شبح الذمّة: كيف يمكن معالجة مخاوف الأقليات

 طوني صغبيني 

العيش كأهل ذمّة، أو أسوأ، عدم العيش على الإطلاق، هو عبء تاريخي لا يزال يلقي بظلاله على أقليات المشرق. هذه الأقليات التي تعيش اليوم على الخوف فيما قادتها وأحزابها يتاجرون بمشاعر القلق، الإحباط وهاجس الدفاع عن النفس لكي تبقى عروشهم في مكانها. عبر ردّة فعلها الحائرة حيناً والواثقة حين آخر، عبر نبرتها المرتفعة حيناً والمنخفضة حين آخر، وعبر سلاحها الذي يرفعه بعض منها كلّما شعر برايات “الأكثرية” من حوله، تعتقد هذه الأقليات أنها تبعد عنها هاجس “الذمّة”، لكنها في الواقع تقرّب نفسها من حالة الذمّية أكثر من أيّ وقت مضى بعدما أغلقت مجتمعاتها وحوّلت أفرادها إلى أبناء ذمّة للخوف، للتخيّلات، للعمامة، وللجريمة المستترة بقضايا المقاومة والصمود.

الخوف هو العنصر الرئيسي الذي يرسم اليوم استراتيجيات القوى السياسية في طوائف الأقليات؛ سواء أكانت مسيحية، شيعية، علوية أم درزية. حين نتفحّص خطابهم عن قرب، يمكننا أن نلاحظ فكرتان متناقضتان تهيمنان على سياساتهم وقراراتهم، وكلتاهما تجدان جذورهما في خوف يلامس أحياناً الرعب المَرَضي.

تقول الفكرة الأولى؛ أنه إن لم تكن الأقليات حاكمة فستكون محكومة ظلما ومُضهدة حُكماً. هذه الفكرة لديها امتدادات عديدة خطيرة، منها أنه لا يمكن لحكم أقلوّي أن يستمرّ إلا بالحديد والنار، ومنها أيضاً أنه على الأقليات أن تتحالف وتتضامن وتنصر بعضها بعضاً بوجه “الغول”، ظالمة كانت أم مظلومة. وليس خافياً على أحد، أن هذه الفكرة هي المبرّر الرئيسي في الشارع لدعم غالبية العلويين لحكم الأسد، وهي حاضر دائم في سياسات حزب الله والتيار الوطني الحرّ في لبنان.
أما الفكرة الثانية فتقول
 أن الأقليات يجب أن نكون دائماً إلى جانب خيار الأكثرية الطائفية خوفاً على نفسها، وبالتالي يجب أن تكون مع حزب الله في لبنان مثلاً، أو مع الثورة في سوريا، لا اقتناعاً منها بأحقية القضية، لكن خوفاً على المصير. التيار الوطني الحرّ مثلاً لديه متعة خاصة في استحضار “ثمن الخيارات الخاطئة” (ويقصدون بها خيار حمل السلاح في الحرب الأهلية) عند الشارع المسيحي كلما شعر بأن البساط يتحرّك من تحته نحو الخصم. وهنالك العديد من القوى على الجهة الأخرى تبرّر دعمها للثورة السورية بالخوف من “المارد السنّي” إن استلم السلطة.

الناشطون والقوى اليسارية والتقدمية والعلمانية سيرفضون هذه المقولات على الأرجح، خاصة أن خطابهم يرتكز دائماً على صرف النظر عن الدواعي الطائفية للأحداث في المشرق، ويشدّد على أن الصراع هو سياسي بحت، ويعتبر أن كل حديث عن الطوائف هو مغلوط وغير واقعي ويخدم الأجنبي. لكن هذا هو تحديداً ما يمنعهم عن فهم الواقع والتعاطي معه، وهو ما حوّل القوى اليسارية عبر السنون إلى متحجّرات منفصلة عن الواقع ومحدودة التأثير.

صحيح أن الأنظمة الحاكمة والحكومات الأجنبية تستغلّ وتغذّي الطائفية، وصحيح أن نظام الأسد بشكل خاص يستخدم ورقة الطائفية والخوف من الآخر بنجاح لإبقاء الأقليات مصطفّة ورائه، إلا أن هذا لا يعني أن التوتّر بين الطوائف غير موجود، ولا يعني أن الخوف غير مبرّر على الإطلاق.

تاريخ بلادنا مضرّج بالدماء والأحقاد بين الطوائف؛ يكذبون علينا حين يخبروننا أننا كنا نعيش بسلام ووئام حتى مجيء الأجنبي. في اجتماع السقيفة، لم يكن السفير الأمريكي هو من حرّض المسلمين على بعضهم البعض، ورئيس الوزراء البريطاني ليس هو من شجّع الحسم العسكري في أحداث كربلاء، وفي كل المعارك التي خاضها الجميع ضد الجميع في كافة المراحل التي مرّت فيها الدولة الإسلامية من الأمويين حتى العثمانيين، لم نقاتل بعضها البعض بأموال قطرية أو بأسلحة روسية الصنع.

الخوف لا ينشأ من فراغ، والخوف لا ينشأ من أوهام، الخوف ينشأ من الجروح التاريخية التي لم تندمل بعد. الدروز مثلاً تعرّضوا للاضطهاد من قبل كل خليفة مسلم منذ انهيار الدولة الفاطمية حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية؛ وللمفارقة، الفترة الوحيدة التي لم يتعرّضوا فيها للظلم كطائفة كانت في ظلّ الحكم الذاتي لجبل لبنان، الحكم العلوي في سوريا، والاحتلال الإسرائيلي. لذلك حين نقول أنه هنالك عدد كبير من الدروز في إسرائيل ينخرطون في الجيش الإسرائيلي، فهذا الواقع لم يأتي من فراغ، بل أتى من تاريخ دموي كان الدروز فيه دائماً الجهة التي تتلقّى السيف، لا الجهة التي تحمله.

الشيعة مثلاً لاحقتهم لعنة التهجير والإبادة الجماعية أكثر من مرّة، آخرها كان في ظلّ حكم محمد علي المصري في القرن التاسع عشر، حيث تم تهجير وإبادة مناطق شيعية بأكملها من جبل لبنان. وحين أصبح لبنان دولة مستقلة، تم إهمال أبناء الطائفة الشيعية والمناطق ذات الغالبية الشيعية كأنها لا تنتمي للدولة. لذلك حين برزت القوى السياسية والشيعية وقررت حمل السلاح والتعامل مع الدولة كأنها مشتبه به، فهي لم تكن سوى استجابة لتاريخ طويل من الظلم والتهميش. 

الأمر نفسه يتكرّر مع المسيحيين؛ في معظم فترات الحكم الإسلامي كان المسيحيون أبناء ذمّة (بعكس ما تخبرنا به كتب التاريخ)؛ كانت بيوتهم وكنائسهم وأملاكهم (وأبنائهم أحياناً) تتعرّض للمصادرة كلّما شعر الخليفة بالحاجة للمال، كانوا ممنوعين من حمل السيوف، ركوب الخيل، أو الانضمام للجيش أو الدخول في وظائف الدولة، ممنوعين من بناء الكنائس ودقّ أجراسها (من هنا يأتي شعار بعض القوى المسيحية اليمينيّة “بدها تضلّ جراسنا تدقّ”)، ممنوعين من شراء الأراضي أو حتى توظيف مسلمين لحراثة الأرض. وكلما تعرّضت الدولة الإسلامية لقلاقل، كان المسيحيون ينالون نصيبهم من التهجير والإبادة. تاريخ مسيحيي الشرق هو تاريخ هجرة وظلم، آخرها ما تعرّض له مسيحيّوا العراق. لذلك حين قرّرت القوى المسيحية في لبنان حمل السلاح في الحروب الأهلية اللبنانية، فذلك لم يكن سوى نتيجة تاريخ طويل من الإبادة والحروب التي حوّلتهم إلى لاجئين وأبناء ذمّة في بلدانهم.

لا نقصد من سرد التاريخ أن نبرّر سياسة الخوف لدى الأقليات، بل أن نفهمها، لأن فهم هذه المشكلة هو المدخل الوحيد لمعالجتها، وإلا فإن التاريخ سيكرّر نفسه كمأساة في كلّ مرة، كما يحصل اليوم.

كيف يمكن العمل على معالجة هذه المشكلة؟

لا يوجد أجوبة سهلة. فالمشكلة موجودة على عدّة مستويات: هنالك حكم طائفي هشّ يعزّز النزعات الطائفية في سوريا، لبنان، العراق، وفلسطين (ومعظم الدول العربية الأخرى لكننا نتحدّث هنا عن المشرق)، وهنالك فرز طائفي على المستوى الجغرافي يعزّز العزل بين الطوائف، وهنالك ذهنية طائفية متجذّرة يغذّيها عدد هائل من المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية والاجتماعية، فضلاً عن التداخلات العالمية الأخرى بصراع الطوائف.

لذلك يجب العمل على استئصال أسباب المشكلة بدل التلهّي بنتائجها. هذا يعني أن الحديث عن “النوايا الحسنة” وأهمية “العيش المشتركة”، و”مدّ اليد إلى الآخر”، هو كلام أدبي لا يقدّم أو يؤخر. إقامة نشاط يحتفي بـ”التعايش” يعود من بعده المشاركون إلى مناطقهم الطائفية المغلقة كأن أمراً لم يحصل هو أيضاً فولكلور لا يؤثر على الأحداث. والأمر نفسه بالنسبة لاقتراح إنشاء حكم مدني علماني، الذي هو أيضاً من قبيل الأماني التي لا يوجد لها اليوم أي أفق على أرض الواقع (خاصة في ظل غياب قوى علمانية ومدنية قادرة على التأثير على مجرى الأحداث).

ما العمل إذاً؟

ربّما علينا أولاً أن نعترف بحقيقة مزعجة هي أنه لا يوجد وسيلة شافية لمعالجة المشكلات الطائفية الحالية بشكل مباشر، عجلة الأحداث الحالية أكبر من أن توقفها حجرة صغيرة. من المنطقي في هذه المرحلة أن نقول أن وجود قوّة علمانية سياسية أمر ضروري إن كنا نريد لهذه البلاد أي مستقبل. لكن في ظلّ غياب هكذا قوّة، يمكن للقوى المدنية المحلية أن  تبدأ بالعمل على ثلاث مستويات، فكري، سياسي، ومحلّي:

– العمل على تعزيز الفكر العلماني، خاصة في أوساط الأكثرية الطائفية السنيّة (فلنكن صريحين، طوائف الأقليات كانت أقرب للفكر العلماني تاريخياً، كما أن الأصولية الإسلامية في الأوساط السنيّة هي اليوم أحد عناصر الخوف الرئيسية بين الطوائف)، مع ما يعنيه ذلك من خوض مواجهة فكرية مباشرة مع الفكر الديني والأصولي السائد (وهو ما كانت القوى المدنية واليسارية خجولة جداً في القيام به).

– إيجاد مساحات عمليّة مشتركة ومؤسسات فعليّة لتثبيت العلمانيين وتعزيز حضورهم في الأمكنة المحليّة، خاصة أن المشكلة الرئيسية للقوى العلمانية هي تسرّب العلمانيين إلى طوائفهم بعد فترة من النشاط الشبابي. هذه المساحات يمكن أن تكون فيزيائية (مثل تجربة “البيت العلماني” في بيروت)، مؤسسة اجتماعية، إذاعة راديو، جمعية…ألخ.

– العمل بشكل مباشر على إنشاء وتعزيز المشاريع الحياتية المباشرة في المناطق المحليّة لأن ذلك يتيح للناس اكتشاف قضاياها الحقيقية وتركيز طاقتهم على تحسين ظروف حياتهم بدل التقاتل مع جيرانهم. المشاكل الحقيقية التي يجب على الناس معالجتها اليوم هي تلك المتعلقة بالانهيار الاقتصادي والطاقوي والبيئي الجاري على قدم وساق (تصحّر المناطق الشمالية والشمالية الشرقية في سوريا مثلاً هو أحد اليوم العناصر الخفيّة التي تغذّي الثورة والطائفية على حدّ سواء بين سكان هذه المناطق). إن وصولنا إلى عتبة الانهيار الاقتصادي والبيئي من دون وجود وعي حول طبيعة هذه المشاكل سيعزّز الطائفية إلى درجة غير مسبوقة لأن كل مجموعة ستنهمك في لوم المجموعة الأخرى وستعتقد أن تحسين الأمور مرتبط بتغيير الوجوه الجالسة على كرسيّ الحكم، أو بإبادة الطائفة الأخرى التي تنافسهم على مصادر المياه وخيرات الدولة.

الاحتمال الأخير الذي يجب علينا أن نعيد النظر به هو مسألة الفيدرالية. صحيح أن هذه الكلمة تخيفنا، وصحيح أننا نتهم كل من ينطقها بالخيانة، إلا أن الواقع يقول أن معظم صراعات الطوائف تبدأ بحاكم ظالم جالس على عرش العاصمة. ربّما الفيدرالية هي الطريقة الوحيدة لكي نخفّف الاحتكاك بين الطوائف ولكي تعيش كل جماعة في منطقتها بسلام نسبي من دون أن تستفزّ أو تظلم الجماعة الأخرى. هل يمكن للفيدرالية أن تكون حلّاً في بلاد متنوعة عرقياً وثقافياً وطائفياً لهذه الدرجة؟ لا أعلم، لكن ما أعلمه بالتأكيد هو أن شكل الدولة المركزية الموحدة في لبنان وسوريا والعراق قد فشل، ونتيجته حتى الآن كارثية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طوني صغبيني and tagged , . Bookmark the permalink.