على سطورها. وكلها تلفّ وتدور حول وسواس «الطاولة الممسوحة» من كل معارضة جدّية: من المجتمعين السياسي والمدني «المعاديين»، من «الفن الهابط»، من «الثقافة المتغرّبة»، من «التطاول على المقدس»، من «النخب الفاسدة»، ومن السياحة بما هي «بغاء سري». لكن كل ذلك لن يتحقق إلا بـ«ثورة ثانية إسلامية» من دونها تبقى «الثورة العفوية الأولى» مجرد ضربة سيف في الماء بسبب تركها «الفلول » في كل من تونس ومصر تعود «من نافذة الانتخابات الديمقراطية» إلى سلطة«العهد البائد الذي ما زال سائدا» في البلدين. أحد التعليقات يذكّر بأن «الديموقراطية ليست مطلب الجماهير، مطلبها هو العدالة الاجتماعية». وهذا مؤشر قوي على نية أقصى اليمين الإسلامي عدم السماح بالاستحقاق الانتخابي في 2013 إلا إذا وُجد رادع، مدني أو عسكري، داخلي أو خارجي، يردعه عن ذلك. هذه التفاصيل المهمة بما فيها وجود أقصى اليمين ذاته، هي أعراض لمرض واحد: الخوف من قيادة عملية إصلاح الإسلام، التي دشنتها بشجاعة سياسية نادرة قوانين الأحوال الشخصية التي حررت المرأة التونسية من رِقِّ الأحكام الشرعية المعادية لها، إلى نهاية منطقها: تكييف الإسلام مع حقائق العالم الذي نعيش فيه، بالانتقال من العلمانية الإسلامية السلطوية، أي سيطرة السياسي على الديني، إلى العلمانية الحديثة:الفصل بين الديني والسياسي، بين الشيخ والزعيم، بين حق المؤمن في العمل من أجل مستقبله بعد موته وحق المواطن في العمل لتأمين مستقبله في حياته. لأننا لم نفعل ذلك، فقد يدفع 11 مليون نسمة من أمنهم وحياتهم ومستقبل أبنائهم ضريبة هذا الخوف اللاّمبرر. منذ بداية2012 حتى الآن ، نشر أقصى اليمين ألإسلامي مئات ميكرو تعليق على المقالات النقدية للحكومة الإسلامية في الصحافة التونسية التي وظيفتها، كباقي التّعليقات الأخرى، التحضير السايكولوجي لجمهور أقصى اليمين الإسلامي لـ«الثورة الثانية الإسلامية». إليكم عيّنتين منها تستغنيان عن كل تعليق: « أبو محمد الحمد لله الصباح 28/ 7/ 2012 «شخصيا أعتبر أن بعض المعارضة الحالية أخطر على الثورة و على تونس الجديدة من المخلوع وأزلامه». « حسام الحاسم الصباح 19/ 7/ 2012 لا يمكن الفصل بين الدين والسياسة والذين يتبجحون بأن الدين هو قاسم مشترك بين ججميع الحزاب والأطياف الساسية في تونس هو مخادع وكاذب ومنافق، فالذين يرفضون شريعة الله وينكرونها ليسوا مسلمين. هل نسمي شيوعيا من ينادي بحرية الملكية ؟ هل يسمى ليبيراليا من من ينادي بسيطرة الدولة على دواليب الإقتصاد ؟ هل يعتبر مسلما من يشجع على الزنا واللواط وعدم تطبيق شرع الله. لا ليس مسلما بل هو زنديق كافر.» مشروع أقصى اليمين الإسلامي كله هو هنا:«تطبيق شرع الله». ملاحظة: الميكروتعليقات ملأى بالأخطاء الرسمية والنحوية الأولية المقصودة. مثل«الحزاب»، بدل الأحزاب، كمحاولة ساذجة لإخفاء هوية المعلق المعروف. اللص مسكون دائما بهاجس الافتضاح لذلك يلجأ إلى شتى الحيل لإخفاء كل ما قد يدل عليه!.

متى «الثورة الثانية الإسلامية في تونس ومصر»؟

يبدو أن موعدها كان «معرض قصر العبدلية» بضاحية المرسى، الذي عرض فيه منذ 10يونيو 2012 الفنانون لوحاتهم ومنحوتاتهم. اتهمت النهضة و«ذراعها المسلح»، السلفيون، الفنانين بـ«الاعتداء على المقدس»:[= الله ورسوله والرموز الدينية]. دعا الغنوشي إلى مظاهرة مليونية في 15يونيو «دفاعا عن المقدس» وتضامن معه السلفيون بالدعوة إلى التظاهر. لكن المظاهرتين لم تقعا لأن وزارة الداخلية لم ترخص لهما»! تعليل واهٍ.لأن الغنوشي هو، كما بات معروفا، رئيس الحكومة الفعلي. شخصيا لا أستطيع الدخول إلى الفايس بوك، لكن قيل لي إنها تداولت تخمينات عدة. «الوثيقة» التالية أحدها. وليعلم القارئ أن التخمينات، خاصة إذا كانت وراءها مخابرات، تختلط فيها الحقيقة بعكس الحقيقة ونصف الحقيقة مما يجعل التمييز بينها صعبا. «بن عرفة :سري للغاية:صفحة بن عرفة»بلا تاريخ!

«ومن مصادر جد وثيقة مخطط كانت ستقوم به النهضة يوم غد[06/17/ 2012 ] لكن أجهزة استخباراتية غربية كشفته وهو ما جعل علي لعريض يلغي كل التراخيص للمسيرات رغم الدعوة العلنية لراشد الغنوشي للتظاهر يوم الجمعة فهل علي لعريض تمرد على مرشده الأعلى؟ الحقيقة كما رواها لي المصدر تتمثل في أن النهضة وبتنسيق مسبق مع قطر التي تخترق مخابراتها تنظيم القاعدة لفقت فيديو أيمن الضواهري وقد تكون أوعزت للضواهري عبر وسيط بتسجيل كلمة تحريضية لقواعده في تونس وتجييشهم للنزول للشارع يوم الجمعة في نفس اليوم قرر الغنوشي دعوة أنصاره للنزول وكان السيناريو الذي طبخ في المخابر القطرية كالتالي : بعد نزول السلفيين تندس مجموعة مسلحة وسطهم وتطلق النار على رجال الأمن وآليا سيرد الأمن بالرصاص الحي وللتذكير فقد أوردت بعض المواقع على النات خبر مفاده أن الأمن سيستعمل القوة دون انتظار تعليمات وبربط الخبر المسرب مع إطلاق النار سيعتقد الجميع أن بقايا النضام داخل وزارة الداخلية هي من أعطت الأوامر بقتل أبناء الشعب وتبدأ مرحلة تفجيرات انتقامية طويلة المدى تأبد حكم النهضة باسم قانون الإرهاب الموجه ضد السلفيين وقانون التطهير والمحاسبة ضد كل المعارضة وخاصة التجمعيين وتحديدا الباجي قايد السبسي ومصطفى كمال النابلي وكمال مرجان وعدد كبير من القيادات الأمنية والإدارية والقضاة والنقابيين. لكن في آخر لحظة تم اعتراض مكالمة هاتفية بين لطفي زيتون وشخص ثاني من داخل النهضة كشفت جزء من الخطة أما البقية فقد كشفته استخبارات أروبية بتعاون جزائري وبعد تحليل المعلومات تأكد الأروبيون أن مصالحهم مهددة في صورة نجاح السيناريو فكشفوا ما لديهم للنهضة والولايات المتحدة الأمريكية وقطر وهو ما عجل بإبطال المشروع .«نهاية الوثيقة». فجأة غطت الشعارات المنادية إلى الدفاع عن”الإسلام ورسوله”، «دافعوا عن دينكم»،«انصروا الإسلام»، جدران مداخل العاصمة في 14يونيو 2012 الصحافة التونسية قلما تصلني إلا عبر المقتطفات في الإيمايل. لذلك سأكتفي بشهادة أكثر الأسبوعيات الفرنسية مصداقية «لوكانار أنشيني». وإليكم هي:

«الفن يجعل أبدان الملتحين التونسيين تقشعر»

«(…) التهديد بالموت، التلاعب، الشتائم، كل متاح مباح لتكسير الأقلام، وتحطيم المنحوتات، واقتلاع اللوحات. 10يونيو، الطبعة الـ10لربيع الفنون، أقتحم عدل منفّذ[=مَحضر محكمة] قصر العبدلية حيث المعرض وأمر بسحب 4 لوحات منها قبل الساعة 18خاصة صدور نساء مرجومات، ولوحة كلمة«سبحان الله» المرسومة بالنمل [استلهاما لسورة النمل التي روت أسطورة يهودية عن «حوار» دار بين سليمان والنّمل:« قالت نملة يا أيها النمل أُدخلوا مساكنكم…] ثم عرضت الكليشيات في مسجد يديره إسلاميون كـ«كفر بالله»(…) وعُرضت على فايسبوك صورة سترينغ[=سروال نسائي] ولوحة «المعراج» كنموذج للمعروضات، وهذا كذب. سترينغ مأخوذ من موقع موضة على الأنترنيت، ولوحة« المعراج» مأخوذة بدورها من معرض في السينغال ! اشتاط الجميع غضبا. في الليلة نفسها هاجم الإسلاميون المعرض فخربوا وسرقوا. ومن الغد أدان وزير الشؤون الدينية في التلفزيون اللوحات التي لم يراها. وفي الجوامع حرّض الأئمة على قتل الفنانين المرتدين(…) اندلعت مظاهرات الشباب الإسلامي في كل مكان من البلاد. قتيل وعشرات الجرحى وحرق محاكم ومراكز شرطة. في 12يونيو أغلق وزير الثقافة [النهضوي] قصر العبدلية. وقدمت شكوى بمنظمي المعرض. ومن الغد أدان رئيس الجمهورية كل تهجم على الإسلام»(لو كنارأنشيني، 7/11/ 2012 ). كل هذا الصخب والعنف من أجل كذبة مفبركة! افتعال الأكاذيب كذرائع لتصفية الأبرياء وتحميل تيس الفداء مسؤولية جرائم لم يرتكبها تملؤ حوليات التاريخ. لعل أشهرها «حريق الرايش» [الذي دبره الحزب النازي في فبراير1933 بعد شهر واحد من تعيين هتلر مستشارا لهدف تدشين العهد النازي. أعلن النازيون«حالة الاستثناء» لتعطيل دولة القانون، اعتقلوا الشيوعيين وفتحوا أول معتقلات الإبادة… ثم «ليلة الكريستال» في 10نوفمبر 1938 التي استغلت فيها ميليشيات هتلر، متحالفة مع الشرطة،اغتيال شاب يهودي لمستشار السفارة الألمانية في باريس، لشن بُوغْرُومْ[=انتفاضة] واسعة ضد يهود ألمانيا. في يونيو 2012 صرح عميد كلية الحقوق سابقا، الصادق بلعيد :« جرائم السلفيين ينسبها راشد الغنوشي للتجمعيين»(اليومية الشروق 2012/06/15 استفزازات ميليشيا هتلر وجدت أخيرا من يقتدي بها في تونس الإسلامية! يبدو أن النسل اللعين لا ينقطع بسهولة وسرعة!. تنبيه لقرائي: مقالي الأخير: «اقطعوا الطريق على حمام دم في تونس»مشوّه ! طبعه نصاب سايكوباثي [= شخصية نفسية مريضة ومؤذية]. بدلا من إرسال النسخة المصححة إلى النشر، استخرج سلفا نسخة ثانية ليكتب التصحيح عليها، ثم أرسل النسخة الأولى غير المصححة للنشر بدلا منها. لم أنتبه للمكيدة إلا بعد أيام، عندئذ أرسلت النسخة المصحَّحة «نسبيا». وجميع مقالاتي مصححة نسبيا. لأن المؤلف أسوأ مصحح لما يكتب. ولم أجد من يقرأها لي لتصحيحها بالسماع. وأنّى لي ذلك؟. وهي تكتب في بلد آخر وقارة أخرى! وإذا قتل الفقر اليتيم ، ولم يجد معيلا/فإن الأغنياء جنات. (حافظ إبراهيم)

Print Friendly
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية and tagged , . Bookmark the permalink.